خـيِّـرٌ يعـتـرف بالحـق – إذنْ الدنيا لا تـزال بخـير


مايكل سيبي
مايكل سيبي

  

حـلـّـتْ المفاهـيم التجارية محـل القـيم الإنسانية منذ بدء الخـليقة وحـتى أيامنا الحالية ، وملأتْ المكاتب السياسية والمدارس الفـلسفـية وحـتى الكـنائس المبنية أسوارها من حـجـر ، جـدرانها من مرمر زينـتها تــُحَـفٌ إيطالية ، وصارتْ كـلمات البـيع والشراء والربح والخـسارة والنقـود المعـدنية والعـملات الورقـية ، مصطلحات مألوفة في هـذه الأروقة العالية ، وهي لم تــُـشـيَّـد من أجـل حسابات مادية وخـطوط بـيانية ، بل من أجـل أن تـصل بالإنسان إلى درجات سامية ، نادى بها الفلاسفة عَـبر العـصور الفانية ، وإلى آفاق روحـية التي أوحى بها الخالق إلى رسله وبأصواتٍ ملائكـية مجـداً في العلاء وسلاماً عـلى الأرض ومسرة للأجـيال البشرية . ولكـن الإنسان شـوّه سمعة الصروح الفـكـرية والقلاع الروحـية ، فـصارت خـلف كـواليس السياسة مصالحٌ شخـصية ، ووراء الدين مطامعٌ ذاتية ، وبـين الكـتب الفـلسفـية أفـكارٌ عـدائية ، والإنسان البسيط فـيها صار قـرباناً وبخـوراً يُـحـرق من أجـل عـبادة أصنام تلبس ثياباً نرجـسية . الناس يرسمون الحـق عـلى هـواها صـوَراً شـكـلية ولكـن الحـق واحـد غاليَ الثمن فـوق قـمة جـلجـلية . ( أنا الحـق ) قال الرب فـلم يقـبلها منه الشـعـبُ ، فـحـمَل الصليـبَ قـبل أنْ يحـتـضنه الصليـبُ ، وُضِع في القـبر فـخـتمه الشمع والحجـرُ ، وبعـد غـروبَـين وشروق دُحـرِجَ الحجـرُ وإنـتـصرَتْ الحـياة قـبل أن يـبـزغ الفـجـرُ ، فـكسرَ شوكة الموت ليكـون لنا الفـخـرُ . لكـن الإنسان إعـتـدى عـلى الحـياة فـلم تعـد آمنة ولا أمينة بل أمستْ الأيام شريرة كما قال مار ﭙـولس والقـليلون صاروا ينـشدون الحـق وليس رخـيصاً ، بل مُـكـلِفاً يتحـمّله مَن يقـول ( أنا هـو ) شـخـصاً ، فـوق جـبل الزيتـون أمام جـندٍ يأتـون إليه خـصّيصاً ، والنصر لمن يصبر حـتى المنـتهى .

كـتبتُ مقالات سِـتاً حـول ألقـوش وهـيجان الأفـكار فـيها عـند إنبثاق الجـمهورية في عام 1958 وما بعـدها ، وقـرأتُ ردوداً عـنها كانـت كـصوت الصـنـوج لا تستـحـق مني الردّ عـليها لولا إكـراماً لعـيون قـرائها ، ثم ألحـقـتها بسلسلة من مقالات لم تـنـتهِ بعـدُ عـن أحـداث وقعـتْ في تلك الأيام ينـدى لها جـبـينُ مَـن له جـبـين ، كان الناس عـندها ينـظرون ولا يـبصرون ، ينـتبهون ولا يسمعـون ، يتمايلون ولا يحـسّون ، ينقادون ولا يدرون ، يهـوّسون ولا يعـرفـون وهـكذا كانوا يعـيشون ولا يَحـيَـون . فـكـنا مندهـشين أمام هكـذا خـليقة الله التي تـنـكـَّـرَتْ للحـق ولم يكـن بمقـدورها أن تجاهـر به عـلناً بل وحـتى سِـراً ، وفـوق ذلك كان الناس يسانـدون الباطل خـوفاً أو سـذاجة أو ربما حـشر مع الناس عـيدُ دون أن يفـقهون ، فـكـنا نـقـول ( خـربتْ الدنيا ) واليأس يملأ قـلوبنا حـيث ليس لنا حَـول ولا قـوة فـنسلم أمرنا لله الباري عـز وجـل .

ولما بـدأتُ أنـوّه عـن الماضيات وأخـطائها وإنـزلاق بعـض الأبرياء وراء رياحها ، وذكـرتُ أسماءاً بأمانة ووقار وإحـترام مـبرّراً سـهـوها دون عـتابها ، صارَ البعـض ينـتبه ويتـذكـّـر ويتأسف ويعـترف بالحـق – سِـرّاً- وإنْ كان بعـد حـين ، وهـنا يتجـدد الأمل في الخـير الكامن لدى الإنسان ، فـقـد يكـبـوَ أو تـزلّ قـدمه ولكـن المهم أن ينهض من وقـعَـتِه شامخاً بقامته عارفاً حـقه ، والأكـثر عـظمة حـين يعـتـذر إلى الذي أساء إليه يوماً ، إنه إنسان صالحٌ فـعـلاً .  

كـتبتُ هـذه المقـدمة بعـد أن وصلتـني رسالة إلكـترونية من أخ كـريم وردَ إسمه في إحـدى مقالاتي بصورة ذكـريات الماضي حـين كان يشتـرك مع الثـرثارين دون أن يكـون مدعـواً إلى وليمتهم ، ولم يكـن له فـي القـضية ناقة ولا جـمل ، ولكـنه اليوم تـذكـَّـر تلك الأيام الفاضية وراجع نـفـسه وأحـسّ بزلات الزمن القاضية ، وإعـتـذر لي فـكـَـبُـرَ في عـيني فـتلك كانـت ذكـريات ماضية . فـطالما يـوجـد خـيِّـرون تـنـبَّـهـوا للحـق وإعـتـذروا عـن الخـطأ إذن الدنيا لا تـزال بخـير ، ولما طـلبتُ منه موافـقـته عـلى نـشر رسالته وإسمه – عـلناً – فـلم يـبعـث جـوابه . إن ترسّـبات الخـوف المتراكـمة في عـقـول المجـتمعات الدكـتاتورية التي لم تـرَ سابقاً وطـناً الحـراً وشعـباً سعـيداً ، تسدّ مسامات تـفـكـيرها اليوم رغـم وجـودها في وطن حـر وشـعـب سعـيد ، أقـول أن تلك المخاوف حالت دون إعـطاء رأيه في إعـلان إسمه ، وفي ذات الوقـت لا يرغـب أنْ يعـكـِّـر صَـفـوَ خاطري فـلم يرفـضه لـذا فـهـو في حـيرة من أمره ، ومع ذلك وإكـراماً لرأيه أنـقـل رسالته لـكم فـتـفـضـلوا لقـراءتها مع ردّي عـليها :

 

Date: Thu, 1 Sep 2011 10:36:00 -0700
From: ………. @yahoo.com
حـياةSubject:
To: michaelcipi@hotmail.com

ألأخ العـزيز ميخا سـيـﭙـي المحـترم

السلام عـليك وعـلى أهلك وعائلتك جميعا أطلب من الله أن تكـونوا في أتم الصحة والسعادة أينما كـنتَ وتحـت حماية الرب والقديسين . اخي العـزيز : عـشنا في ألقوش في طفولتـنا وفي تلك المرحلة من حـياتـنا ولا يخـفى عـليك كـيف تكـون أفكار الإنسان في تلك المرحلة وكان السبب الرئيسي قلة المعـرفة والإدراك لحـقـيقة الأمور ولا زالت هـذه الأفكار موجـودة إلى الآن ولكـنها أوضَح مثلما تظهر المدن والقرى على الخارطة في مجـتمع منطوي عـلى نفسه ومحافـظ عـلى العادات والتقالـيد ولا يدركها الإنسان إلا بعـد معـرفة حـقائق العالم وأمور الدنيا . بالنسبة لما قـلته لك قـبل كل شىء أرجـو المعـذرة إن كـنتُ قـد أسأتُ إليك بدون قـصد ، كانت الأحاديث في تلك الفـترة في ألقوش تـتركز عـلى الأمور التي لا تجدي نفعاً لأحد وكانت طاغـية على الأفـكار الإيجابـية في ذلك الوقـت ولم نكن ندرك معـنى ذلك وماهي التأثيرات السلبية عـلى الشخـص المعـني وكان الناس في ألقوش يتعاملون هكـذا بـين بعـضهم – وإلى الآن – فأكـرّر أرجـو المعـذرة بعـد هـذا العـمر الطويل ونطلب الرحمة لوالدك . إن تلك الكلمة كانت عـفـوية  نتمنى لك السعادة والموفـقـية .

عـند قراءتي لبعـض المقالات التي تـنشرها في موقع ( ألقوش . نت ) كـنت أقـول لنفسي لماذا  يكـتب هذه المقالات وأن الزمان قد تغـير بما فـيه البشر في مخـتلف أنحاء العالم ولا يستوجـب هذه المقالات  ، من دون أن أقـول لك بعـدم الكتابة حـيث توجد مواضيع كـثيرة أخـرى تـنشرها لـتخدم الناس وتسعـدهم .

والسلام عليكم

…………………………………………………………

 

 

فـكان جـوابي له الرسالة التالية في اليوم التالي :

دمتَ سعـيداً أخي العـزيز …….؟

في الحـقـيقة أنا بـيّـنـتُ في مقالي بأن ليس لدي أي مأخـذ عـليك بتاتاً ، فأنت تبقى ذلك الأخ العـزيز وليس في قـلبي أي شيء عـلى الإطلاق وأقـولها بصدق لأنـني لستً مضـطـراً إلى مجاملتـك ، ثم إنها ذكـريات الصبا والمراهـقة فـلا نأخـذ بها ، ولكـنها كـما تـدري محـطات في مسيرة الحـياة نـتـوقـف عـنـدها إما للراحة أو للإعـجاب بمناظرها الطبـيعة الخـلابة فلا يمكـن مسحـها من الذاكـرة . أما لماذا أكـتب ؟ فإنه سؤال وجـيه ومنطـقي !

عـزيزي :

أنا أحـب أن أوثـق التأريخ وأفي بعـض الحـق لوالدي وهـو في القـبر ، فـقـد ظـلمه الناس كـثيراً وكـنا عاجـزين عـن الدفاع عـنه في حـينها ولم نجـد يوماً أحـداً يدافع عـنه . ونحـن كـلنا قـرأنا التأريخ في المدرسة ، فـلماذا لم نسأل الأستاذ هـذا السؤال نـفـسه (( ما فائـدة كـتابة التأريخ ؟ )) ولماذا لا يسأل الطلاب أساتـذتهم هـذا السؤال اليوم ؟

دمت عـزيزاً موفـقاً والرب معـك

مايكل / سـدني

 

 

عن الكاتب

مايكل سيبي
عدد المقالات : 470

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى