خسر العراق مناضلاً كلدانياً اصيلاً / بقلم : الشماس كوركيس مردو


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

المـوت هو الحُكـم العادل الـوحيـد الذي يسري على جـميع بني البشر بـدون استثـناء مهما كانت منـزلـة الـواحـد منهم العلمية والثقافية والإجتماعية والسياسية و . . . وبذلك فهو حـقيـقة مطلقـة لا مـفـرَّ مِـنه ولا يـُعـرف متى يـُداهـم ولا الكـيـفـية ولا الـمكان ، ولكـنـَّه واحـدٌ مع تـعـَدُّد الأسبـاب . تـَمَيـَّـز الراحـلُ حكمت حكـيم بـفـكر بعـيـد الـمدى ومُتجـدِّد وبسداد الرأي مشوبٍ بالصـدق مع ذاتـه ومـع الآخـر ، وبالـرغـم مِـن بعض الفـواصل بين المفكر والسياسي ، حيث تـتضارب بينهما الـرؤى والأهـداف ، لكنني وجـدتُ في الفـقيـد حكمت حكيم قابلية الجمع بينهما ، ويعـود الفضل في ذلك الى خلفيته الأكاديمية ، إذ إنـَّه أحـد خريجي جامعة موسكو مُخـتصاً بمجالـَي النـُظـُم السياسية والقـوانيـن الدستـورية ، وقـد أهـدى فـوائـد هذا الإختصاص الى الطلبة الجامعيين خلال عمـلـه التدريسي في الجامعة لـِما يـُـقارب  الستة عشر عاماً فكان الأديـب المثـقـف والسياسي الـمُـحـنـَّك . ومن هذا المنطـلـق لـعـب دوراً كـبيراً كمفـكر مُسخـراً قدراتـه في تحليـل نظـريات أفرزها الفلاسفة وتجارب أدّاها صانعـوا التاريـخ ليـجعـلَ مِن مغـزاها فائـدة للسياسيـين تـُساعـدهم على الإبـتـعاد عـن التـخـبـُّط السياسي وعـدم الـوقـوع المستمر في الأخـطـاء .

وفضلاً عما تقـدَّمَ ذكـرُه ، فإن الفـقـيـد حكمت حكـيم ، قـد عركه ميدان الحياة وخاض تـدريـباً عـملياً فيه ، حيـث تـعـرَّض للإعـتـقـال مِراراً بسبـب مجاهـرته بآرائـه السياسية ووقـوفـه بالضـد مِن انـتهاك النظام السابـق لحقـوق الشعب ، انخـرط في مقاومةٍ فعلية ضمن حركة المقاومة الكردستانية في ثمانينات القرن الماضي ، مستهجناً سياسة النظام في ممارسة الإبادة الجماعـية في المناطـق الكرديـة ، ومدفـوعاً من مبدأ الإخلاص للقيم والحقـوق الإنسانية حيث كان غـيوراً جـداً عليها ، ولذلك خاض نضالاً وطنياً متفانياً في سبيـل وحـدة التراب العراقي ، كانت تـَـتـَـوفـر لـديه الصفات القـيادية التي منها دماثة الخـلـق في التعامل ، التسامح وقت الإقـتدار ، العـناد والثبات على الحقائـق الـواقـعية المتمثلة بالمساواة والعـدالة والحقـوق الإنسانية التي كان يسعى إليها بكل طاقـته وخبراته من أجل أن ينال المـواطن العـراقي كامـل حـقـوقـه .

ليس بإمكان أحـدٍ أن ينكر على الراحـل الدكتـور حكمت حكيم نضالـَه الـوطني الفـريـد ، وفي ذات الـوقـت كان مناضلاً قـومـياً كـلدانياً ، وكما يعـلم القاصي والـداني من الشعـب العراقي عامة ً والكـلداني خاصة ً، بأن الفـقيـد حكمت كان متشبعاً بالفـكر الأممي ويحمل عقـيـدتـه ، إلا أنَّ ذلك لم يـُمثـل عنده عـائقاً يـُقـلـِّـل مِن إخلاصـه الـوطني كهـوية ولا مِن انـتـمائـه القـومي الكلداني خلافـاً للغالبـية العظمى مِن أمثالـه حاملي العقيدة الأممية الذين تخـلـّوا عن انتمائهم القـومي الكلداني ووقـعـوا في أحضان الـزُمَر المناوئـة لأمتهم الكلدانية ونـذروا أنفسهم لمعاداتـها إرضاءً لرغبات هؤلاء الأسياد ! بـل إنَّ حكمت حكيم جعـل مِن تلك العقيدة مدخـلاً لتعـزيز الهـويتين الـوطنية والقـومية مِن خلال فـكـره التـحـرُّري ونضالـه السياسي . ومن خلال مـواقـفـه الـوطنية والقـومية كان يتطلع الى بناء عـراق مـوحـد حـر وديمقـراطي ، دخـل المعـتـرك القـومي بـدافـع مِن رغـبتـه في خـدمة أمته الكلدانية وأبناء شعبها مِن الكلدان والسريان والآثـوريين ، وبحنكته استطاع تثبيت قدميه على أرض هذا المعترك الساخن وعـمل بكلِّ إخلاص وتفاني لتبريده ، إلا أن ذلك لم يـَرُق للبعض حيث دأبوا على إلـهابـه ، فما كان منه إلا أن اختلـف مع هذا البعض الذين انقلبوا على المباديء والعـدالة والحقائـق التاريخية مصرين على القـفـز عليها ، من أجـل تحقـيـق أهدافتهم الملتـوية التي تتمثـل في تغييب الصوت الكلداني وتهميش دور الشعب الكلداني بل إلـغائـه .

يا لـها مِن مُـفارقـةٍ مؤلمة حـقاً أظهرها الشعـب الكـلداني في ولاية مشيكـان ، هذا الشعـب الذي خـذل الدكتـور الراحل حكمت حكـيم مُرشح قائمة المجلس الـقـومي الكـلداني في الإنـتخابات البرلمانـية العراقية الأخيرة بعـدم دعـمه بأصواتـهم ، هو الشعب نفسُه هـرع الى مجلس عـزائـه بأعـدادٍ كبيرة جاوزت عشرات الآلاف ! أليس المشهـد غـريباً ؟ أن يـُكـَرَّمَ المـَرءُ في مَـماتـه  ويـُخـذلَ في حياتـه ! إنها فعـلاً  مفارقة غـريبة ومعـيـبة مَـعـاً. يا أبناء الجالية الكـلدانية في مشيكان ألستم معي بـعـدم عـدالة وواقـعـية هذه الظاهرة التي أبـداها شعبـُنا في الإنـتخابات ، أيسرُّكـم عـدم وجـود ممثل للشعب الكلداني في البرلمان مـِن أبنائـه ، أليس مِن العار أن يُمثـلنا مَـن يـُدعـون أنفسهم بالآشوريين زيـفـاً أو بعض المتأشورين الذين باعـوا ذواتهم بأبخس الأثمان وسقـطـوا تحـت تأثير الدولار متخلين عَـن كـرامتـهم ! إنـها مأساة للشعـب الكلداني ، هل سيأخـذ منها العبرة الشعب الكلداني المشيكاني ! ! !

الشماس د. كوركيس مردو
عضو الهـيـئة الـتـنـفـيـذية
في الإتحاد العالمي للكتـّاب والأدباء الكلدان
28 / 6 / 2010

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى