تبقى خالداّ مخلداّ مدى الدهر يا ابا منير


ناصر عجمايا
ناصر عجمايا

تعرفت على المرحوم ابو منير (عيسى بولص جبرائيل) ، وانا طفل صغير بحكم الروابط العائلية والجيرة والسياسة ، كان والده أحد مختاري تللسقف في العهد الملكي ، كما روى لنا أهالينا وكبار محلتنا ، والمرحوم من مواليد 1929 درس وتعلم حتى تخرج معلم ، يذكره كل من تعلم ودرس على يده ، ذو الخصال الفريدة بأمتلاكه قدرات كبيرة ، في تدريس اصول التعليم ، وايصال العلم والمعرفة لتلاميذه ، وخصوصاّ تعليم اللغة العربية وقواعدها ، الذي كان يتقنها بشكل جيد ، حيث أثبت جدارته الفائقة ، في التدريس في مدينته تللسقف حتى 1959 ، بعدها تم نفيّه الى قضاء الشورة ، لا لسبب سوى أنه شيوعي في بلدته ، التي نشأ وترعرع بها عبر التاريخ .

انه ملقب بالأستاذ عسكو ، ذلك الأنسان ذو البياض الناصع ، و الخلق الخلاب الخالد بخصال حميدة لا توصف ، والوجه اللامع الساطع والبرائة الفذه ، والأبتسامة البشوشة التي لم تفارقه قط ، والتواضع الجم الذي يحمله في فكره قبل قلبه ، وصوته الخافت ، وفي تعامله الأجتماعي الفريد قبل التزامه السياسي ، ومهما قيل عنه من ومن ومن ، فهو قليل بحق هذا الانسان الكلداني الوطني الديمقراطي ، الغيور على شعبه العراقي ، ومنطقته ومدينته ومحلته ، التي رادفها وأحبها في حياته ، بآلآم ومعانات وتشرد من دياره العامرة ، ورغم قساوة الطبيعة والانسان معاّ ، لم يحمل الضغينة ولا الحقد أطلاقاّ ، كان مسامحاّ وحيوياّ ، من أجل تغيرالطبيعة والانسان نحو الافضل بتفائله الجم ، كان حلمه حيوياّ كرفاقه المناضلين الصادقين المبدأيين ، أصحاب الضمائر الموجبة والعقل النير ، لتحقيق الهدف السامي وطنياّ وأنسانياّ ، وصولاّ لوطن حر وشعب سعيد.

بعد نفيّه الى قضاء الشورة العربية ، أحبها كمدينته التي غادرها كتللسقف الكلدانية ، تأقلم مع شعبها وخدم ابنائها بأخلاص وتفاني ونكران الذات ، محافظاّ على التزامه الوطني والسياسي والاجتماعي ، من دون خلل ولا ملل ، بل مواضباّ ومناضلاّ ومجاهداّ ، من أجل الكلمة الحرة ومستقبل أفضل لعموم الناس ، هو وعائلته جزء من الكل ، خصوصيته ومصلحته الشخصية ، ضمن عموميات الشعب وتطور الوطن والمواطن معاّ ، حتى حدوث الأنقلاب الفاشي عام 1963 ، لم يتجرأ البعث وحرسه القومي من أعتقاله ، بسبب طماثة خلقه وبناءه الفذ ، لعلاقاته الأجتماعية وخدماته المدرسية مع شعب الشورة ، أحبهم وأحبوه ووقف الى جانب ابنائهم ، وخدمهم بالتفاني والاخلاص ، وبهذا كسب ودّهم وأحترامهم ، فحموه من ايدي الجلادين وقتلة الشعب ومدمري الوطن ، وبعد سنوات غادر مدينة الشورة ، متوجهاّ الى العاصمة بغداد للأستمرار في العمل التعليمي ، مبدياّ النجاح في عمله وخدماته بأخلاص تام ، لحين أحالته على التقاعد.

الأستاذ والرفيق عيسى بولص ، هو رفيق المرحوم والدي منذ خمسينيات القرن الماضي ، ورفيقي فيما بعد في نهاية الستينات ، كانت تجمعنا واياه علاقات لاتوصف ، ليس لوحده وحسب بل ، ولجميع افراد أسرته كاملة ، كنت التقي معه عند زيارتي لبغداد ، حافظنا على العلاقة بأمتياز ، كنا نتبادل الرسائل بأستمرار ، وكان يصحح لي بعض الأخطاء اللغوية والاملائية ، وحتى قواعد اللغة العربية ، واستفاديت منه كثيراّ في هذا المجال ، ومن غير الممكن ان ننسى ، خصاله ونزاهته وصدقه وخدماته وأخلاقه الفريدة والتزاماته المشخصة ، وضبطه الصارم في تنفيذ الواجبات الملقاة على عاتق الجميع ، شاهدته بأم عيني وهو بعمر ناهز 75 عاماّ ، يوزع جريدة طريق الشعب في تللسقف ، لجميع المشتركين من الرفاق والاصدقاء والمثقفين والقراء ، عند زيارتي الأولى الى تللسقف في ربيع عام 2005 ، بعد ان غادرتها قسراّ لأكثر من عشرة سنوات ، نتيجة حدوث التغيير من قبل الأحتلال الامريكي وشرعنته لاحقاّ ، وفق قرارات الامم المتحدة.

وللأمانة كان يشكي همومه ومعاناته من قسم من رفاقه ، بسبب الأخطاء والممارساة الغير المسؤولة ، يمارس النقد البناء بتحسر واضح ، حيث حافظ على الامانة التي كانت بحوزته ، ولم يسلمها لأحد كان ، ودعها عند أيادي أمينة في منظمة الحزب الأساسية ، وبقيت الامانة لحين زيارتي الثانية عام 2007 ، أستلمت لبناء مقر للحزب الشيوعي العراقي في تللسقف ، حيث تم تنفيذ المشروع الحزبي (المقر) بأمانة ، الى ان تم أفتتاحه بشكل رسمي في 13 تموز عام 2008 ، مساهماّ في الأفتتاحية مع الرفاق وجماهير الحزب ، وللاسف الرفيق المرحوم عسكو ، لم يحضر أفتتاحية المقر الحزبي بسبب مرضه في تلك الفترة.

كنت أزوره بأستمرار ، كلما سنحت لي الفرصة عند تواجدي وزياراتي المتكررة ، المشار اليها أعلاه للأطمئنان عليه من جهة ، والتواصل وأزاحة الهموم التي ترادفه ، وخصوصاّ أولاده وبناته في الغربة ، لهجرتهم الى ثلاثة بلدان متفرقة ، وبقائه وحيداّ مع شريكة حياته ، وهو يعاني مرض المفاصل وأمور أخرى.

نم قرير العينين يا رفيق المرحوم والدي ورفيقي ، انت بحق وحقيقة لم تمت أبداّ ، لأنك رسمت الدرب الذي لا ينتهي ، والفكر الذي لا يمل ، والجسد الذي لا يتعب ، والعقل الذي يتطور ويبدع ، من أجل الحق والحقيقة وتحقيق العدالة الاجتماعية ، ومن أجل النزاهة والأخلاص والمحبة والتسامح والعمل الصالح والصدق الدائم ، وحب الناس وأحترامها وانهاء أستغلالها ، ومعافاتها وديمومة عملها الانساني ، من اجل خير البشرية جمعاء ، ومن اجل بناء الوطن العراقي العزيز المميز ، ومن أجل حقوق جميع القوميات صغيرها قبل كبيرها ، دون الغاء او تهميش او تغييب او مصادرة حقوق ، اي مكون من مكونات الشعب.

لا يسعنا الا ان ننعي انفسنا ، ورفاقنا المخلصين النزيهين الصادقين اينما كانوا ويكونون ، وزوجتك الغالية ام منير والرفيق الدكتور منير والاخ فائز والرفيقة فائزة والاخت ماجدة والاخ ماجد ، والى عائلة ماريكا ، نتمنى لك الخلود الدائم في الراحة الأبدية ، وستبقى ذكراك مدى الدهر غالية عالية ، يا رفيقي وأستاذي العزيز عسكو.

ناصر عجمايا
ملبورن \ استراليا3\6\12

عن الكاتب

عدد المقالات : 224

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى