باسم دخوكا وحبه في الأزمنة الصعبة / قراءة في كتاب


حبيب تومي
حبيب تومي

 

(الحب في الزمن الصعب) قصة اغرتني للكتابة عن قراءتي لها وأقول :

 باسم يوسف دخوكا غني عن التعريف بين ابناء شعبنا إنه كاتب كلداني معروف ، يكتب في مختلف المواضيع ويركز بشكل خاص على هموم ومشاكل عنكاوا ، وأنا اعرف باسم دخوكا من خلال كتاباته ، لكن هذه المعرفة توطدت يوم لقائنا في المؤتمر القومي الكلداني العام الذي انعقد في ديترويت اواسط ايار المنصرم . ومن خلال لقاءاتنا تعرفنا على عائلته الكريمة بيداء التي يفتتح قصته ” الحب في الزمن الصعب ” في صفحة الإهداء يقول :

الى رفيقة دربي وحبيبة عمري بيداء التي لولاها معي لما قدر لهذا الجهد ان يرى النور … اجل انها باكورة اعماله الأدبية ، وأشكر الصديق باسم على هديته التي اتاحت لي الفرصة لقراءتها الشيقة والتي جذبتني من الصفحات الأولى للاستمرار بقراءتها ، وأردت تصفحها والمرور عليها مرور الكرام في البداية ، لكن حينما بدأت في اولى صفحاتها شدتني الرواية ليس في الأحداث الدرامية التي سادت معظم فصولها بل الأحاسيس الأنسانية التي أفراغها الكاتب من دواخله ومن وجدانه ، فكان علي ان ابقى مع الكلمات وأن اذرف دموع الحزن الدافئة مع شخصيات القصة وكأنني اعيش واقع تلك القصة وأحداثها تقع امامي .

 لقد كان الكاتب صادقاً مع نفسه ومع القارئ ، ولم يحاول إضافة رتوش او جمل إنشائية تجميلية ، لقد جسد الواقع بما هو ، ممزوجاً بأحاسيسه فجعل من القارئ مشاركاً له وجدانياً وبما تختلج به الكلمات المعبرة التي حبرها الكاتب . لقد تناول القضايا السياسية ومسائل الحرية لا سيما حرية الفكر وحرية الصحافة والقيود التي تكبل هذه الحرية بل وتصل الى إخماد انفاس من لا يتجاوب مع السياق العام للسلطة او بعض الاطراف المتنفذين .

يقودنا الكاتب بأسلوب ذكي الى نهاية الحدث ثم يعود بنا برشاقة الى تفاصيل الحدث ومن الصفحة الأولى في القصة نقرأ :

رن الجرس الهاتف وأستمر بالرنين في منتصف الليل ليقطع السكون المخيم في الغرفة . استفاق دريد ليمد يده ببطء نحو سماعة الهاتف .. ليصله صوت مرتبك من صديقه الحميم نديم وهو يلفظ الكلمات بصعوبة : النجدة يا دريد ارجوك بسرعة يا دريد ..

وهنا ينتفض دريد مسرعاً لنجدة صديقه المغدور الصحفي نديم يوسف ويعمل المستحيل لأيصاله الى المستشفى وإدخاله غرفة العمليات ليخرج الطبيب بعد قليل ويقول بصوت حزين : لقد بذلت كل ما في وسعي ويؤسفني ان اقول …

هكذا نبقى مع دريد ليتيه في المدينه دون هدف لكن مكامن اللاوعي تقوده نحو منزل صديقه نديم ويمد جسمه المنهار على سرير صديقه وهنا يشعر بشئ صلب تحت الوسادة وإذا بمجلد جميل على غلافه عبارة : مذكراتي في الصحافة ..

وهنا دون تعب نعثر على تفاصيل دقيقة ومجريات الأمور الى ان توصلنا الى حافات الجريمة التي ستقع في اية لحظة وها هي اللحظة قد وقعت .

علمنا ان نديم يوسف قد وجد في مفاصل الحياة محطات داكنة ومظلمة ، واراد ان يشعل الشموع لأضاءة تلك الأماكن ، لكن هنالك قوى ترى في إضاءة تلك المحطات ما يهدد مصالحها ، ووضع امامه بإرادته الشبابية الطموحة ان يتصدى لتلك النواحي وان يفضحها بقلمه الجرئ ، وهو يتوقع ما سيؤول اليه إصراره هذا ، وهو يعرف ان الحيتان يمكن ان تبتلعه يوماً ، وها هو ذلك اليوم قد حان وارتكبت الجريمة وسجلت ضد مجهول …

لقد تبين ذلك من مذكراته (نديم ) حينما يتجنب التقرب من الفتاة ( سماء) التي تحاول التعبير عن حبها له فنقرأ حواراً جميلاً :

سماء : عليك ان تنظر من حولك لا بد ان تجد شيئاً جميلاً يستحق ان تعيش من اجله .

نديم ـ وإن لم يجد شيئاً كهذا ؟

……..

سماء : لماذا هذا الشعور ؟ هل لكونك وحيداً ؟ …

نديم ــ بل لدي اصدقاء اعتبرهم اخوتي .

سماء : أحقاً ما تقول ؟

نديم ــ لمَ لا ؟

……………

نديم ــ الحقيقة لا اتصور نفسي ابداً اعيش في حالة حب يوماً ما .

سماء : وهل استطيع ان أسال لماذا ؟

نديم ـ لأنني لا اود العذاب لأمراة اختارها لتكون حبيبتي .

سماء : ولمَ العذاب ؟

نديم ـ لأنني اجهل غدي ..

وبعدها كان الحديث عن تراكم الأحزان عند نديم بسبب اعدام والده وأخيه ثم وفاة والدته بنوبة قلبية وهو في العاشرة من عمره ، ليهتم بتربيته صديق حميم لوالده . ليس هنالك سبيل لالتئام الجرح بعد هذه المآسي وهكذا كانت نهايته هو ايضاً .

وتداعيات حياته سوف يكون لها تأثير على مجرى حياة صديقه دريد الذي يعاني من صدمة نفسية لما حصل لصديقه ، ويصبح في حالة يرثى لها ، وتسعى خطيبته واخيه هشام لمساعدته ، وهنا بطريقة ذكية ينقلنا الكاتب الى دنيا خطيبته التي تتذكر او لقاء لها معه .

دريد : أظن انك حديثة التوظيف في البنك اليس كذلك ؟

شروق ـ هذا صحيح فلم يمض على تعييني سوى بضعة ايام .

دريد : انا اعمل مدرساً في المدرسة المجاورة ، عليك ان تعتادي على رؤيتي كثيراً ، لكن لا تظني سوء فأنا لست غنياً .

فابتسمت وقالت اسمي شروق

 ــ انه اسم جميل .

وبعد تفاهمات الشباب الممزوجة بمصاعب الحياة لا سيما ما ترتبت على حياة دريد من مشاكل ومن اليأس الذي انتابه ، غير ان شروق بعد ان اصبحت خطيبته ، دأبت مع اخيه هشام على مساعدته لمعاودة الحياة الطبيعية والعيش بسلام مع كل ما صادفها من مصاعب ومشاكل ، ولكن هل حقاً اصبح الطريق سالكاً للمرور وللعيش الطبيعي المألوف ليعيش الأنسان حياته كلها ؟ وهل كان هناك المزيد مما يخفيه الزمن لهذا الأنسان ؟

وللاجابة نبقى مع كاتبنا باسم دخوكا وأبطال قصته التي استوحاها من واقع الحياة .

هشام مع مصاعب الحياة يضع امامه خطة للهجرة الى الخارج ، ويعمل على اقناع اخيه دريد وخطيبته ان طريق الهجرة هو اصلح طريق ، وكان من العبث مقاومة تصميمه ، فكان سفره الى دهوك وهو يحمل رسالة من صديق له الى شخص اسمه سردار وهو الذي يقوم بمهمة عبوره الى تركيا .

وفي الطريق الى دهوك يتأمل هشام المناظر الجميلة على جانبي الطريق من الجبال الشاهقة والتي تفرشها اشجار السرو والجوز ويقول هشام في قرارة نفسه :

كم انت جميل يا وطن ولكن ماذا اقول لمن حول هذا الجمال الى خراب ودمار …

وفي النهاية يصل هشام الى سردار الذي يحمل له الرسالة ويرحب به الرجل وفي المختصر المفيد ، ان هشام يصاب بطلقة في كتفه من قبل حراس الحدود الأتراك ، ويحمله سردار لكي يصل الى قرية امنة له فيها معارف ، وهنا يدرك هشام مصيره ويطلب من سردار ان يقف ليكتب رسالة لأخيه ويطلب من سردار أيصالها ، ويكتب بأنه أصيب بطلقة من حراس الحدود وهي إصابة مميتة ، ويريد من اخيه دريد ان يستمر في الحياة ومع شروق فالحياة يجب ان تستمر ولا تتوقف حين فقدان عزيز علينا .

وهكذا يقوم سردار بإيصال الرسالة الى دريد بعد ان دفن اخاه قبل ايام على الحدود .

لقد كان الحادث المؤلم صدمة قوية لدريد فخرج تائهاً في الشوارع دون هدف سوى الأدمان على المشروب والنوم على قارعة الطريق فأصبح كل شئ عنده سيان ، الموت والحياة والحب والكراهية والوجود واللاوجود الليل والنهار ..  وهكذا اخذ يستعطي رواد الحانات ليشتروا له كاساً من المشروب .

وذات يوم وهو يسير في شارع دون هدف لمح شروق تسير بنفس الممر من الأتجاه المقابل ، وحينما لمحته تسمرت في مكانها وهو ايضاً توقف ليتأمل كل منهما الآخر ، وبعد اخذ  ورد تقول له : عد الي ارجوك ويكفي ما حل بنا .

تراجع دريد الى الخلف ليقول : لم اعد انفع لك يا شروق وأرجوك انسيني وابحثي عن مستقبلك .

وترد عليه شروق : ماذا تقول انسيت حبنا ؟ اين مضت احلامنا ؟

ويرد بصوت خافت : قتلها الزمن .

 ومن جانبها تحاول ام شروق ان تعيد لابنتها حياتها الأعتيادية وان تسعد بها ، وان تمسح الحزن من حياتها بأن تفتح صفحة جديدة ، فتبلغها بأن مخلص يحبها وان أمه اتصلت اكثر من مرة تريد زيارتهم لتطلب يدها . وفي نهاية المطاف توافق شروق على الخطوبة وتستمر الترتيبات لعقد الزواج ولم تبق سوى ايام للحفلة ، وبينما كانت تسير مع خطيبها مخلص إذا بها تلمح رجلاً بهيئة متسول جالس على قارعة الطريق ، وامام دهشة خطيبها اتجهت نحو المتسول الذي كان هو دريد بعينه وركعت امامه وخطيبها ينظر اليها وهي تبكي .. وبعد ان سحبها اردف قائلاً . في اوروبا سوف لا تجدين مثل هؤلاء المتسولين في الشوارع ، وهنا توقفت : وهي تقول :

ارجو ان تغفر لي يا مخلص  لا استطيع الأستمرار معك .. فالرجل الذي ظننته متسولاً هو دريد خطيبي .. وانا لا استطيع ان اتركه على هذه الحال ..

وأردفت : سامحني ارجوك

ومخلص بروح رياضية قال لها ايضاً : انا لا اود الأرتباط بفتاة يشغل قلبها رجل آخر ، وأخرجت خاتم الخطوبة من اصبعها وناولته له .. وعادت الى حبيبها وخطيبها دريد ولكي تنقذه من واقعه المأساوي الذي وقع فيه .

 برأيي ان الكاتب هنا انتصر للحب وانتصر للمشاعر الأنسانية ، وإن الحب هو المنتصر حتى في الأزمنة الصعبة . وقبل الختام لا بد من المرور على الكلمات االمعبرة التي خطها باسم دخوكا على غلاف الصفحة الأخيرة لكي يودعنا وهي كلمات رائعة نابعة من قلبه النقي النابض بحب الحياة والأنسان يقول :

تمعنوا جيداً في كل كلمة بقصتي هذه ، إنها ليست كقش في مهب الريح ، إنها ليست إبداع اللغة في عالم الكتابة ، لربما افتقرت لمفردات لغوية رنانة ، إنها انفاس أرواح تئـن ، إنها نزف جرح غائر ، انها صرخة من الواقع المرير الذي حول الأمل الى الألم والحب الى كراهية والحرية الى العبودية . إنهم أناس يعانون ويتألمون لسبب بسيط جداً ألا وهو انهم أحياء .

 تحية للصديق العزيز باسم يوسف دخوكا والى اشتغالات ادبية وثقافية .. اخرى

د. حبيب تومي / اوسلو في 04 / 07 / 2013

 

 

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى