خيبة أمل مَن يُسمون أنفسهم بقادة شعبنا


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو


لقد تحدثتُ ومنذ تصميم القيادة الكردية على إنشاء ما يسمى بالمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري عام 2007 برئاسة سركيس أغاجان أحد الأعضاء البارزين في الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي لم يَسمع باسمه أبناءُ الشعب المسيحي في الساحة السياسية المسيحية من قبل، بأن ظهوره على المسرح السياسي المسيحي كان بإرادة حكومة إقليم كُردستان العراق للقيام بدور المنفذ القوي لإيديولوجيتها ذات الأهداف الجغرافية التوسعية لإقليم كردستان، ولذلك دعمته مادياً وإعلامياً بشكل لم يسبق له مثيل، وطلبت منه السعيَ بكافة السبل والوسائل الى ترويض الأحزاب المسيحية العاملة في الساحة السياسية، وما إن استتبت له الأمور بالطريقة المطلوبة منه، حتى اوعِزَ إليه بتقديم طلبٍ لمنح شعبنا المسيحي حكماً ذاتياً في المنطقة الأكثف بتواجده هي منطقة سهل نينوى، وهنا تصدى لهذا المطلب تنظيم زوعا بقيادة زعيمه يونادم كنا حيث عارض هذا المطلب ونادى بنوع من أنواع الإدارة الذاتية. والتنظيمان المجلس الشعبي وزوعا هما غريمان لدودان وفي ذات الوقت متزمتان الى أقصى حدود التزمت، ومتحدان بالوقوف وبصلابة متناهية ضِدَّ الكلدان وطموحاتهم القومية على الساحتين العراقية والكردستانية.

وبعد شعورهما باستحالة تحقيق أيٍّ من المطلبين الحكم الذاتي والإدارة الذاتية، إتخذا مِن تصريح الرئيس جلال الطلباني الذي ورد عفوياً أو ربما مقصوداً بعد حادث الإعتداء الإرهابي الغاشم على كنيسة سيدة النجاة في بغداد << أن لا مانع لديه من إقامة محافظةٍ مسيحية في سهل نينوى >> فتهلل أغاجان ومجلسه الشعبي بهذا التصريح واعتُبرَ ذلك مدخلاً جديداً لتحقيق ما كُلِّف به منذ أن جاءَت به القيادة الكردية ليلعب الدور المرسوم له والذي نوهنا عنه اعلاه، وكالعادة كان رأي قائد تنظيم زوعا يونادم كنا مغايراً لرأي أغاجان بخصوص المحافظة ويُستشف ذلك من خلال تصريحه لقناة البغدادية الفضائية في 22 آب الماضي حيث قال: < إن مسألة استحداث محافظة جديدة إنما هي مسألة تقسيمات إدارية بحتة تُمليها حاجات إدارية واقتصادية ولا تقف وراءَها دوافع اخرى عِرقية أو طائفية > وهنالك تصريح أخر له يشوبُه التشوش والإرتباك عندما يقول : < المطالبة باستحداث محافظة في سهل نينوى للمكون القومي” الكلداني السرياني الآشوري” لا يعني إنشاء كانتون على أساس عِرقي أو طائفي، بل المحافظة المقترحة ستكون لكل المكونات في المنطقة من يزيديين وشبك وعرب وكُرد، فنحن لا نريد الإنفصال عن باقي المكونات. كما إن إنشاء كانتون على أساس قومي أو ديني هو مخالف للدستور العراقي > أليس تحديد اسم ” المكون القومي ” إشارة منه الى الغرض الذي ينشده في الخطاب القومي؟ ثم ألا يخالف هذا الطرح تعريفه لهذا المشروع بأنه مجرد ضرورة إدارية لا غير!

وانبرى أغاجان ومجلسه والمجموعة الهزيلة من أحزاب النساطرة منتحلي التسمية الآشورية المزيفة وبعض القوى الكلدانية المنشقة مُجبرةً عن إجماع الشعب الكلداني المعارض لكُل ما يُسيء الى الأمة الكلدانية وطموحات أبنائها في العيش المشترك مع كافة أطياف الشعب العراقي بنِديةٍ وعدالة ومساواة على كامل التراب العراقي، حيث أخذت أبواقها المأجورة بالترويج لهذه المحافظة التي رُبط إسمها بالمسيحيين وهو خطأ كبير لأن المنطقة المشار إليها بإقامة المحافظة المزعومة ليست منطقة مسيحية حصراً وإنما تقطنها مكونات اخرى غير المسيحية كاليزيديين والشبك والمندائيين وغيرهم من المسلمين، وإذ تنبهوا الى هذا الخطأ إضطروا للمناداة بها بإسم ” محافظة سهل نينوى” وبدأوا بإرسال وفدٍ برئاسة كلداني مُوالٍ لهم ومشارك بما سموه” تجمع أحزاب شعبنا” لشرح وجهات نظر هذه الأحزاب بالمحافظة المقترحة لأبناء الشعب المسيحي في بلاد الإغتراب، فجوبه الوفد من قبل الأحزاب والمنظمات الكلدانية بدحض كامل لوجهات نظر تلك الأحزاب المرتبكة والغامضة فى طرحها للمشروع، وأعلنوا رفضهم الصريح لهذا المشروع غير الواقعي، وإن الأسباب التي ارتكزوا عليها وهي الأوضاع الأمنية المتدهورة لا تُعَد مبرّراً كافياً لإستحداث محافظة خاصة بدليل أن كافة مكونات الشعب العراقي لم تسلم من بطش الإرهاب اليومي الذي يتعرَّضون له، فهذه الحالة الإستثنائية تحتاج الى سلطةٍ قوية تسعى بالدرجة الأولى الى توفيرالأمن لجميع المواطنين وحمايتهم قبل انصراف أركانها كلياً الى الصراع حول الكراسي والإستحواذ على أكبر قدر من المال، وهذا هو الواجب القيام به من قبل عموم الشعب العراقي !

إن كافة مكونات الشعب العراقي تعلم أن للمكون المسيحي ما عدا الأرمن له هوية قومية هي القومية الكلدانية التي تشمل الكلدان وهم العدد الأكبر ثم السريان والآثوريين النساطرة الطائفتين اللتين انفصلتا عن الأمة الكلدانية وكنيستها عبر الزمن واتخذت كُلٌّ منهما تسمية لا تُبعدها عن امتهما الكلدانية فحسب بل تجعلان منهما عدوتين لدودتين لها وتعملان كُلَّ ما من شأنه أن يُلحق الأذى بها وبكُلِّ ما تملكان من قوةٍ من حيث تشويه التاريخ عن طريق التزويروالتلفيق والإفتراء، والأنكى من كُلِّ ذلك إدّعاء كُلٍّ منهما بالأصالة والأولوية على الطريقة العشوائية. إن هذا الواقع التخبطي حَيَّر المكونات العراقية الكبرى العرب الشيعة والعرب السنة والأكراد وحتى المكونات الأخرى الصغرى، ولا يدرون بأي إسم قومي ينادون المكون المسيحي المثلث التسميات، ولذلك إرتأ القابضون على زمام الأمور في الدولة والإقليم أن يُطلق عليهم الإسم الديني “المسيحيون” وغيَّروا الكوتا القومية في الإنتخابات الى الكوتا المسيحية بناءً الى طلب الطائفتين السريانية والآثورية النسطورية، ليساعدانهما على خدع أبناء الكلدان الأصلاء الكاثوليك باستخدام عبارة ” كلنا مسيحيون” فانطلت عليهم هذه اللعبة السياسية لبساطتهم، وهكذا خسروا الإنتخابات بفعل الخداع والتزوير.

وبالعودة الى مسألة “محافظة سهل نينوى” هنالك رافضون لها بالمطلق ويتمثلون بالكلدان والسريان الوطنيون المخلصون وهم العدد الأكبر البعيد عن التأثير الحزبي، وهنالك مؤيدون لها وهم الأقلية الضئيلة الآثوريون النساطرة وبعض الأفراد من الكلدان والسريان الذين وقعوا في شباكهم عن طريق التغرير بهم بطروحاتهم السامة المملوءة بالخداع إنطلت عليهم نتيجة الجهل وقد قيل بأن الجهلَ كُفر، والبعض الآخر إستُغِلَّت حالة العوز لديهم فقاموا بشراء ذممهم. وقد أصبح هؤلاء مزدرين من قبل أبناء شعبهم وتبرأوا منهم. ثم إن للطرف الرافض أسبابه الخاصة ومنها: وضع العراق الراهن الإستثنائي السائد – تعاظم التفرقة الدينية المشوبة بالعنصرية التي لها النصيب الأكبر في الثقافة الإجتماعية، والأهم من كل ذلك معارضة المكون العربي السني الذي يَنتقد هذا المشروع بشدة ويقف بالضد منه، وقد أعلن ذلك بصراحة رئيس البرلمان العراقي بأن حدود محافظة نينوى خط أحمر لا يمكن التجاوز عليه. أما الطرف المؤيد فمدفوع من قبل القوى الكردية لأسباب يعرفها كافة الشعب العراقي وهي التوسع الجغرافي وما إقامة هذا المشروع وبأي إسم كان إلا لضمه الى إقليم كُردستان ولذلك فحكومة اقليم كردستان توحي للرأي العام العالمي بأن من أهدافها منح الحقوق للإنسان طمعا بكسب تأييده، للإنتقال الى وضع مستقبلي جديد .

ليس بين المسيحيين العراقيين مَن لا يتمنى ويطمح ليكون لشعبنا موقعٌ جغرافي خاص به سَمِّه ما شئت ليكون هو السيد فيه، ولكن هل إن الحالة المسيحية الراهنة يسودها الوفاق السياسي، أليس هناك تطاحن مرير بين الكلدان والسريان والآثوريين، أليس الآثوريون النساطرة الذين خُدِعوا بانتحال التسمية الآشورية الوثنية منكرين لقوميتهم الكلدانية الأصيلة، لا بل لا يعترفون بها ولا بشعبها واكبر دليل على ما نقول كانت إجابة يونادم كنا بمنتهى الخبث والتزوير وهو أبرز زعماء منتحلي التسمية الآشورية لمقدم برنامج سحور سياسي على القناة البغدادية في 11آب الماضي حيث أحرجه بسؤال: مَن هم الكلدان؟ فقال بأن كُلَّ آشوري دخل الى المذهب الكاثوليكي سُمّي كلداني. ألآ يدل ذلك على جهلِه المطبق بالتاريخ، وافتراءً واضحاً وعلى الهواء؟ وهل المعـتز بتسميته يحتاج الى تبديلها إذا نبذ مذهبَه واعتنق مذهباً آخر؟ ولتكذيب وفضح هذا المتطاول على الكلدان، لنا مثل واقعي وقريب، فقبل ما يقارب الخمسة أعوام، نبذ رهطٌ من الآشوريين يقيمون في ولايات أمريكية منها كاليفورنيا وأريزونا وغيرها يُقدَّر عددُهم بأكثر من ثلاثة آلاف نفس، نبذوا مذهب يونادم كنا المذهب النسطوري الهرطوقي واعتنقوا المذهب الكاثوليكي القـويم مع الإحتفاظ بإسمهم الآثوري، فاندمجوا مع إخوتهم الكلدان الكاثوليك وسَمّوا أنفسهم “الآثوريين الكاثوليك” كنت أتمنى أن يتطلع عليه مقدم برنامج سحور سياسي ليكتشف الأكذوبة التي صرَّح بها يونادم كنا أمامه بدون خجل!! فإذا كان هذا منطق الآثوريين النساطرة المتمسكين بالتسمية الغريبة المنتحلة بهذا الشكل من التعصب والتزمت قبل المحافظة بتعريفهم للكلدان، كيف سيتم التآخي بين هؤلاء الفرقاء في ظل المحافظة، وكيف سيحتمل الكلدان تجنيَ هذه الشرذمة التي يقل عددُها عن 4% من نفوس الكلدان؟

إن الكلدان بكونهم الأكثرية المسيحية يُطالبون الدولة العراقية بمؤسساتها الرئيسية الثلاث الرئاسة والحكومة والبرلمان بدراسة حالة المكون المسيحي الأصيل دراسةً مستفيضة، وبأن يُنظر إليه بمنظاروطني خارج التجاذبات السياسية والدينية والعِرقية، وبذات النظرة يُنظر الى المكوَّنين اليزيدي والشبكي، فإن الجميع مواطنون عراقيون ومن واجب الدولة رعايتهم وتوفير الأمن والحماية لهم، كفاهم ما تعرَّضوا له من الإضطهاد وبخاصةٍ المكون المسيحي الذي جرى اضطهاده بشكل أقسى وأمر بسبب هويته المسيحية. إن الكلدان بأحزابهم ومنظماتهم لا علاقة لهم بما يُسمّى” تجمع أحزابنا السياسية” فقد زالت عنه صفة الفكر التعددي الشعبي مما أدى الى انسحاب الحزب الديمقراطي الكلداني منه، أما المجلس القومي والمنبر الديمقراطي الحاملي لإسم الكلدان والباقيين في التجمع فهما مسلوبَي الإرادة والإستقلالية عند اتخاذ أيِّ قرار، لأنهما تابعان لمجلس أغاجان بموجب شروطه في منحهما التمويل. فأيُّ تحرك مُريب من قبل هذا التجمع لا يعني الكلدان بشيء .

الشماس د. كوركيس مردو
عضو الهيئة التنفيذية
للإتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان
عضو قيادة التجمع الوطني الكلداني
في 6 / 10 / 2011

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى