دور الكلدان في الحضارة العالمية والمسيحية عبرالعصور


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

توضيح

إن الدورَ الحضاري العالمي للكلدان يبدأ قبل الميلاد بما يزيدُ عن خمسةِ آلاف عام، أما دورُهم الحضاري المسيحي فيبدأ منذ بدايةِ العهد المسيحي في بلاد بين النهرين “العراق”. إنَّ هذا الدورَ يحتاجُ الى مجلّدات تاريخية مُسهَبة نظراً لعراقةِ هذا الدور وأصالتِه وقوةِ إشعاعِه، فعاهدتُ نفسي ببذل قصارى جهدي لإبرازه في أربعةِ مجلّدات ضمن تاريخ كنيسة الكلدان المشرقية، وقد استطعت بعون الرب إصدار المجلَّد الثاني لتاريخ بلاد الرافدَين بعنوان “تاريخ كنيسة المشرق الكلدانية” في العام المُنصرم 2013م ويتناول تاريخَها منذ تأسيسِها في القرن الميلادي الأول وحتى السابع. أما في هذا البحث فهَدفي هو استجلاءُ صورةٍ مصغرة بقدر كبير من الإيجازعن مدى مساهمةِ آبائنا وأجدادِنا الكلدان في رفدِ التراث الإنساني والحضاري ليس على نطاق بلاد بين النهرين”العراق” فحسب، بل على النطاق العالمي، فلا بدَّ من التعرُّج ولو بايجاز الى دورهم قبلَ الميلاد، حيث يمتدُّ لأكثر من خمسةِ آلاف عام كما نوَّهنا أعلاه، ثمَّ نتحرَّى عن دورهم بعد الميلاد. أما المُجلَّد الأول لتاريخ بلاد الرافدَين “الكلدان والآشوريون عبر القرون” فقد صدر عام 2011م وكلا المُجلَّدَين متوفِّران في كافة مكتبات الكنائس الكلدانية في ولاية مشيكان ومدينة سان دييكَو في كليفورنيا.

-الجزء الأول-

بمناسبة السنة الكلدانية الجديدة 7314

الإشعاع الكلداني قبل الميلاد

الأمة الكلدانية اكتنفتها عصورٌمشرقة واخرى مظلمة، ففي المُشرقة منها تجلَّى فضلُها وسطع عِزُّها وتلآلآ مجدُها، من حيث العِلم والثقافة والحضارة، فبرهنت وبحقٍّ بأنَّها أبرزُ الأمم القديمة وأعرقُها، ومِن حقِّها أن تتباهى وبفخر بمزايا أبنائها المتفوقة في حقول العِلم والأدب والفن، ويكفيها فخراً إتقانُهم لفنِّ الكتابة! ولم تَبخَلْ هذه الأمة الكريمة بتلقينِه لمُختلف الشعوب الأخرى لتغدوَ مدينةً لفضلها الكبير. ومن جانبها اعتبرَتْه نوراً أهدته للعالَم ليستضيءَ به.

إنَّ ما توصَّل إليه الكلدانُ قديماً من صناعةٍ ومعرفةٍ بشتّى أنواععِهما بلغتا من الإتقان حينها أسمى درجة، ومنهم اقتبسها اليونانُ والفرسُ وغيرُهم من الشعوب القديمة، وقد خَصَّ بهما وصفاً المسيو لنورمان (تواريخ الشعوب الشرقية القديمة ج 5 ص 103) ما تعريبه: <إنَّ انسجة الصوف والكتّان التي كانت تُنتجُها معاملُ بابل حازت اعتباراً كبيراً بلغ أعلى درجةٍ من الأهمية، كما إنَّ الأقبيةِ والطنافس التي كانت تستحضرها لم تَسبقها إليه أيَّة معامل اخرى! وكانت المعاملُ حينذاك مُقامةً في بابل وفي سائر مدن المملكةِ ونواحيها. وكُلُّ الذين كانوا يُلاحظونَ دقة تلك الأنسجة وزخرفتَها لا يسعهم إلا الإعتراف بأهلية ومهارة نُسّاجِها وإطراء سلامة وسُمُوِّ ذوقهم. والأغرب في الأمر، أنَّ النساءَ وحدهنَّ كُنَّ يَعمَلنَ على تشغيل تلك المعامل في اوقات الفراغ. ويُقدَّرُ للفُرس خلفاءِ الكلدان إتقانُهم ومُحافظتُهم بكُلِّ دقةٍ على تلك الإبداعات الصناعية نفسِها. ويُضيفُ لَنورمان في (الصفحة 219 من المصدر السابق) إنَّ العنصرَ النسائي للضعب الكلداني وحدهُ كان يقومُ بنسج الثيابِ الملكية والنمارقِ ذات التصاوير الخالبة للألباب والتي يُنسَجُ على نمطِها في ايامنا. ولذلك اكتسبَت الأنسجة البابلية شهرةً فائقة وذات صيتُها في كُلِّ جهات العالَم ووجدت تفضيلاً لدى الملوك والوزراء وجمهور الأغنياء… وقد أشار إليها الكتابُ المقدس/ سفرُ ايشوع بَرنون (9-21)، وكان يتهافتُ الى شرائها المُنبهرون بها ولا سيما نُبلاء روما ويدفعون ثمنها ما يُعادل ثِقلَها ذهباً. فإنَّ “متلُّوس شيبيون” دفع ما يُساوي اليوم 168000 فرنك لقاءَ مُتّكأٍ ثلاثي بابلي. وإنَّ قيصرَ روما نيرون دفع لشراءِ قسمٍ من هذه الأنسجة نفسِها ما يُساوي اليوم 840000 فرنك>. ولهذا قال المسيو اوجين منتز: ليس هنالك مُبالغة في قيام الشعراء اللاتينيين بإطراء الأنسجة البابلية وبالأخص اللحف البابلية بعبارة “كانت تفوق كُلَّ وصف” إذ كانت في الحقيقة كذلك.

ويَستطردُ لَنورمان: لقد احتفظ الشرقُ بمكانته المرموقة الى يومنا هذا كموقع وحيد من حيث تفرُّده بالحيازة على فنِّ الصناعة والتطريز والنقش الموروث عن مَهَرَة بابل المشاهير، وهو دليل يؤيدُ ويُثبتُ تقاليدَ تلك الشعوب القديمة المتمدنة. فإنَّ تطريز الأنسجة في ذلك الزمان بالقصب وتزيينِها بالتصاوير المُبهِجة والألوان الطبيعية، أعطى شهرة لصُنّاعِها تُغني عن وصفهم… أما المهارة الفنية في تنزيل القدماءَ الذهب والفضةِ على الفولاذ فكان أجدادُنا القدماء يُتقنونها بدِقَّةٍ، حتى إنَّ هذا الفنَّ في الأزمنة المتوسطة أعطى لمُزاوليه في مدينتي بغداد والشام شهرة عظيمة لإتقانِهم له، وكان بين سكّانِ هَتين المدينتَين مَن يُحسنون الترصيعَ والصقلَ بالمينا والحفرَ على الحجر وتجهيزَ الزجاج بشكل مُتقنٍ ودقيق. فكُلُّ هذه الفنون كان الكلدانُ يُزاولونها. ولا ننسى بأنَّ العُمّال كانوا يُهيِّئون عجيناً من الترابَ الأحمر ليصنعوا منه الآجر والأوعية الفخارية لإستخدامِها بعد شَويِها. أما المسيو اوبير فيقول ضمن (رحلته العلمية في ما بين النهرين ص 130) بأنَّ هناك موقعاً في شمالي بغداد يُدعى”موسى الكاظم” يسكنُه اناسٌ من بقايا الكلدان لديهم صنائعُ فائقة كالنقش والتطريز والصياغة ولا سيما الحفرُ على الحجر، وفيهم مَن قد أحرزَ مهارة متفوقة. وقد وجدتُّ بعض الانتيكات المزوَّرة ولكنَّها مُشابهة كُل الشبه للانتيكات الحقيقية، والكثير من السياح الأجانب البسطاء ينخدعون بها لدقةِ صُنعِها.

ويقول المؤرخ لَنورمان (تواريخ الشعوب الشرقية القديمة ج5 ص 358) بأنَّ النقوش التي كانت تُزيِّنُ قصور مدينة نينوى كانت مطلية بدهوناتٍ ذات ألوان زاهية تُنتَجُ في بابل ومنها تُجلَبُ الى نينوى لأنَّ المنتجَ الشبيه لها في نينوى كان شحيحاً قياساً بما كانت تُنتِجُه بابل، والزائر لمتاحف اوروبا يجدُ قِطَعا منها في باحاتهاً. وكانت بابل تَطلي صورها المنقورة بدِهان خاص، أما نينوى فكانت صورها المحفورة مطلية بالمينا. واستطاع المنقبون الإنكليز من العثور على أوعيةٍ فخارية متنوعة مثل الجِرار والأقداح والخوابي والزُرنيات في قبور الكلدان، وحتى اليوم يُلاحَظ وجودُ قِطعٍ عديدة من الطابوق المطلي باللون الأزرق منتشرة على تلال في ضواحي بابل مِمّا يُشكِّل دليلاً على وفرة استعماله من قبل الكلدان. وذكر المؤرخ تيودورس في (ج2 العدد 6و8) بأنَّ أسوار بابل التي أمر بإقامتها الملك الكلداني نبوخذنصر الثاني كان يُشاهَد عليها رسوماً لحيواتٍ متنوعة مطلية بأصباغ مختلفة الألوان.

جاء في (مجلة المشرق ع4 ص 923 وع5 ص 88) كان للكلدان باع طويل في فَنِّ النجارة، إذ كانوا يُنتجون أقواساً جميلة مِن صُنعِهم ويُبدِعون أنواعاً مِن الرسوم والتماثيل، ومنها ما زال مُصاناً في دار الإنتيكات في لندن وفي متحف اللوفر بباريس حيث تَجد فيه تمثالاً لأسدٍ وقِطعاً من عرشٍ ملكي. وإذا كانت هناك إبداعات للمتفنِّنين في صناعاتٍ من المواد العاجية والعظمية وهي الأصلب من المادة الخشبية المِطواعة للعمل اليدوي، أفلا يكون الوضع أكثر تقدُّماً بالنسبة للتفنُّن في العمل النجاري؟ ومن التفنُّن في نوعيةٍ مُعَيَّنة من الخشب هو قيام المُبدِعين بترصيع المُصنَّع منه نَقْشاً بالأحجار الكريمة او العاج، وكان الخشب المُفضَّل لديهم هو السندبان لوفرتِه في المناطق العالية من الجبال، وقد عُثِرَ لهم على أعمال منقوشةٍ على خشب السّاج والأبَنوس ايضاً، أما خشب الأرز فكان يُجلَبُ من لبنان ويُستخدم في البناء، وكذلك برع الكلدان في فنِّ النقش على الحجر وحفر الصور بشكلٍ بارز عليه.

أما براعة الكلدان في حقول العِلم فحَدِّث عنها ولا حرج، ولا سيما تفوّقهم في عِلم الفلك على سائر الأمم المعاصرة لهم، فلدى تسلُّم السلطة من قبل الملك الكلداني”نبونصَّر 747-734 ق . م” مؤسِّس السلالة البابلية الرابعة، عُرفَ بكونه ملكاً عزيزَ الجانب ميّالاً الى العِلم والتقدُّم الحضاري، ولفرط ولعِه بهذا الشأن صنَّفه المؤرخون كأحد رُوّاد حضارة العهد القديم. في عهده انتقلت بابلُ الى عصر مزدهر، شهد تطوُّراً كبيراً في عِلم الفلك. اشتهر هذا الملكُ باهتمامه الشديد في تدوين كافة الظواهر الكونية والأحداث الملازمة لها وتوثيقِها بشكل دقيق، مشجعاً العلماء على رصد حركة الكواكب والنجوم وكُلِّ ما يطرأ في المجال الكوني، كظاهرتي الكسوف والخسوف وتسجيل قياسات مناسيب الأنهار وتبدُّل أحوال الطقس. وقد ذكرت المؤرخة جان اوتس في كتابها(بابل ص 113) بأنَّ المصادر التاريخية اليونانية القديمة قد أشارت: بأنَّ الكلدانَ ومنذ عهد الملك نبونَصَّر747 ق.م قاموا برصدِ كافةِ حركات الكواكب والنجوم المعروفةِ آنذاك وتدوينِها بدقةٍ متناهية، وقد استند الفلكيون والرياضيون اليونانيون فيما بعد الى عِلم الفلك الكلداني واعتمدوه مصدراً لبناءِ معلوماتهم بهذا المجال.

يقول “ادورد كييرا” المؤرخ والآثاري الكبير في كتابه (كتبوا على الطين ص172): لقد بلغ الكلدان مرتبة متقدِّمة في علوم الجبر والهندسة والفلك، فإنَّ العالِمَين “نابة ريماني” الذي كان يعيشُ في بابل عام 500 ق.م و “كِدانو” قد طوَّرا عِلم الفلك ووصلا به الى درجةٍ متقدِّمة تمنحُهما استحقاقاً لدرج إسمَيهما بموازاة العلماءِ “غاليلو وكبلر وكوبرنيكوس” إذ في عام 367 ق.م توصَّل العالِم “كِدانو” الى تقدير مدةِ السنة الشمسية بدقةٍ متناهية لم يتعدَّ الفارقُ بينها وبين ما هو معروف اليوم إلا بزيادةٍ قدرها أربع دقائق ونصف الدقيقة.

ويقول المؤرخ “جورج رو” بأنَّ الكلدانَ ومنذ القرن الثامن عشر ق.م، توصَّلوا الى استنتاج الجِذرَين العدَدِيَين التربيعي والتكعيبي وبتطابق كبير لِما هو معروفٌ عنهما اليوم. ويُقال بأنَّ العالِم فيثاغورس ابتكرَ نظريته على نظريةٍ مُشابهة سبقَه إلى اكتشافِها العلماءُ الكلدان قبل عشرة قرون من الزمان، كما وضعَ الكلدانُ نظامَ قياسٍ للدائرة تحديداً بـ”360″ درجة وللأفق “180” درجة. وقبل أكثر من 30 قرناً اخترع العلماءُ الكلدان الساعة المائية والساعة الشمسية وابتكروا النظامَ الزمني السِتيني المُتبَنَى من قبل العالَم أجمع حاليا، وهو احتساب الزمن بتقسيم “الساعةً الى ستين دقيقة والدقيقة الى ستين ثانية” بلإضافة الى ابتكارهم للوحدة الزمنية “اليوم، الشهر، السنة” فاحتسبوا عدد ايام السنة بـ”360″ يوماً، ومدة اليوم “24” ساعة وقسَّموا أيام السنة الى إثني عشر شهراً. واستنبطوا الشهرَين الشمسي والقمري، وذلك عن طريق مُراقبتِهم لواحدةٍ من دورات القمر شهراً تِلوَ شهر وملاحظة تداعياتها نسبة الى الزمن، حيث اتَّضح لهم: بأنَّ كُلَّ اثنتَي عشر دورة قمرية أي بَدءاً بظهور القمر واختفائه يتمُّ خلالها تكرارُ وتجدُّدُ فصول السنة.

وقرَّروا اعتماد الأول من شهر نيسان، بدايةً لكُلِّ سنةٍ جديدة واعتبروهُ عيداً قومياً تتخلَّلُه احتفلاتٌ ضخمة مُطلقين عليه اسم “أكيتو أو اخيتو ويَعني الحياة” حيث كان الإعتقادُ سائداً لديهم بأنَّ الحياة والطبيعة تتجدَّدان في ذلك اليوم، ناهيكَ عن اكتشافِهم المُدهش بأنَّ الأرضَ والشمسَ والقمرَ وخمسة كواكب اخرى تُشكِّل مجموعة ترتبط ببعضِها البعض، وهي نظرية ثابتة لم يتسنَّ للعالَم إدراكها إلا بعد مرور عشرين قرناً من زمن اكتشافِها من قبل العلماءِ الكلدان. ومن ضمن اكتشافاتهم الفلكية الأخرى، ابتكارهم التقويمَين الشمسي والقمري على أساس أنَّ كُلَّ “235” شهراً قمرياً تُعادل “19” عاماً شمسياً. وللتوفيق بين السنتَين الشمسية والقمرية، نظموا تقويماً يستند الى احتساب “13” شهراً لكُلِّ سنة من السنين السبع من كُلِّ “19”سنة. وقد اقتبس يهودُ السبي البابلي هذا التقويمَ الذي وضعه العلماءُ الكلدان وما زالوا يستخدمونه لغاية اليوم.

وعن تفوُّق العلماء الكلدان في مجال عِلم الفلَك، يقول الباحثُ الآثاري “لينكدون” إنَّ أول مَن أوجد نظرية الأبراج واستطاع تحديدَ مسارالشمس واحتسابَ منازلها بدِقةٍ مُذهلة كان العلماءُ الكلدان منذ عام 700 ق.م كما نظموا جداول زمنية لظاهرتَي الكسوف والخسوف لمئاتِ السنين اللاحقة. أما المؤرخ الفيلسوف “بليني” فيُطري الفنَّ الكلداني بكُلِّ انواعِه حيث يقول: إنَّ مهارة الكلدان في ميادين الرسم والفن والعِلم، جعلتهم مؤهَّلين لنيل شرف الإمتياز والتفوُّق على مُعاصريهم الآخرين، فشهرة النسيج البابلي أخذت موقعاً مرموقاً لدى الفرس واليونان والرومان. أما عن مهارةِ الكلدان وتفوُّقِهم في عِلم استخدام المياه “العِلم الهيدرولوجي” فقد برهنوا عليه بإنشائِهم للجنائن المُعلَّقة في بابل التي عُدَّت إحدى عجائبِ الدنيا السبع في العهد القديم! تلك التي اوقعت العلماءَ حتى العهد القريب في حيرةٍ من الطريقة التي استخدمها المُهندسون الكلدان قبل نحو ألفين وخمسمائة عام لإيصال المياه الى ذلك العلوِّ الشاهق. وقد عثر المنقبون في منطقة بابل مؤخراً على بطاريةٍ جافة لا تختلف كثيراً عن البطاريات الجافة الحديثة التي تُستخدَم في توليد القوة الكهربائية، قالوا بأن تاريخَها يعودُ الى عهدِ الملك العظيم نبوخذنصَّر الثاني. ويُستَدَلُّ مِمّا تمَّ اكتشافه في الزمن الحديث والذي لا يُشكُّ في صحته بأن الكلدان قد بلغوا شوطاً متقدِّماً في شتّى العلوم وبخاصةٍ في عِلم الفلك! وفي كتابه (النجامة والتنجيم عند البابليين المطبوع عام 1911) يُعدِّد المُعلِّمُ الشهير “كارل بتسولد” هذه العلوم ويُثني عليها متعجِّباً من قدرة العلماء الكلدان الوصولَ الى هذه الحسابات الدقيقة بدون أن يكون لديهم الأجهزة المُخترَعة في هذه القرون المتأخرة. وقد أفادت (مجلة المشرق العدد 14 ص 972-973) بأنَّ اليونانيين اقتبسوا العلوم الفلكية آنذاك من الكلدان، وانتقلتْ من اليونان الى العرب.

وكانت صناعة الكتابة شائعة لدى الكلدان منذ أقدم الأزمان، ومن خواص لغتهم بحسب العلماء بأنَّ الأسماء فيها إمّا مجزومة او بالربّاص مختومة، والربّاص يقابله في العربية تنوين الرفع. وتذكر (مجلة المشرق العدد 8 ص 186-187) كان في كُلِّ مدينة كلدانية مكتبة تحوي كتباً شتى في العلوم والآداب والصنائع والتواريخ. وقام الملك الآشوري آشوربانيبال بإنشاء مكتبةٍ عظيمة في مدينة نينوى احتوت نتاجاتِ علماءِ بابل والمدن الكبيرة الأخرى لتُغطِّيَ الإفتقارَ الهائل الذي كانت تُعانيه نينوى من النتاجات العِلمية والثقافية بسبب انهماكِ الشعوب المنضوية تحت الحكم الآشوري بالحروب المتواصلةِ التي لم تُعطِ مجالاً لها لإكتساب الثقافة والمعرفة، فالفضلُ يعود لآشوربانيبال فقط لإستجلابها وجمعِها في مكتبة واحدة سُمِّيَت باسمه. ووصلت إلينا باكتشافِ هذه المكتبة من قبل المنقبين في تل قوينجق أحدِ خرائب نينوى الواقع مقابل الموصل الحالية. وقد انتقلت آدابُ أبناء الأمة الكلدنية الى معظم الشعوب المعروفة آنذاك، وأكبر دليل على ذلك الصناديقُ الخشبية المملوءة بقطعٍ من الآجر مكتوبٍ عليها كتاباتٍ مسمارية بابلية كلدانية، المكتشفة عام 1888م في تل العمارنة في صعيد مصر. وهي تتضمَّنُ سِجِلاّت مملكة مصر الفرعونية على عهد الفِرعون امينوفيس الرابع ووالده امينوفيس الثالث الذي كان عهدُه سابقاً لعهدِ موسى النبي، واشتملت هذه السجلات على مُراسلات مُوجَّهةٍ الى فراعنة مصر وهي على نوعَين: أ – رسائل ملوك آسيا وامرائِها غير الخاضعين لمصر بل المنتصرين عليها وهم ملوك بابل وآثور والحِثِّيين. ب – رسائل ولاةٍ وامراء عديدين من سوريا وفلسطين. وقد أخذ العلماءَ العجبُ من كيفية دخول اللغة الكلدانية واستخدامِها في سجلات فراعنة مصر، فعزا البعضُ ذلك الى كون اللغة الكلدانية في ذلك العصر اللغة الرسمية المتداولة فيما بين الدول الشرقية، كما هي اللغة الإنكليزية في عصرنا هذا، أما البعضُ الآخر فيعزو ذلك الى أنَّ سكّان الولايات الشامية آنذاك كانوا يتحدَّثون باللغة الكلدانية. انظر (مجلة المشرق العدد3 ص 786).

كان الكلدان والآثوريون الكلدان سكّان المناطق الجبلية ومنذ القديم من الزمان يسوسون مُواطنيهم عبرَ قوانين وضعية متقنة وشاملة، ويكفي الكلدان فخراً وشاهداً على ذلك شريعة الملك حمورابي العظيم الذي يُغني ذِكرُه عن وصفه. عاش هذا الملك الجليل في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد وهو من أشهر ملوك الكلدان. لقد اهتمَّ حمورابي بالبحث عن كُلِّ القوانين والشرائع التي كان ملوك بلاد ما بين النهرين السابقين لعهده قد وضعوها من أجل توفير العدل والمُساواة بين رعاياهم، فجمعها ونقَّحها وأضاف الى شريعته منها ما لم يكن ضمنها، فجاء كتاب شريعته التي عُرفت باسمه “شريعة حمورابي” مكتملاً وشاملاً، حيث احتوى على 282 فصلاً في الحقِّ المدني وفي القضاء والتوظيف، وايجار واستئجار الأراضي وريِّها، ومرعى المواشي وغيرها، بالإضافة الى الحفاظ على الحقوق الشخصية وعدم التجاوز عليها، والأمور البيتية المتعلقة منها بالزواج من حيث حقوق الرجل والمرأة والأولاد وتقسيم الإرث، حالة العبيد والجواري، وظائف الأطباء والبنائين، اجورهم ومسؤولياتهم. عُثِر على هذه الشريعة مَطمورة في الأرض بمدينة شوشان عاصمة العيلاميين. لقد ترجمها الأب شيل الى الفرنسية، انظر (شريعة حمورابي الطبعة الثالثة/ باريس، 1905 ص 80) ويقول لقد اخذ الإندهاشُ منها معظمَ علماء اوروبا وترجموها الى لغاتٍ شتى! والى الجزء الثاني قريباً حول الإشعاع الكلداني في العهد المسيحي.

الشماس د. كوركيس مردو

في 1/4/2014م رأس السنة الكلدانية “اكيتو”7314 ك.

 

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى