ثعالبٌ خائبة متـلـيِّـنة تـتـمرّغ حـول مروج الكـلدان المحـصَّـنة


مايكل سيبي
مايكل سيبي

لم تكـن الهـوية الكـلدانية مفـقـودة يوماً بـين أبناء شعـبنا الكـلداني منذ تجـذرِهم في أرض بـيث نهـرين العـراقـية ، وتوهّـجِ حـضارتهم البابليّة وسطـوعِ عـلومهم الفـلكـية وبلوغ حـساباتهم النجـوم السماوية وإرتـقائهم عـرش الإمبراطورية ، وحـتى ما بعـد إنفلات زمام الحـكم من بـين أيديهم عام 539 قـبل الميلادية ، بقـيتْ صورتهم القـومية ولغـتهم الكـلدانية هي السائـدة عـند الموجات الغازية العاتية ، فهَـويتهم لم ولن تكـون عـباءة نـزعـوها مـن عـلى أكـتافهم ولا تسريحة شعـر غـيّـروها عـلى رؤوسهم ولا عـطراً تبخـر من أجسادهم ، وإنما هي تراثيات ماثلة برسوخ ، وصروح قائمة بشموخ ، وكـتابات مدوّنة بوضوح ، وأكـثر من ذلك هي مشاعـرٌ جـيّاشة في قـلوبهم وأحاسيسٌ تـسري في شرايـينهم وحـياة تـنعـش أرواحَهم ، إنّها هـوية (( الوريث الشرعي )) لبلاد الرافـدين بإمتياز فخـراً لهم ، ينادي ويعـلن ، يقـبل ويرفـض ، يجـتمع ويخـطب ، يكـتب ويقـول ، يردّ ويسافـر ، يتـشـبَّـث ويدافع ، ينـقـد بفـعّالية في جـميع الأنشطة الحـياتية ، أنه شعـب حيٌ وسيـبقى وريد رسغه ينبض ما دام هـناك سواعـد أسود الكـلدان أصلابها أصيلة ، ولبوءات كـلدانية أرحامها جـليلة ، ينجـبون أشبالاً ترفـد الأمة الكـلدانية الجـميلة ، متباهـية بـ ( إسمها الواحـد – الكـلدان  ) لا بأسماء هجـينة بديلة ، وسوف لن يجـدي نـفعاً مَن يتربّـص بهم ويحـوم حـولهم وينصب الفخاخ في مسارهم ويحـفـر حـفـراً في طريقهم للوقـوع بهم ، للنـَّـيْـل من إعـتـزازهم بوجـودهم بهدف إلغائهم من ساحاتهم .

إنّ الكـلدانيّـين يعـتـزون بهـويَّـتهم النقـية خـميرة أصيلة في دواخـلهم ، يترجـمونها إلى عـمل حـينما الحاجة تـدعـوهم ، ولكـن بحـكمة دون إصطدام أو تهـوّر منهم ، فـلقـد حافـظـوا عـلى لغـتهم وتراثهم وتقاليدهم وعاداتهم حـتى أمسى الرب المسيح عـمود خلاصهم والكـنيسة صخـرتهم بؤرة تجـمعهم ودماء الآباء والأجـداد مشاعـل تـنير دروبهم ليـواصلوا صمودهم ، ورغـم قـساوة النكـبات وهـمجـية الصراعات ، المتمثلة بالإضطهادات الشابورية المجـوسية السافـرة ، والغـزوات الإسلامية الكاسحة القاهـرة ، والإعـتـداءات العـصرية المؤلمة المستمرة ، فإنها لم تـستـطِع أن تـفـني هـذا الشعـب المفـتخـر بصليـب الأمم وبـِ أور الكـلدانيّـين موطن أبـينا إبراهـيم أبي الأمم .

لقـد عـبَّـرنا نحـن الكـلدان عـن هـويتـنا في البـيت والشارع ودوائر الدولة والإحـصاءات السكانية رغـم شمولية نـظرة السلطات التي كانـت تـتحـكـَّم بوسائل الإعلام ولكـن قادتـنا الكـلدان ذوي بُـعـدِ نـظـرٍ بعـيد كانـوا يعـرفـون الحـد الذي يحـمينا دون أن نـتجاوز الأحـمر من خـطوطـنا فلم يُعـطوا مبـرّراً بأيدي الأعـداء لـينهـشوا أجـسادنا . نعـم إنحـصرتْ لغـتـنا المكـتوبة في كـنيستـنا فـتـَعـلـَّـمناها نحـن الذين تـوَفـرَتْ الفـرصة لنا وبقـينا نعـتـز ونـتـكـلم بها داخـل بـيوتـنا ، إنها التغـيُّـرات التأريخـية والأحـداث المفجعة الزمنية تـفـرض عـلينا أوامرها العـنجهـية ، فلا مفـر منها إلاّ بالتعامل معها بحـكمة الحـيات ووداعة الحَـمَامات كما أوصانا رب الحـياة الأبدية ، ولا نصبح وقـوداً يُـحـرَق في أزقة الظلام الأحـمقـية ، فـكانت عـلى مر الأيام نهضة كـلدانية بحـق منذ قـرون ولكـن عـلى نار هادئة غـير مرئية ، وبدون أبواق وصعـقات رعـدية ، وإذا إفـتـرضنا إفـتراضاً يوماً أن رياحاً مبهمة تـدغـدغ بشرتـنا وتـعـكـِّـر مزاجـنا ! فإنها مشكـلتـنا ، لا يحـك جـلدنا إلاّ أظافـرنا وليس الدخلاء المتـنـكـرين بـين صفـوفـنا والمنـتحـلين غِـشاً إسمنا ، الذين قال عـنهم الشاعـر :

(( إنّ الأفاعي وإنْ لانـتْ ملامسها ….. عـند التـقـلـُّـب في أنيابها العـطـب ))

لقـد نهض أسود الكـلدان من خلال تـنظيماتهم حـتى عـقـدوا مؤتمراتهم في أرض الله الواسعة وبـين زهـور مروجهم لإستـنهاض المشاعـر وشحـذ الهـِمم وشـدّ العـزائم عـند أبنائهم ، فـكانـت حـدثاً أرعـب ثعالب خائبة جـلودها متلـيِّـنة ، وهـيّجَ ذئاباً قـريـبة تحـمل ﭬايروسات مزمنة في أدمغـتها المتعـفـنة ، يزمِّـرون ويطـبِّلون تشويشاً عـليها بحاويات فارغة بائسة نـتـنة .

نعـم ، نهض الكـلدان ونشاطاتهم تـدوي ثـقافة وفـناً وشعـراً وموسيقىً ، والطخـس الديني غـنيٌ عـن البـيان غِـنىً لدى الجـميع فـلسفة ولاهـوتاً وترجـمة وتأليفاً وإصداراً ، نهض الكـلدان وأرتالهم تسير خـُـطىً حـثيثة في طريقها لا تـبالي بأصوات نكـرة وقرقعات سمجة تلك التي تصيح من منابر أرصفة بعـبارات مقـززة مقـرفة ، ولكـن حـين يـتـطـلب الأمر فالكـلدانيّـون عـندئـذٍ يـلقـمونهم بـ ( حَـصـواية ) صغـيرة صقـيلة ، تـُـبطِل عـمل حـنجـرتهم المتهرئة الهـزيلة .

نعـم ، نهض الكـلدانيّـون في مؤتمر النهضة الكـلدانية ( 30  آذار – 1 نـيسان 2011  – سان ديـيـﮔـو ) فـكان أول تظاهـرة قـومية رائعة جـمعـتْ أبناءهم من كافة أقـطار العالم ليُـبلوروا طموحاتهم ويؤطـِّـروا حـقـوقهم ، والـيوم تواصل مسيرتهم نخـبة أخـرى من الأبناء الأصلاء في نهضة كـلدانية ثانية في السويد للفـترة ( 15 – 19 تشرين الأول 2011 ) فـنباركهم مسبقاً ونشد عـلى أياديهم متمنين لهم وللأمة الكـلدانية كـل النجاح .

عن الكاتب

عدد المقالات : 470

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى