تحذير يسوع من الروح النجس


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

” إنَّ الروح النجس، إذا خرج من الإنسان، هام في القفار يطلب الراحة فلا يجِدُها، فيقول: أرجعُ الى بيتي الذي منه خرجتُ. فيأتي فيجده خالياً مكنوساً مُزَيَّناً. فيذهب ويستصحبُ سبعةَ أرواح أخبثَ مِنه، فيدخلون ويُقيمون فيه، فتكون حالة ذلك الإنسان الأخيرة أسوأ من حالتِه الأولى. وهكذا يكون مصيرُ هذا الجيل الفاسد ” (متَّى12: 43 – 45) يقابلها (لوقا11: 24 – 26).

 

كان كلام يسوع هذا مُوجَّهاً الى جيل بني اسرائيل الذي في زمنه تجسَّد وترعرع وأصبح في عُمر يسمح له في بدء رسالته الخلاصية. فاختار له تلاميذا يُساعدونه في مسعاه للتبشير بملكوت الله، وباشر التعليمَ والتبشيرَ فيى هياكلهم في اورشليم والمدن الأخرى، وراح يتجوَّلُ في كُلِّ مناطقهم شافياً كُلَّ مرضٍ وعَوَقٍ كان قد أصابَ أبناءَهم، حيث العميان أصبحوا يُبصِرون والعُرجُ يمشون والبُرصُ يبرأون والصُّمَّ يسمعون والموتى يقومون والشياطين من الممسوسين يُطردون والفقراء يُبَشَّرون. ورغمَ كُلِّ ما شاهده رؤساؤهم الدينيون والكتبة والفريسيون مِن المُعجزات والأعمال الباهرة، كانوا يؤلِّبون الشعبَ ضِدَّه بالدسائس والمؤامرات التي يُدبِّرونها للإيقاع به واتهامِه بمُخالفة الشريعة.

 

هذا الجيل الذي وصفَه يسوع بالفاسدِ الفاسق رفضَ المسيح الربَّ الذي نزلَ من عليائه وتجسَّد مِن أجل افتدائِه، وقَبلَ الفداءِ حَرَّره مِن سطوةِ إبليس وأعوانِه في حادثةِ شفائه لرجُل ممسوسٍ أعمى أخرس حيث تكلَّمَ وأبصرَ للفور، فأصيبَ الجموعُ المُشاهدة بدهشةٍ كبيرة لمعجزةِ الشفاء، وهتفوا قائلين: أتُرى، هذا ابن داود؟ فردَّ الفريسيون على كلامهم بالقول: إنَّ هذا لا يطرُدُ الشياطين إلاَّ ببعل زبول سيدِ الشياطين. ففَنَّدَ يسوعُ قولَهم منطقياً قائلاً: لا يمكنُ أن يُخرِّبَ سيدُ الشياطين مملكتَه بانقلابِه على الشياطين أعوانِه. ثم قال لهم مثلاً: إذا لم يستطِعْ الناهبُ دخولَ بيتِ الرجُل القوي وتوثيقَه أولاً، كيف يتسنَّى له نهبَ بيتِه؟ فيسوع هو الذي قَيَّدَ الشيطانَ وبدَّدَ سطوتَه ثمَّ نهبَ متاعَه بتحريرِه لأسيرِه!.

 

يا إخوتي المؤمنون، مادامَ المسيحُ الربُّ قد حرَّرنا من سلطان إبليس فلنُواصلَ سعيَنا برَفْعِ الشكر والتمجيدِ لإسمِه القدوس خلال مشوار حياتِنا الأرضية، فحذار أن لا نُكملَ المشوارَ بحسب إرادتِه، بعدم العودةِ الى فعل الخطايا وأن نسلك سُّبُلَ الحصول على النعمةِ التي تقودُنا لنيل خلاصِ نفوسِنا باستعدادٍ تام كما فعلتْ البتولاتُ الحكيماتُ الخمس. فلنَعِد أنفسَنا أن لا نُهمِلَ أمرَ خلاصِنا، فالشيطان لا زال يُراقبُ ارتدادَنا ليعودَ إلينا ويستعبدَنا بقوةٍ أشّد، فهو لا يجدُ الراحة إلاَّ برجوعِه الى المكان الذي طُرِدَ منه. فما دُمنا قد بدأنا بالروح فعلينا أى لا نُكمِلَ بالجسد كما يقول بولس الرسول (غلاطية3: 3) لأنَّ هذا الإرتدادَ فعله بنو اسرائيلَ، فبعلاقتهم مع الله القويةِ في السابق ووجودِ اللهِ في وسطِهم تخلَّصوا مِن مضايقةِ ابليس طاردينَه من قلوبهم. إلا أنَّهم لما جَنحوا الى جحودِ الربِّ والتجديفِ عليه، عاد الإبليسُ واستعبدَهم فصار حالُهم أشرَّ سوءاً مِمّا كانوا عليه قبلَ أن يُحرِّرَهم ايمانُهم.

 

غدا بنو اسرائيلَ مُستعبَدين للمصريين بعد موتِ يوسف، فعاشوا بحسب عاداتِ واعتقادات المصريين الفائضةِ بالأعمال الدنسةِ التي هيَّأها لهم الروحُ النجسُ ودفعَهم الى مُمارستِها. فنظرَ اللهُ الى حالتِهم فقرَّرَ أن يُنقذَهم من عبوديةِ المصريين إكراماً لآبائِهم ابراهيم واسحق ويعقوب، فخاطبَ موسى لإخراجِهم من أرض مصر، فأكملَ موسى أمرَ الربِّ وخرجَ بهم الى بريةِ سيناء، وهناك تسلَّمَ موسى وصايا الله وكَتبَ لهم الشريعة فقبِلوها، وبقبولِهم لها وسَيْرِهم على هديِها فارقَهم الروح النجسُ وصاروا يُطيعون أمرَ الله، ولكنَّ التمرُّدَ والعصيانَ على الله كان يصدرُعنهم أحياناً فينالون العقابَ ثمَّ الصفحَ. وظلّوا ينتظرون “المَسِيّا” المُنتظر، وإذ تجسَّدَ المَسِيّا وظهرَ لهم وعاشَ في وسطِهم رفضوهُ كما مرَّ بنا، لأنَّهم زاغوا عن أحكام الشريعةِ والأنبياء، فرأى الروحُ النجسُ الطريق مُهَيَّاً له للدخول الى قلوبِهم الفارغةِ والخاليةِ من مخافةِ الله الحقة، ولم يكتفوا برفضِه فحَسْب بل شنّوا عليه حَرباً شعواءَ مِن حيث الكذِب والتجديف عليه والتآمر ضِدَّه، فجَرَى لهم كما قال عنهم “وهكذا يكونُ مصيرُ هذا الجيل الفاسد “.

أُسرة يسوع الحقيقية

وبينما هو يُكَلِّم الجموع. إذا أُمُّه وإخوتُه قد وقفوا خارج الدار يُريدونَ أن يُكَلِّموه، فقال له بعضُهم: إنَّ أُمَّكَ وإخوتَكَ واقفون في خارج الدار يُريدون أن يُكَلِّموكَ. فأجابَ الذي قال له ذلك: مَن هم أُمّي ومَن هُم إخوتي؟ ثمَّ أشارَ بيدِه الى تلاميذِه وقال: هؤلاء هُم أُمّي وإخوتي. لأنَّ مَن يعمَلُ بمشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأُختي وأُمّي . (متَّى12: 46 – 50) يُقابلها (مر3: 31 – 35 ولوقا8: 19 – 21).

 

لم يَكُنْ جوابُ المسيح لِمَن أخبرَه بوجودِ أُمِّه وإخوتِه خارجَ الدار يُريدون أن يُكلِّموهُ يتَّسم بعدم مَعرفتِه لهم أو نكرانِه إياهم، وإنَّما قال ذلك لِيَسموَ بالعلاقات مِن مستوى علاقاتِ القُربى الجسدية الى مستوى العلاقاتِ الروحية الأرفع وهو العملُ بمشيئةِ الآب، فالذين لا يصنعونَ مشيئة الآب السماوي التي هي الأساس، لا يكونونَ إخوةً للمسيح. ويوحنا البشير يُخبرُنا بأنَّ إخوتَه أنفسَهم لم يكونوا يؤمنونَ به (يوحنا7: 5) وبعضُ ذويه قالوا عنه “بأنَّه ضائعُ الرُّشد” (مر3: 21). فأيُّ الناس يكونونَ أقربَ الى المسيح، أأُولئك الذين لم يؤمنوا به والذينَ وصفوهُ بضائع الرشد وهم أقرباؤه بالجسد، أم الذين آمنوا به وأخلصوا الحُبَّ له وعملوا بوصاياه؟ ولا شكَّ أبداً بأنَّ الربَّ يسوعَ المسيح يُريدُ أن يسموَ بنا فوق مستوى العلاقاتِ الجسدية، عندما قال: مَن أحَبَّ أباً أو أُمّاً أو … أكثرَ مِني فلا يستحِقُّني.

 

وعلى ذِكر إخوتِه، في عُرفِ اليهود يُعتَبَرُ أبناءُ وبناتُ الخالةِ والخال وأبناءُ العمومة بأنَّهم إخوة، ولنا مثل بابراهيم حيث سمَّى لوطاً أخاه، فبالنسبةِ ليسوع كان الواقفونَ خارجاً أبناء خالتِه. ذكر هذه الواقعة متَّى البشير عِقبَ حديث يسوع عن طردِ الشيطان ثمَّ عودتِه الى ذاتِ المكان الذي طُرد مِنه إذا رآهُ مكنوساً، فمتَّى بذلك يُريدُ أن يقول: إذا كُنتَ تُريدُ أيها الإنسانُ أن تكونَ حُراًخالياً من الروح النجس وقريباً من المسيح الرب، فعليك حِفظُ وصاياه وتنفيذُها، وبمفهومٍ مماثل لمتَّى يقول البشير مرقس: فوقفوا خارجَ الداريطلبونَه، والوقوفُ خارج الدار إشارة الى عدم الإيمان وبالتالي يدُلُّ على فقدان العلاقةِ مع يسوع، أما البشير لوقا فيذكر هذه الحادثة بعد قول يسوع: فتنبَّهوا كيف تسمعون!…لأنَّ الذي يسمعُ كلام الربِّ يسوع ويحفظُه قولاً وفعلاً يُصبح قريباً له.

 

ثمَّ أشار بيده الى تلاميذه وقال: هؤلاء هُم أُمّي وإخوتي. لأنَّ مَن يعمَل بمشيئة أبي هو أخي وأُختي وأُمّي: إنَّ الربَّ يسوع باتخاذِه جسداً بشرياً وحلولِه بيننا، دخلَ معنا في علاقةٍ جديدةٍ فاعتبرَنا أُمَّه وإخوتَه، بحَمْلِنا إياهُ في داخلِنا نُصبحُ أُمّاً له، وبكونِه بكراً لإخوةٍ كثيرين صِرْنا إخوة له. وانتبهوا أيها القراء الأعزاء، بأنَّ يسوعَ لم يُنكِرْ أُمومةَ العذراءِ مريم له، إذ حين قال: مَن هي أُمّي؟ أراد أن يرفعَ علاقتَها الجسدية به الى مستوى أسمى هو المستوى الروحي من خلال الطاعةِ لمشيئةِ أبيه، وإن كانت العذراءُ قد قدَّمَت الطاعةَ للأب عند تبشيرِها من قبل الملاك بقولِها للملاك ” ها أنا أمة الرب فليَكُنْ لي بحسبِ قولك ” (لوقا1: 38). إن قيامَنا بتنفيذ مشيئةِ الآب لا نكونُ أقرباءَ المسيح بالجسد فحَسْب، وإنَّما نكونُ قد اتحدنا به وثبتنا في محبتِه، ولا شيءَ يفصُلنا عنه إلا الخطيئة حيث لا شركة بين النور والظلام. واتحادُنا بالمسيح هو واقع حقيقي لدى قبولِنا المعموذية (روما6: 3 – 8) ، وإنَّ ثباتَنا بالمسيح يتطلَّبُ التزامنا بوصاياه.

 

الشماس د. كوركيس مردو

عن الكاتب

عدد المقالات : 193

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى