دياليكتيك تاريخ / بــقلم: باسل حنا


نادي بابل

في معرض الحديث عن التاريخ فإن التمثل الذهني الاول للمتلقي قد يقتصر على التاريخ بوصفهِ مجموعة الأحداث التي جرت بتفصيلها في ماضي الزامان، وعلى هذا قد يكون التاريخ اشبة بعملية تراكمية لنشاط الإنسان و بكل تجلياته و صوره سواء كانت (المعرفية – العملاتية – النظرية ) ، كل ذلك يرسم بيانيا على خط زمني واحد يبدأ منذ تشكل الوعي البشري و حتى وقتنا هذا على اعتبار ان كل لحظة تمر يُنَظر لها كتاريخ . إن ما يدعونا هو موضوع التميز بين نوعين من التاريخ :

1-التاريخ المادي : وهو كما اسلفنا التاريخ الموثق و المكتوب وهو تاريخ (الشعوب و الامم)

2-التارخ الفلسفي : وهو محور الموضوع ، أي التاريخ بوصفهِ حالة روحية كـمُحرك عمليات لمفاصل التاريخ، أو ذالك العقل الكوني لروح العالم.

-نتحدث عن التاريخ بوصفهِ أحد المقولات الفلسفية، و بما أن التاريخ جدلي فهو بالروح محور فلسفي شَكل أساس لإرهاصات الكثير من المفكرين والفلاسفة .ففي الدورات الطبيعية لروح التاريخ حسب نظريات الفلاسفة السياسين أمثال (ماركس – هيغل ) يبقى للحضارات مخطط بياني رياضي طبيعي تسير على نوناتة المذكورة اخيرا صعودا و نزولا لتشكيل سمفونية بشرية و بتفصيلاتها و تجلياتها على علامات التاريخ، حالة أقرب للحركة الديناميكية وللتعريف فأن الديناميك هنا هو تلك الحركة الثابتة في الباطن والمتغيرة في الظاهر بتغير القوة، وبما أن الحديث هنا عن التاريخ فإن الحركة هنا هي حركة التاريخ و المتغير هنا هو العامل البشري وبتجلياته الأساسية وهو من يؤثر على مظهر التاريخ .

-فلسفة يحاول الغرب عموما و الولايات المتحدة خصوصا الإستفادة من مقولاتها فيما يخص التاريخ باستقراء احداثة و تمحيصها في محاولة لرسم سياسات ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات و الأجيال ، اذ يعتبر المحافظون الجدد منظرين و فلاسفة تستفيد الولايات المتحدة الامريكية من ابحاثهم و على الصعد كافة (السياسية – الاجتماعية ) و على أساس مقولة العالم المفتوح باقتصاد واحد، و يعتبر (فرنسيس يوكوهاما) واحد من المنظرين الامريكيين و التي اثارت أبحاثة سجال واسع النقاش على مستوى مقولة (نهاية التاريخ) و بأن التاريخ قد انتهى بدورته الأم عند حدود جغرافية الثقافة الامريكية التي باتت طاغية الانتشار بإقتصادها و فلسفة حياتها و حتى في طريقة المأكل و المشرب ناهيك عن سيبرانيكها و فضاء الأرض المفتوح وصولا الى مكونات ثقافة الاتمتة الرقمية ، فلسفة تؤمن بها الولايات المتحدة الامريكية على أنها سيدة لهذا العالم و بأن التاريخ قد توقف و سوف لن يعود لدورتهِ الديالكتيكية كما يدعي (ماركس) و انما ما بقي هو مجرد ترميمات أحداث تعمل على صقلها مشغل سياساتها وذلك لأن باطن عقل التاريخ قد توقف عند هرميتهِ التي تحدث عنها الفلاسفة الامريكين بأنها ستنتهي عند حضارة ستسيطر على العالم بثقافاتها .

-ولكن فيما إذا عدنا للوراء و تحديدا إبان الحرب الباردة و ما سبقها، نجد بأن الحركات الشيوعية في العالم و بصورها السياسية و الفلسفة الاشتراكية بصورها الاقتصادية و التي هي الاخرى باتت تحتل موطئ قدم في بلاط مؤسسات الثقافة للأمم و الشعوب، هي أيضاً فلسفة كانت لها اراء مختلفة في ما يخص (مقولة التاريخ ) بروح اقرب للمعادلة بين الأمم و الشعوب على ميزان العدالة و المساواة، و نحن هنا لا نجحف بحق العالم بطرفه الغربي ذلك لأن الثورات في أروبا و حتى في اميركا سواء الثورات الشعبية على مستوى الفكر أو على مستوى التحرر قامت على أسس العدالة و المساواة كما بشر (روسو) في فلسفته ، ولكن هنا نحن في معرض الحديث عن فلسفة روح التاريخ و لهذا كان لابد من التطّرق للعالم بقسمه الشرقي لأن ذلك يجسد لنا مشهد درامي تحت عنوان (صِدام الحضارات ) على خشبة مسرح السياسة العالمية ويرسم لوحة تقسم العالم إلى قسميين (راس مالي – اشتراكي) وبالبوند العريض (دول محور و دول مركز )، وفيما إذا اقمت تمثيل فإنني أرسم مجسم مكانيك الحركة لدول المركز على انه المسنن الوسط قريب الأبعاد و لدول المحور وهي بقية المسننات التابعة والمتباعدة في المحور و التي تدور عكس المركز و هذا ما يفسر كيف أن دول العالم الثالث متراجعة بالرغم من النسق التطوري للاقتصاد العالمي كاكل و التي لا معزل للامم من تأثيراته و ثانيا أنها من أكثر الدول غِنا بالثروات و التراب و المناخ المستقر إلى جانب الكفائات التي تفجرها، كل ذلك مرجعه للمركزية الاقتصادية الصغيرة في الأبعاد و التي تدور عكس المحورية الاقتصادية المتباعدة في الأطراف كمسنن تابع، هي مقولات تاريخ أو حماقات شعوب أو حضارات تصعد و تنحدر سَمِها ما شئت هي عملية أشبه بحركة الساعة فكل شيء في هذا العالم إيقاع و رقم .

-“إن ابن خلدون” وهو واحد من الفلاسفة الاجتماعية أكد بأن الدورات الطبيعة للمجتمعات تتحدد بعمر يدخل مراحله الخمسة بأربع أجيال حيث يتوسط عمر الجيل برقم يتراوح بين 30-35 سنة وبهذا يكون عمر الدولة 120 عام.

-فيما إذا اجرينا اسقاط درامي لواقع الحال عندنا كاحضارة عربية متأصله متجذره ضاربة الجذور في تراب التاريخ العتيق، نجد أنه ومع دخول الثقافة الإسلامية على النسق الفلسفي للثقافة العربية قبلاً, فإن المسألة الاكثر خطراً تتمثل في منطق الأسلمة العمياء والانطوائية وذلك للنئي بالنفس عن كل فلسفة ومقولة تتحدث عن حركة تاريخ وهو ما سأناقشه في قادم المقالات.

-إنما يهم هو امتلاك الشعوب والأمم روح التاريخ (فلسفة الحياة) إما فيما يخص التاريخ ودورته فهي مسألة على مايبدو مبتوت في أمرها، إن الإسلام كثقافة تمثل كما هو الحال في علم الرياضيات الصفر الحقيقي والذي منه تهبط الاعداد نزولاً وترتقي منه صعوداً، هو ذاته الحال على مستوى إعداد الحضارات وفيما إذا انطلقنا من مقولة “ابن خلدون”: فإن كل حضارة تحمل في أحشائها بذور فنائها لترتقي حضارة جديدة بـثقافة جديده وعلى مستوى مجسم ميكانيك العالم على أساس أن فناء الحضارة لا يكون بجرة قلم ولن يكون بين ليلة وضحاها، نجد أن الموضوع يبقى مرهون بروح التاريخ بإيقاعهِ وعددهِ وقد يكون هذا بإحداث تنبأ بإنهيار أركان أساسية لإي ثقافة في الوقت التي تحمل هذه الأحداث بذور ظهور نسق فكري جديد يؤسس لحضارة جديدة.

-إن مدعاة الحديث هنا وبرأيّ هو أن الثقافة الاسلامية كفلسفة حياة هي من ستتمثل فيها الحركة الكونية لروح العالم وفيها ستحدد معالم تلك الحركة في نسقها الأفقي أو العامودي ومنها ستخرج تشكيلات أممية جديدة، والسبب في ذلك أن لكل ظاهرة في هذا العالم محرك باطن روحي المسكن وهذا ما يسميه فلاسفة الابستمولوجيا (مقصد الشعوري الباطن) اللاوعي الوجود، وبما أن التاريخ ظاهرة ولابد ان يكون لها محرك فإن التمثل الأول لهذه الفلسفة اسقاطيا هو الاسلام كمرتب على هرمية الحدث لعقل التاريخ ومحرك له، في الوقت الذي ستكون فيه هذه الحضارة صفر التاريخ الحقيقي، ولكن هذا لا يتفق مع فلسفة (فرنسيس يوكوهاما) المدعي بتوقف دينمو عمليات حركة التاريخ وإن العقل الكوني قد مر بمرحلته هذه وارتسم عند حدود ثقافة الغرب بعمومة والولايات المتحدة الامريكية بخصوصة،بنشرها لديمقراطياتها على مستوى العالم… ولكن ماذا عن الثورات الشعبية وانقلاب الايديولوجيات في منطقتنا وتغير حكوماتها، ماذا عن الفكر القومي الذي على مايبدو انه يلفظ انفاسه الاخيرة في ساحات القتال مع الرجعية والحركات الاسلامية الغير معتدلة ألا يبشر هذا بإنتفاضة تاريخ جديد وصحوة للعقل الكوني …..سؤال.

بــقلم: باسل حنا

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7499

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى