حـسن وبـس !!!


نادي بابل

منذ اكثر من خمسين عامًا ، ظهر عملاً فنيًا تحت عنوان ‘حسن ومرقص وكوهين’ ثم تلاه بعدة سنوات ظهر فيلم ‘فاطمة وماريكا وراشيل’ وقتها كان المجتمع المصرى يعيش فيه المسلم بجوار المسيحى واليهودى، لم نكن نسمع وقتها عن مصطلح ‘المواطنة’ لأنها كانت حقيقة لا تحتاج  لتأكيد، كان التسامح والتعايش المشترك سمة من سمات المجتمع المصرى، عندما لم يكن استخدام الدين عاملا فى تأجيج المشاعر وإشعال النعرات الطائفية، ولم يكن هناك احتياج لعمل مؤتمر وإصدار وثيقة للعيش المشترك، مرت السنين وذهب ‘كوهين’ وذهبت ‘راشيل’ وتبقى ‘حسن ومرقص’ ومعهما ‘فاطمة و ماريكا’

واليوم يواجه مسيحو الشرق الأوسط  خطر الاختفاء والانقراض سواء بإرادتهم أو رغما عنهم، فانتشار تيار الهجرة للخارج زاد معدلاته بالنسبة للمسيحيين فى الآونة الأخيرة، وحالات التمييز الديني التي يتعرض لها المسيحيين صارت واضحة كسطوع الشمس فى رابعة النهار.

نزح مسيحو فلسطين إلى الخارج وكادوا أن يختفوا فى بيت لحم والناصرة (مهد المسيح)  والجليل ورام الله ، انخفض عددهم إلي اقل من 2 بالمائة بعد أن كان 40 بالمئة عام 1967 و52 بالمئة عام 1948.

وفى العراق حدث ولا حرج عن معاناة و مأساة المسيحيين، فخلال  خمس سنوات تشرّد وهُجّر حوالي ثلاثة أرباع مليون مسيحي عراقي وقتل الألوف منهم ودمّر القصف الأمريكي 35 كنيسة تدميراً كاملاً وتضررت عشرات الكنائس والأديرة وفرّ مئات الألوف من البصرة وبغداد (دراسة منشورة)

وفى لبنان التى تميزت بالتعددية والتنوع، واجتمعت فيها كل الملل والنحل المختلفة، وعاشوا معا لا فرق بين سنيا أو شيعيا أو مارونيا أو درزيا…تقلص الوجود المسيحى فيها، فكان المسيحيون يشكلون ما يقرب من 55% وصل الآن لأقل من 40%

وهاجر معظم المسيحيين، وتركوا بلادهم الجميلة لمن يزعمون أنهم حزب ‘الله’ !!

وفى سوريا تقلص عدد المسيحيين من 20% عام 1945 عند الاستقلال إلى 7% حاليا !!

وفى شمال إفريقيا اندثر المسيحيون تمامًا ، فتونس التى أخرجت لنا اللاهوتيين الثلاثة اغسطينوس وترتليان وسبريان.وكانت مدينة قرطاج مركزاً للدراسات اللاهوتية فى العصور الأولى للمسيحية، يتبقى الآن بها  عدة مئات من المتحوليين للمسيحية من خلفيات إسلامية.

وفى الجزائر يواجه المتحولون للمسيحية خطر السجن والقتل بعد القوانين الأخيرة.

وفى ليبيا، بعد أن أتت ثورة 1969، بمعمر القذافي للسلطة، تم غلق ومصادرة الكنائس وتحويل اكبر كاتدرائية إلى مسجد، وسُمح  فقط للكاثوليك بكنيستين، واحدة في طرابلس وأخرى في بنغازى.

وفى مصر، لا تبدو الأرقام دقيقة وسط تجاهل حكومى تام، فيرى بعض الإسلاميين مثل فهمى هويدى أن عدد المسيحيين 6% من نسبة السكان، بينما يرى بعض المسيحيين أن نسبتهم من 12% إلى 15% .

تغيرت صورة المجتمع المصرى بعد ثورة العسكر فى 1952 ، تغلغل التعصب الديني فى السبعينات، فانعزل ‘مرقص’ وارتمى فى حضن الكنيسة، وبقى ‘حسن’ وحده يجول ويصول بدون رابط ولا ضابط.

تعامل ‘حسن’ مع ‘مرقص’ بمنطق القوى مع الضعيف، وتعامل ‘مرقص’ مع ‘حسن’ بمنطق ‘الصفوة’ مع ‘الرعاع’ !!

صار ‘حسن’ وحده يملك الحقيقة المطلقة، وكل من يختلف معه فهو كافر وزنديق، هو وحدة من يملك الحلول والرؤى الصحيحة لازمات الإنسان والتحديات التى تواجه العالم اليوم، هو وحده حارسا للأخلاق ومدافعا عن الفضيلة ومتحدثاً باسم الله !!

‘حسن’ وحده، مَن ينهى ويأمر، يقرأ ويكتب، يمنع ويصادر، يضرب ويقتل !!

 تجاهل ‘حسن’ الآخر’مرقص’ فى حواراته وأحاديثه فصار الحوار اقرب إلى ‘المونولوج’ حوار ‘طرشان’ حسن يسأل وحسن يجيب !!

احتكر ‘حسن’ الرأى الأوحد فى ساحات ومنتديات الانترنت ، حذف الرأى المخالف، ومنع ‘مرقص’ من التعبير عن إيمانه، هاجم كتابه المقدس على الفضائيات وصفحات الجرائد، ولم يدع له فرصة للدفاع عن ما يؤمن به.

اعتلى ‘حسن’ منابر الإعلام وصار المتكلم والمستمع، الراسل والمرسل، يتحدث ويفتى بما لم ينزل الله به من سلطان، استولى ‘حسن’ على مناهج التعليم متحدثا عن تاريخ الحقبات العربية والإسلامية من فتوحات وغزوات ونسى أو تناسى أن ‘مرقص’ صاحب تاريخ وحضارة مثله، وانه جزء لا يتجزأ من آصاله مصر، وان مستقبل ‘حسن’ مرتبط  بمستقبل ‘مرقص’ .

لجأ ‘مرقص للخارج’ عندما أغلق ‘حسن’ أبواب ‘الداخل أمامه’ فإتهم ‘حسن’ ‘مرقص’ بالعمالة والاستقواء بالخارج !!

نال ‘حسن’ حظه من التعليم والالتحاق بجامعة الازهر التى تحتكره وحده، وانضم الى الاف المعاهد الدينية الازهرية، وصار ‘مرقص’ ممنوعا عليه ان يقترب من جامعة ومعهد ‘حسن’ !!

ارتقى ‘حسن’ الى أرفع المناصب التعليمية فى الدولة، من رئيسًا لجامعة مرورا بعميداً لكلية،  أما ‘مرقص’ فيبدو أن مستوى ذكائه لا يرتقى لهذه المناصب الرفيعة !!

أحب ‘حسن’ أخت ‘مرقص’ وتزوجها ‘عُرفيًا’  وحُرم على ‘مرقص’ أن يتزوج من اخت ‘حسن’ ورغم ذلك مازال ‘حسن’ يردد شعارات المساواة وعدم التمييز !!

من سخرية القدر أن يكون الحق الوحيد الذى انفرد به ‘مرقص’ هو امكانية تحوله إلى دين آخر، أما ‘حسن’ فممنوع عليه التحول إلى دين آخر !!

لم يظهر’كوهين’ فى فيلم ‘حسن ومرقص’ فى 2008 لندرة اليهود واختفاءهم من مصر،
فهل بعد عدة  سنوات سيختفي ‘مرقص’ ونجد فيلم  تحت عنوان ‘حسن وبس’  !!

عن الكاتب

عدد المقالات : 7481

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى