حتى متى يتجاوز الكلدان الجدل البيزنطي؟


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

 

لا يختلف إثنان من الكلدان بأن أحزابنا السياسية داخل الوطن وخارجه قد تعثرت في مسيرتها لسببين أساسيين، أولهما الأنانية الفردية المستحكمة في أعضاء هيئاتها الإدارية القاصرة سياسياً مما جعلهم غير قادرين على استيعاب المتغيرات السياسية لمسايرتها بحكمة وحنكة، فظهرت فيما بينهم خلافات حادة أدَّت الى صراع وانقسام. والسبب الثاني إختراق هذه الأحزاب من قبل القوى المعادية المتمثلة بأكبر حزبَين لمنتحلي التسمية الآشورية المزيفة وأعني بهما المجلس الشعبي المدعوم من قبل القيادة الكردية وتنظيم زوعا الفاشي الشوفيني المستقوي بالقيادة العربية السنية الم    اركة في الحكومة المركزية، حيث لم يألوا جهداً وكلٌّ على حِدة لتخريب الأحزاب الكلدانية عن طريق شراء ذمم البعض من كوادرها الضعيفي النفوس ليجعلا منهم مرتزقة لهما وأعداءً لأمتهم الكلدانية، وقد نجحا في ذلك .

 

 

تُرى، ما هي الدوافع الخفية وراء احتضان حكومتي المركز والإقليم لِما يُسمى بالمكون الآشوري الذي يُعرِّفه التاريخ الحديث بالوافد الى العراق تحت حراب الإستعماريين الإنكليز، الضئيل العدد والإداء والإخلاص، المطرود من مناطقه في جبال هيكاري في تركيا واورمية في ايران، وتفضيله على المكون الكلداني العراقي الأصيل المتعدد القابليات وليس هذا فحسب بل جعله وصياً عليه، أليس هناك في الأمر سرٌّ تعمَّد الطرفان الكردي والعربي إخفاءَه عن الكلدان ؟ شتان ما بين الدور الكلداني الإيجابي في قيام الحكم الوطني العراقي بعد الحرب العالمية الأولى وبين الدور السلب     للمكون الآشوري الوافد ؟ أليست مفارقة كبيرة أن تُستبعد الأفضلية عن صاحب الدور الإيجابي وتُعطى لصاحب الدور السلبي؟ هل أزلتما لفظتي الإنصاف والعدالة من قاموسيكما يا حكومتي المركز والإقليم؟ إني  لفي عجبٍ من موقف الحكومتين اللتين اختارتا الديمقراطية منهجاً كيف تسمحان لهذين الحزبين الشوفينيين اللذين يحملان الفكر التعصبي المقيت أن يُمارسا هذا المسلك الشوفيني ضدَّ المكون الكلداني العراقي العريق؟ متى سينكشف ما وراء الأكمة؟

 

 

ولكن للحقيقة والتاريخ علينا أن نشهد بأن عدداً لا بأس به من الآثوريين الواقعـيين في ولايات الغرب الأميركي يُناهضون الفكر التعصبي المبني على الخيال الذي يتبناه هذان الحزبان، فقد كان لحضور المطران الجليل باواي سورو رائد الوحدة الكنسية والدكتور لينكولن مالك الشخصية الآثورية المنفتحة اللذين يُمثلان الآثوريين المشار إليهم الى المؤتمر الكلداني العام المنعـقد بتاريخ 30 آذار وحتى 1 نيسان 2011 في سان دييكو إحدى مدن ولاية كاليفورنيا الجميلة صداه المجلجل في فضاء المؤتمر، عندما أشادا بكلِّ جرأةٍ وشجاعة وبصوت جهوري وصريح بمؤتمر النهضة الكلدانية، مُج  سّدَين محبتهما للشعب الكلداني من خلال كلمتَيهما القيمتين، كانت تلك البادرة مفخرة للكلدان سيسجلها لهما التاريخ ويتناقلها أبناء الأجيال الصاعدة.

 

 

وفي غمرة كُل المصائب التي طالت هؤلاء الذين سموا أنفسهم آشوريين والتي سبَّبَها لهم الإستعماريون الإنكليز، لم يبخل الشعب الكلداني في نجدتهم وتقديم كُلِّ ما كان بمقدوره للتخفيف عن معاناتهم منذ أن نكبهم العثمانيون خلال الحرب العالمية الأولى وحتى آخر مجزرة ارتكبت ضدهم في قرية سميل عام 1933 التي لم يكن الإنكليز بمنىءً عن تدبيرها، وقد فعل الكلدان ما كان بالإمكان مدفوعين مِن إحساسهم الإنساني وايمانهم المسيحي ووقوفاً ضدَّ الظلم، ولقاء ذلك كُلِّه كان جزاء الكلدان من قبل الحزبَين الآشوريَين بعد استقوائهما بالأكراد والعرب منذ التغيير السياسي الذي  جرى في العراق عام 2003 قيامهما بمعاداة الكلدان بكل ما لم يكن في الحسبان، منكرين تاريخهم المجيد، مُلغين قوميتهم، سالبين حقوقهم، مغرّرين بشعبهم عن طريق الإغواء والإغراء والتشهير والتزوير من دون أي رادع ووخز للضمير .

 

وإزاء كُلِّ ما تقدم ذكره، ونظراً لِما آلت إليه حالة الكلدان من الضعف والإمتهان، ومن انشطار لقواهم السياسية وتشتتها نتيجة تصارعها الداخلي وهجوم العدو الخارجي عليها، فنال الضعف منها الى أقصى درجة، لم يبقَ أمام الغيارى مِن أبناء الكلدان إلا أن يطلقوا صرخة مدوية للتصدي بقوة لمعالجة هذا الوضع الخطير، وذلك باستنهاض المشاعر وتحريك الهمم وايقاف التدهور المستمر، فانطلقت الدعوة المكبوتة منذ زمن طويل لعقد مؤتمر كلداني عام لوضع حدٍّ للجدل البيزنطي العقيم الدائر بين الأوساط الكلدانية المختلفة وكُل واحد يلقى اللوم على الآخر بأنه السبب في تردي الوض  ع الكلداني. وانعقد المؤتمر تحت شعار ” مؤتمر النهضة الكلدانية ” بعد أن توافد الرجال الكلدان المخلصون من كُل حَدب وصوب الى مدينة سان دييكَو الأمريكية حاضنة المؤتمر مُلبّين دعوة الحضور ببالغ الشوق والسرور، مضحين بوقتهم الثمين وغير عابئين بمشقة السفر الطويل.

 

كان المؤتمر تظاهرة نادرة حقاً هيّأ لقاءً أخوياً عن كثب بين البعيدين القادمين من اوستراليا وكندا واوروبا والعراق وكذلك القادمين من ولايات امريكية غير كاليفورنيا مثل مشيكان وإلينويز وأريزونا و بين القريبين في سان دييكَو، كان المؤتمر حلماً وبسواعد كلدان كاليفورنيا تحقق على أرض الواقع، فلا يسعنا أن نسألكم يا أحباءَنا إلا تقبلكم لشكرنا وتقديرنا العاليَين، وللباحثين والمفكرين والسياسيين وكافة المثقفين الكلدان المعاصرين الذين أدوا دورهم طوعاً في إحياء وإنجاح المؤتمر إمتناننا العميق.

 

 

ونتوجه الى كافة التنظيمات الكلدانية السياسية والإجتماعية والثقافية التي لم تُـتَح لها فرصة المشاركة في المؤتمر لسببٍ أولآخر أن تتحلى بالمرونة والمسؤولية، ونُهيب بها أن تنأى عن الجدل والإدانة والإتهام، واضعة في مقدمة اهتماماتها المصلحة الوطنية والقومية العليا والإرتقاء عن الصغائر والمصالح الأنانية الذاتية والجري وراء الظهور. إن المؤتمر الكلداني العام كان ضرورة قومية ملحة لا يقبل المراوحة، ويعتبر مدخلاً سليماً وصحيحاً في الإتجاه نحو تحقيق الطموح الكلداني واستعادة ما سلب من حقوق الكلدان. وعلى جميع القوى الكلدانية أن تحترم مقرَّراته و    وصياته وتُدخلها ضمن برامج عملها، دون اعتبار ذلك فرضاً بل وعياً بأهمية توحيد الخطاب الكلداني، كَفا الكلدان جدلاً بيزنطياً عقيماً لا يقود إلا الى التأخر!

 

 

إن الكلدان يُطالبون تنظيماتهم على تنوعها بالعمل النزيه والصادق والدال على وحدتهم القومية وأن يبرهنوا على استعدادهم الكامل للتنسيق فيما بينهم معتمدين أسساً ومباديء واضحة ضمن برنامج ديمقراطي، دون استعلاء بعضهم على البعض أو فرض رأي على رأي الآخر، وإنما العمل على تقريب وجهات النظر بين المختلفين في الرأي، والأهم أخذ العبرة من الإخفاقات التي أسفرت عن تجارب استخدام الخطاب التوحيدي الذي أكل عليه الزمن وشرب، لأن الطرف المقابل أزاله من قاموسه واستبدله بالإحتواء من جانبٍ واحد، واللبيب من الإشارة يفهم!

 

 

 

الشماس د. كوركيس مردو

عضو الهيئة الإدارية للمجلس الكلداني العالمي المنبثق عن المؤتمر الكلداني العام

 

في 17 / 5 / 2011  

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

تعليقات (5)

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى