حين ترغمك الظروف على مجالسة الأحمق / بقلم محمد مندلاوي


نادي بابل

في مرافئ ومحطات رحلة الحياة الطويلة, صادفت مخلوقات كثيرة ومتنوعة, منهم من هو إنسان كامل متكامل, سوي وسليم, ويلم بكل مفردات الحياة تقريباً, في الاقتصاد والسياسة والأدب والأخلاق والتعليم الخ, ومنهم من هو مائق, حمار بجلد بشري, لا يفقه من أمور الدنيا شيئاً يذكر سوى النهيق و الجري وراء نزواته و أهوائه وشهواته الحيوانية, فلا شيء أفضل لمعاقبة هذه النماذج الفاسدة المسيئة سوى السكوت وعدم الرد عليهم. عزيزي القارئ,إن من جملة خصال الأحمق, أنه يغضب من غير شيء, فلذا كما يقول المثل, عدو عاقل خير من صديق أحمق. وقال النبي محمد عن الأحمق:” الأحمق أبغض الخلق إلى الله تعالى, إذ حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل”. وقال سفيان الثوري:” هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى”. حقاً أن الحمق غريزة دواءه الموت, لا حيلة في مداواته, لذا قال الشاعر العربي:” لكل داءٍ دواء يستطب به .. إلا الحماقة أعيت من يداويها”. حتى أن كتب التاريخ العربي لم تبخل علينا في صفحاتها فذكرت لنا عدداً من الحمقى صاروا مضرب الأمثال, مثل أبو غبشان فقيل:” أحمق من أبي غبشان”. وهناك أحمق آخر صار مثلاً عند العرب, فقيل: “أحمق من حنبقة”. فقيل عن الأحمق الآخر أيضاً:” أحمق من عجل بن لجيم”الخ. عزيزي القارئ العزيز, كما عند العرب حمقى, كذلك يوجد في المجتمع الكوردي أيضاً عدداً من الحمقى ابتلي بهم الكورد, وغالبيتهم مشكوك بانتمائهم العرقي للشعب الكوردي, كالغجر الذين يقيمون في كنف الكورد منذ سنوات طوال, ويخفون هويتهم الأصلية.., مرة يزعمون أنهم كورد, ومرة يزعمون أنهم من قوميات أخرى, حسب اتجاه الهوى كيفما مال يميلون معه؟, لكن تصرفاتهم الرعناء, التي تتنافى مع القيم النبيلة, وذوقهم الفاسد, و أساليبهم الممقوتة في الإثارة, واختيار ألوان ملابسهم, وسقوطهم الأخلاقي, وتجذر ظاهرة السرقة بينهم, كل هذه الأعمال المنافية للقيم النبيلة ومبادئ الإنسان المتحضر تعريهم و تفضحهم أمام المجتمع الكوردي البعيد عن هذه التصرفات السوقية. لكني كما قلت أعلاه, هذا لا يعني أن لا حمقى بين الكورد, فالكورد كالشعوب الأخرى له حمقاه ابتلي بهم على مسرح الحياة, وأضرهم وأشدهم فتكاً على المجتمع الكوردي المسالم حمقاه في عالم السياسة, حين يحاول أحد الحمقى بيديه وأسنانه كي يحتل موقعاً متقدماً في الدولة أو الحزب وهو غير مؤهل له أصلاً, ويفتقد لأبسط مؤهلات ومقومات تعليمية و ثقافة سياسية ليتبوأ أي موقع سياسي أو حزبي حتى لو كان هذا الموقع صغيراً أو كبيراً. لكن بما أن الأحمق لا يشعر بحمقه وغبائه المركب, فلذا لا يحس ولا يشعر بمن حوله من عيون تراقب سلوكه الحيواني, تماماً كما تتصرف الحيوانات عند الجماع في الأماكن العامة فيما بينها دون أن تشعر بوجود الإنسان حولها, وكذلك الحمقى لا يشعرون بتصرفاتهم المعيبة ولا بمغزى الكلام الذي يخرج من أفواههم دون التفكير بوقعه السلبي على من حولهم من الناس.عزيزي القارئ, أن الحمق مرض مستعصي لا يعالج أبداً, حتى أن السيد المسيح قال:” عالجت كل أكمه وأبرص مشوه, لكنني لم أطق قط علاج الأحمق”. وقال إمام الشيعة علي بن أبي طالب عن الأحمق:” الأحمق إن استنبه بجميل غفل, وإن استنزل عن حسن نزل, وإن حمل على جهل جهل, وإن حدث كذب, لا يفقه, وإن فُقه لا يتفقه”. إن هذا الحديث العلوي يجعلك تعرف حقيقة الأحمق جيداً في ثلاث جمل كما يقول المثل: في كلامه فيما لا يعنيه, وجوابه عما لا يسأل عنه, وتهوره في الأمور. وأفرد لهم الفقيه والمحدث والمؤرخ (أبو الفرج ابن الجوزي) (508-597هـ) كتاباً خاصاً سماه (أخبار الحمقى والمغفلين). وقال قائل: “أحذر الأحمق, فإن الأحمق يرى نفسه محسناً وإن كان مسيئاً, ويرى عجزه كيساً وشره خيراً”. وقيل أيضاً:”لا يستخف بالعلم وأهله إلا أحمق جاهل. كن على حذر من الأحمق إذا صاحبته. وقيل أيضاً: عدو عاقل خير من صديق أحمق. ومما قيل في الأحمق: إن بعد الأحمق خير من قربه, وسكوته خير من نطقه. وقال الآخر: أحمق الناس من ظن أنه أعقل الناس. ومن صفات الأحمق, أنه يغضب من غير شيء. وقال بعض العلماء: العاقل من عقله في إرشادٍ ورأيه في إمداد, فقوله سديد وفعله حميد. والجاهل من جهله في إغراء, فقوله سقيم وفعله ذميم ولا يكفي الدلالة على عقل الرجل الاغترار بحسن ملبسه وملاحة سمته وكثرة صلفته ونظافة بزته, إذْ كم كنيف مبيض وجلد مفضض. وقال الأحنف بن قيس عن الحمقى: الرجل الأحمق هو الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري, فذلك أحمق فارفضوه. إذاً, ما يداوي الأحمق بمثل الإعراض عنه. عزيزي القارئ, أما الأحمق في عصر ما بعد الحداثة فشهرته الكاريكاتيرية ليست محلية كما كانت في الأزمنة القديمة,لأن اليوم بفضل انتشار التكنولوجيا اخترقت شهرته الآفاق, تصور عزيزي القارئ, من أين سندري بهذه المعلومة القيمة, التي زودنا بها السياسي العراقي.. ووزير لوزارة سيادية في لقاء تلفزيوني, بأن نهري دجلة والفرات ينبعان من إيران!!. الطامة الكبرى أن المشار إليه كان طالباً في جامعة الموصل ورأى بأم عينيه مياه نهر دجلة قادمة من أعالي جبال كوردستان, التي تقع اليوم ضمن الحدود السياسية التركية, التي خطها حراب الاستعمار البريطاني. لكن بسبب حب الوزير العراقي العذري لإيران الشيعية, وكرهه اللا محدود لتركيا السنية, حول بلمح البصر منبعي دجلة والفرات من تركيا إلى إيران!!. بعد مشاهدتي اللقاء التلفزيوني المعروض على صفحة الفيسبوك مع السيد الوزير أدركت لماذا القيادة.. الحاكمة في بغداد لا تعترض على تقليل تركيا لكميات المياه المتدفقة عبر نهري دجلة والفرات إلى دولة المصب, العراق, لأن حكام بغداد الجدد يتصوروا أن نهري دجلة والفرات ينبعان من إيران وليس من الكيان التركي, فلذا, ومن أجل سواد عيون آية الله؟ لا يضر إذا عطش الشعب العراقية في حر الصيف الذي يتجاوز الـ50 درجة فوق صفر!!. لمن لا يعلم, أن النهرين دجلة والفرات لا ينبعان من الكيان الذي يسمى تركيا, الذي رسمت حدوده السياسية اتفاقية لوزان التآمرية الخبيثة, بل ينبعان من جبال كوردستان, وتحديداً من جبال شمال كوردستان. لكن الأحمق المستكرد ليس بمستوى الوزير العراقي في السلم الوظيفي, ألا أن حماقته السياسية المطلقة تفوق حماقة سيد الوزير بأشواط طويلة, أي: أن الوزير المذكور لا يصلح  أن يكون تلميذاً عنده, لأنه حين يُنَظر في الغباء المركب يصعب على الوزير أن يستوعب مفرداته الحمقاوية والمنظومة الغباوية الممنهجة التي يتبعها في تحليله السياسي, التي تنظر إلى كل الأشياء على كوكبنا نظرة مخالفة للعلم والعقل والمنطق. فعنده مخالفة التعليمات والقرارات.. من أية جهة صدرت هي عين الصواب والحكمة. وعنده أيضاً, التصرف الصبياني الطائش المتهور هو السلوك الحضاري القويم. ومن خصائص الحمقى أيضاً أنهم يتعرضون للآخرين من خلف ظهورهم بكلام ملفق عار عن الصحة, ولا يليق إلا بقائله. أضف على تلك الصفات والسمات السيئة المثيرة للاشمئزاز يوجد بين الحمقى, من هو فاحش و بذيء اللسان, يعرف بين المجتمع الكوردي بـ ” دەم پییس” لا يربأ بنفسه عن الدناءة, حيث كل شيء يخطر بباله يجري على لسانه دون تأنيب ضمير, أو الشعور بالحرج أو الخزي, لأن اتباع هذا السلوك غير السوي هو من خصائص ذلك الذي يفتقد للشعور البشري, ألا وهو الخجل الذي يشعر به الإنسان السوي عندما يقوم بقصد أو دون قصد بعمل سلبي يكون موضع اعتراض الآخرين عليه ورفضهم له. لكن السؤال هنا, كيف يخجل وهو فاقد الحياء والكرامة وعزت نفس وقبلهم فاقد للعقل السليم الذي يطرد الفكر السقيم؟! ولا يستطيع أن يميز بين الإشاعة المغرضة التي تشيعها الموتورون لتشويه سمعة الإنسان الوطني النبيل, والحقيقة الساطعة التي كالشمس في كبد السماء. خير ما نختم به هو قول الشاعر العربي في الأحمق: والصمت عن جاهل أو أحمق شرف … وفيه أيضاً لصون العِرض إصلاح … أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة … والكلب يخسئ لعمري وهو نباح.

     محمد مندلاوي  

    12 09 2016                     

عن الكاتب

عدد المقالات : 7500

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى