تعقيب على (كلمة الله وروح منه)


مايكل سيبي
مايكل سيبي


قـرأتُ مقالاً بعـنـوان (كـلمة الله وروح منه) كـتبه الأخ عـبـد الأحـد قـلو ونـشره في مواقع عـديـدة ويسـرّني أن أعـقـب عـليه فـعـند إحـتـكاك الآراء تـُـصـقـَـل المعـلومات وتـفـيـد الجـميع. بـداية لستُ متأكـداً إنْ كان الكاتب قـد وجّه مقاله إلى القـراء المسلمين أم المسيحـيّـين ولكـن يمكـنـني التخـمين أنه عـلى الأغـلب موجَّه إلى المسيحـيّـين عـلى إعـتبار أن أكـثر قـراء ومديري المواقع المنشـور فـيها المقال هم مسيحـيّـون وعـلى هـذا الأساس سـيكـون تعـقـيـبي له، أما إذا عـلمتُ أنَّ المقال هـو من أجـل القـراّء المسلمين فـسيكـون لي تعـقـيب مغاير.

حـين يعـظ الكاهـن عـن مبادىء مسيحـية في الكـنيسة أو حـين نعـظها لأولادنا في البـيت أو لأصدقائـنا حـيثما نلتـقي بهم إنما نعـتمد أساساً عـلى المعـطيات الواردة في العـهـد القـديم أو العـهـد الجـديـد أو تراث آباء الكـنيسة القـدماء أو نستـخـدم إجـتهادات اللاهـوتـيّـين المعاصرين أوالفلاسـفة المؤمنين، وإذا كـنا مثـقـفـين مسيحـياً فلا مانع من أن نجـتهـد معـهم أيضاً بالمنـطق دون أن نـتعارض مع الأسس الجـوهـرية لإيمانـنا المسيحي، نعـم نستـخـدم ثـقافـتـنا ومفاهـيمنا ومصطـلحاتـنا التي تربَّـينا عـليها ولا نستـشـهـد بآيات كـتاب لا يخـصنا لأن ذلك دليل عـلى ضعـف حـجـجـنا ولا نـتشبُّـث بالغـير المناقـض لـنا لـدعـم رأينا. وإذا كانت جـميع مفاتيحـنا هـذه غـير مجـدية لفـتح أبـواب إيمانـنا للآخـرين يكـون إيمانـنا باطلاً، ومن الخـطأ الإستعانة بمفاتيح غـيرنا والمخـتـلفة معـدناً وتـصميماً ونـوعـية والتي يُـفـترض أن (لا يمكـنها فـتح أبوابنا أبـداً ــ الأمثـلة كـثيرة) وإذا إفـتـرضنا أنها تمكـَّـنـتْ منها فإن هـناك خـللاً في الأمر!! وتـصبح دارنا معـرّضة إلى خـطـر الولوج إليها خـلسة والعـبث بما عـنـدنا، بل قـل …. أسـوأ من ذلك.

إنَّ دراسة عـلمية عـن مكـوّنات ماء جاري مثلاً تـتم بمتابعـته إلى الجهة التي يأتي منها حـتى الوصول إلى منبعه حـيث لم يتعـرض بعـدُ إلى التـلـوّث وبـذلك نحـصل عـلى نـتائج سـليمة، وحـتماً لا تـكـون دراسته ومتابعـته بإتجاه مصبِّه الذي يُـحـتمل أن يكـون قـد تـلوَّث في الطريق وبالتالي تكـون نـتائج تحـليلاتـنا خاطئة. وهـكـذا إذا روِّجَـتْ إشاعة ما ونريد التأكـد من صحـتها فإنـنا لا نسأل عـمَّن إنـتـقـلت إليه ولكـنـنا نـتـتبعها من حـيث جاءت وأشيعـتْ في الأصل، إن منطقـنا هـذا بسيط جـداً ولا يحـتاج إلى عـبقـرية لإستيعابه وعـليه فإن العهـد القـديم هـو المنبع والأصل وفـيه نقـرأ من نبـوءة إيشعـيا قـبل 700 سنة مثلاً أنَّ العـذراء ستحـمل وتلـد إبناً! وفـعلاً تمَّـتْ حـين ولـدته في العـهـد الجـديـد! فـيكـون إيمانـنا بـذلك راسخاً ولا نـنـتـظـر أحـداً من موالـيـد عام 500 أو 1200 أو 2012 ميلادية كي يؤكـد لـنا صحة ولادة يسوع في بـيت لحـم حـيث لا هـزة خـصر ولا نخـلة تمر.

إن أعـمال الرسل في الأيام الأولى للمسيحـية هي مصـدر آخـر مدوَّن ومنه عـلِمنا أن الفـرّيسي شاؤول اليهـودي كان في أيامه يضـطهد مسيحـيّـينا ولكـنه صار مار ﭙـولس رسول الأمم وأحـد أعـمدة كـنيستـنا، وهـكـذا فإنـنا اليوم نستعـين بلاهـوتـيّـينا العـصريّـين الفـطاحـل كـمصـدر آخـر وهـم ينـوِّرون عـقـولـنا بأفـكارهم الـثاقـبة ونأخـذ منهم عِـبرة لزيادة إيمانـنا، ولكـنـنا لا يمكـن أبـداً أن نستعـين بفـيلسوف مناوىء لعـقـيـدتـنا لدعم إيمانـنا ولا بمؤلـَّـفٍ ينـكـر مبادئـنا منـذ 1400 عام، وإلاّ فـهـناك المانـوية والغـنـوصية والزرادشتية وغـيرها التي يمكـنـنا أن نـقـتـنـص منها عـبارات بـرّاقة مناقـضة لمسيحِـنا ونضعها بـين أسـطر مقالاتـنا بحجة الإستشهاد بها فـنـكـون بـذلك قـد عـمـدنا إلى إرسال رسالة خـطـيرة!! إلى قـرّائـنا.

لنأتي إلى المقال الذي نحـن بصـدده حـين قال الكاتب الأخ عـبـد الأحـد قـلو عـن (كلمة الله وروح منه) ما يلي:

((ان هذه الكلمات الاربعة لها ارتباط وثيق بوحدانية الله وماهية العلاقة القائمة بين الاقانيم الثلاثة التي يتطلب استيعابها وعلى مستوى تفكير البشر المحدود ….. وجود مصادر اخرى تدعم ما ذكر في الانجيل وبما يخص عمق هذه الكلمات التي تدعونا للأيمان بوجـود الله المتحد بأقانيمه الثلاثة)).

ثم يضيف:

((ولذلك علينا قبل كل شيء أن نأتي لمعرفة اماكن تواجد مصادرها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد ذكرت هذه الكلمات في عدة آيات من القرآن الكريم والتي تقول احداها: “إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه” سورة النساء 170)).

يا أخي: دعـني أبـدأ معـك بالقـرآن وأسألك، لماذا لا يسمى القـرآن أو يوصف بالمقـدس إذا كان مقـدساً كالإنجـيل؟ أليس سـؤالي منـطقـياً؟ ثم ما معـني الكـريم، هـل يمكـنـك وأنت مسيحي أن تـدلـَّـني عـلى إحـدى صفات الكـرم في القـرآن، وإلاّ كـيف تصفه بالكـريم، أليس سؤالي منطـقـياً أيضاً؟ ثم ثالثاً هـل إنك تؤمن بأن المسيح هـو رسول الله كي تستشهـد بآية القـرآن، وهـنا أسألك: إن كان محـمد رسول الله والمسيح رسول الله!! إذن ما الفـرق بـينهـما، أليس سؤالي منـطقـياً؟ يا أخي عـبـد الأحـد أنا لا أنـوي الإنـتـقاص من إمكانياتك، ولكـن حـين أقـرأ الغـرائب منك وأنت أخ عـزيز عـلي، عـنـدئـذ لا بـدَّ أن أكـتب وخاصة بعـد أن تركـتُ وصية لك وبقي مقالك في المواقع، وأسألك مرة أخـرى هـل تؤمن بـيسوع المسيح كما يصفه القـرآن بأنه روح من الله! فإذا كان روح من الله فأين هـو الله! وأين روحه الذي بعـثه؟ أليس سؤالي منـطقـياً؟ إقـرأ التـفاسير طالما تستشهـد بالقـرآن فهي توضح لك ذلك.

ويواصل الأخ عـبـد الأحـد قـلو في كـتابته:

((وكذلك الآية القرانية: “وإذا قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين” سورة آل عمران 45)).

وأسألُ الأخ عـبـد الأحـد: كم كان عـدد الملائـكة التي جاءت وبشـرتْ مريم، وحـسب إيمانك المسيحي هـل أن مجـموعة من الملائـكة بشـرتْ مريم، وهـل أن الله هـو الذي جاء وبشـَّـرَ مريم!!! أم ملاك جـبرائيل؟؟

أما مسألة الإستشهاد بالوجـيه والمقـربـين فـهـذه حـكاية أخـرى! وهـنا لا أطـيل عـليك الكلام بل أطـلب منك أن تـقـرأ من مدوِّنات العـم ــ ﮔـوﮔـل ــ في كـتب الطـبري وإبن كـثير والزمخـشري وكـثيرين غـيرهم كي تعـرف المقـصود بالوجـيه والمقـربـين، ثم أسألك مرة أخـرى: هـل تصلح تلك التـفاسـير للإستشهاد بها في إثبات دينك المسيحي؟

ويضيف الأخ عـبـد الأحـد:

((وهاتين الآيتين تهمنا في البحث عن عمق هذه الكلمات والتي تتوافق وما جاء في انجيلنا المقدس وعلى لسان كاتب الانجيل الرابع، المبشر اللاهوتي يوحنا الحبيب والتي جاء ذكرها في هذه الاية مستفتحا انجيله المقدس والتي تقول”في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله والكلمة هو الله. كان في البدء لدى الله، به كان كل شيء وبدونه ما كان شيء مما كان” (يوحنا 1:1- 3) . وقد ركزت هذه الآية على وجود كلمة الله، وهنا رب سائل يسأل بعدم ذكر روح منه في آية يوحنا ولكننا نستطيع اكتشافها من عبارة (كان في البدء لدى الله) ولأن الله هو روح لذلك فالكلمة ستكون من روح الله الموجودة منذ البدء، والتي ترادف هذه العبارة بالمعنى الضمني لروح منه )).

عـزيزي إن تـفـسيرك هـذا (إذا إعـتـبرناه صحـيحاً) فإنك تجـني عـلى التـفـسير الإسلامي الذي تستشهـد به! لأنك لا يحـق لك أن تـفـسِّـر الآيات حـسب هـواك بل إرجع إلى ــ أبـو الآنا ــ إلى صحـيح مسلم والطبري وجـميع المفـسرين المسلمين المرموقـين فإنك سـترى أن مفـهـومك لا يمت بصِلة إلى تـفاسيرهم.

أما هـذه العـبارات التي أوردتها حـضرتك في سـياق مقالك فأنا أعـتـرف بأني لم أفـهـمها وأكـيـد هي أعـلى من قابليتي وهي:

(( نطقه الداخلي الذاتي وبمعـنى بنوّته لهذه الكلمة والتي تعني بأن المسيح هو ابن الله، إنْ كان كاتب القرآن قاصد بذلك أو بغـير قاصد)).

فإنـتهـيتَ بنـتيجة سريعة وهي:

((وهذا المعنى يتوافق وما ذكره الأنجيلي يوحنا الحبيب في آيته المذكورة اعلاه بأن الكلمة كانت لدى الله. والكلمة هو الله)).

ثم خـتـمتَ مقالك بالفـقـرة:

((اثبات الوهية المسيح رياضيا، ويمكننا ان نصل الى نفس الاستنتاج لعبارة (روح منه) بعلمية رياضيا وبصورة مشابه نوعا ما، وذلك لأن الاديان السماوية جميعها تؤمن بأن الله هو روح مطلق وما لانهاية، لذلك فالجزء منه سيكون ايضا مطلق وما لانهاية أيضا. وعليه لأن المسيح الذي هو روح منه بمعنى اِن المسيح الذي هو الكلمة الابن الذي هو ايضا روح منه، أي جزء من الروح المطلق، سيكون أيضا مطلق لانهاية له. وسيكون المسيح الكلمة (الأبن) هو الله ايضا )).

أما موضوع جـزء من الروح المطـلق، فـهـذه أيضاً صـعـبة عـليَّ ، ودمت بخـير.

 

بقـلم: مايكل سـيـﭙـي
سـدني

عن الكاتب

مايكل سيبي
عدد المقالات : 470

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى