اين يقف الأستاذ نيجرفان البارزاني من العملية السياسية في كوردستان ؟


حبيب تومي
حبيب تومي


قطار العمر كان قد ادرك محطة الشباب حينما توجهت مع بعض زملائي

من القوش الى بارزان ومنها الى مدينة رانيا ، سيراً على الأقدام ، في

صيف عام 1964 ، آملين ان تساعدنا الثورة الكردية المتمثلة بقائدها

المرحوم ملا مصطفى البارزاني في مواصلة الدراسة حيث ان المعارك

كانت متوقفة والمفاوضات جارية ، وحينها قال لنا ملا مصطفى البارزاني:


بودي ان ارسلكم الى الخارج للدراسة كما اريد ان ارسل ولديّ ادريس

(مواليد 1944 ) ومسعود  ( مواليد 1946 ) لكن تكهناتنا هي ان السلام

الهش سوف لن يستمر ، وهكذا كانت بوصلة الأحداث متجهة صوب

استئناف العمليات العسكرية في المنطقة ، ومعها توقفت عجلة البناء

والتقدم والتعليم لتكون فوهة البندقية سيدة الموقف مع انكفاء القلم

ومجالات الدراسة .


سوف نشهد رحيل ادريس البارزاني عام 1987 الى الحياة الأبدية ،

وسنلقى نجله نيجرفان البارزاني ( مواليد 1966 ) وهو يولج عالم

السياسية من اوسع ابوابها ، وفي عام 1999 سوف ينهض الأستاذ

نيجرفان البارزاني بعلمية رأب الصدع وترميم البيت الكوردي الذي شهد

تمزقاً ومعارك داخلية شرسة في اواسط التسعينات ، وبطموح الشباب

وعفويتهم يسعى الى حلحلة معضلات كبيرة . وقضايا شائكة ويفلح في

وضع اسس رصينة لإذابة جبال الثلوج من الشكوك وانعدام الثقة ، ومن

اجل صهر القطبين المتنازعين في بودقة الوحدة القومية للشعب الواحد

الذي فرقته السياسة والمصالح .


الأستاذ نيجرفان البارزاني يمكن تأصيل خبرته الحياتية والسياسية الى

زمن (الدولة) الكوردية  وليس الى زمن الثورة الكوردية ، اي انه ابن

الدولة وليس ابن الثورة ،  ورغم انخراطه المبكر في العمل الحزبي في

صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني الا انه شبّ وأقليم كوردستان

يتمتع بمنطقة آمنة ذات حكم ذاتي تحميه القوات الدولية بموجب قرارات

هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وذلك اعتباراً من اوائل عام 1991 م .


كثيرة هي الملفات الشائكة التي تصدى لها السيد نيجرفان البارزاني ،

كمشاريع الأعمار والعلاقة مع الحكومة المركزية ، ولكن دمج الأدارتين في

السليمانية وأربيل كان يأتي في مقدمة تلك المهام ومن اجل ذلك كان

ينبغي العمل الدؤوب لرأب الصدع الناشئ عن الأقتتال الداخلي والعمل على

إعادة الثقة بين الطرفين بغية خلق ارضية صالحة لزرع المشتركات في

الطريق نحو صهر الأدارتين في بودقة اقليم كوردستان الواحد غيرالمقسم.


ولا شك ان الأمر يتطلب جهوداً كبيرة ومرونة ونفساً طويلاً  من العمل

السياسي والثقافي والتضامن المجتمعي من اجل اعادة الثقة بين الأوصال

المتحاربة ، لحد الساعة ثمة تساؤلات تطرح بصيغة وجود حكومتان في

اقليم كوردستان واحدة في السليمانية والثانية في اربيل ودهوك ، وعن

هذا التساؤل يجيب الأستاذ نيجرفان البارزاني لجريدة الشرق الأوسط

اللندنية بتاريخ 12 من حزيران الجاري وبصراحته المعهودة فيقول :


(الأوضاع ليست بالشكل الذي تحدثتم عنه، ولو تسألني عما إذا كانت كل

آثار وعقبات الإدارتين قد أزيلت فسوف أقول لكم إن هذا أيضا غير

صحيح، ما زالت هناك خطوات يجب اتخاذها لتوحيد كل شيء، حتى لو

كانت تتعلق بمسائل صغيرة جدا، ولي أن أذكر لكم مثلين: الأول حول

قوات البيشمركة التي نعمل على توحيدها تماما، ولم ننجز هذا العمل بعدُ،

والثاني يتعلق بقانون الآسايش (الأمن الداخلي) الذي وقع عليه رئيس

الإقليم مؤخرا، والعملية بدأت في توحيد هذه القوات، هدفنا هو أنه يجب

أن تكون هناك خطوات مهمة وثابتة من أجل أن يكون هناك توحيد قوي

ودائم ننهي هذا الموضوع ونوحد الإدارات كلها، وقد اتخذنا خطوات

عملية، والعملية هذه قد بدأت وسوف نستمر حتى ننهي هذا الموضوع) .


في شأن التحول الديمقراطي اثبت السيد نيجرفان البارزاني بأنه شخصية

سياسية يلتزم بقواعد اللعبة وحينما انتهت مدة تكليفه برئاسة الحكومة

جرى تسليم المهمات بشكل ديمقراطي سلس ، وفي وقتها هنأ خلفه

الدكتور برهم صالح بقوة وحميمية، ويقول: «نحن على يقين من أننا

سلمنا المسؤولية لأيدٍ أمينة».


إن نقل السلطة بهذه الطريقة السلمية هو من المقومات المطلوبة في

العملية الديمقراطية في اقليم كوردستان ، وإن التداول السلمي

للسلطة يعتبر سابقة في التاريخ العراقي السياسي عموماً .


وفي نفس السياق فإن العملية الديمقراطية في اقليم كوردستان تكتسب

مصداقية اكثر حينما تبدو واضحة المعالم منظومة المعارضة السياسية

الفعالة اعتباراً من اشتراكها في الأنتخابات وإحرازها على عدد مهم من

المقاعد في البرلمان ، وقيامها بتشخيص مكامن الخلل في سيرورة العملية

السياسية للحكومة الكوردية في الأقليم ، وبهذا الصدد يقول نيجرفان

البارزاني : ان المعارضة الكردية مرحب بها في أن تكون بالحكومة أو أن

تبقى خارجها .


لكن برأيي ان المعارضة ينبغي ان تكون خارج الحكومة وهذا الموقع

يكسبها ديناميكية  وفعالية اكثر ، وأمامنا حالة الحكومة العراقية في بغداد

والتي اثبتت الأحداث الى اليوم بأنها عاجزة عن تحقيق أي مكاسب جذرية

للشعب ، باعتبارها اسيرة احكام التوافق والتراضي بين الفرقاء ، وكل

فريق يسعى لتحقيق المكاسب الشخصية والحزبية ، بالمساومة مع الفريق

الأخر ، ولا يوجد بينهم من يفكر بمصلحة الشعب او يشخص معالم الفساد

والرشاوي والسرقات والتزوير ، فهنالك صفقات بين الأطراف وهي

جميعها على حساب الشعب العراقي المسكين ، فلو كان هنالك معارضة

شريفة تفكر بمصلحة الشعب قبل مصلحتها لكانت العملية الديمقراطية في

العراق على اكمل وجه . لكن العملية السياسية العراقية مشلولة لأنها

مبنية على ترضية الفرقاء ، وعلى المقولة الشعبية ( شيلني وأشيلك ).


إن المعارضة الكوردية قد قادت المظاهرات ونبشت ملفات الفساد ،

وجلست مع الحكومة حول طاولة المفاوضات ، واتفق الطرفان على

محاربة الفساد يعتبر من الأمراض المزمنة في دول العالم الثالث ،

والرئيس مسعود البارزاني قد اولى اهمية كبيرة لهذا الأمر ، وكان قد

وضع امام القيادة في الأقليم ضرورة استئصال الفساد ، وهو يرى ان

الطريق الأمثل في مكافحة الفساد هو تطبيق القانون ، ويقول جازماً :


لا احد فوق القانون ، ولا يوجد من المتجاوزين من يكون محصناً ضد

اجراءات التحقيق .


ونعود الى عنوان المقال حيث حيث نجد الأستاذ نيجرفان البارزاني ، في

الراهن ، يتحمل مسؤوليات قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني كنائب

لرئيس الحزب الرئيس مسعود البارزاني ، اي انه يعمل بقوة الشباب في

صفوف الحزب وهو يقدر ويحترم الحرس القديم او ( المحاربين القدماء )

ويستفيد من خبراتهم وتجاربهم ، وهو يرى في الحزب الديمقراطي

الكوردستاني ان يكون معيناً وسنداً للحكومة في القيام بمهامها .


برأيي الشخصي المتواضع فإن الفترة التي كان الأستاذ نيجرفان البارزاني

يرأس الوزارة ، كان الجانب العلماني في النسيج المجتمعي الكوردستاني

اكثر وضوحاً واليوم كما يظهر في الأفق ، فإن تيار الأسلام السياسي يشق

طريقه في المجتمع الكوردستاني ، ولا شك ان هذه الظاهرة قادمة مع رياح

التغيير التي تقع في منطقة الشرق الأوسط وفي الدول العربية بالذات

( مصر سورية تونس ليبيا يمن ) حيث يستثمر التيار الإسلامي لقطف

ثمار ثورات الشباب في هذه الدول ، ونحن نتمنى لأقليم كوردستان ان

تستمر تجربته الديمقراطية على اسس من العلمانية والليبرالية التي تحترم

كل المكونات الدينية والمذهبية والأثنية .


بقي ان اشير الى ان مرحلة الأستاذ نيجرفان البارزاني كانت قد شهدت

تهميش تعسفي للقومية الكلدانية في مسودة دستور اقليم كوردستان حيث

جرى شطب التسمية الكلدانية من مسودة الدستور الكوردساتي لكي يصار

الى تثبيت تسمية سياسية مشوهة وهي من صنع الأحزاب الآشورية في

المنطقة . ونتمنى ان تعاد التسمية الكلدانية الى ما كانت عليه قبل ذلك

الأجراء المجحف بحق الشعب الكلداني وكما هو في دستور العراق

الفيدرالي . ويدفعني الى التفاؤل تصريح الأستاذ نيجرفان البارزاني الى

جريدة الشرق الأوسط اللندنية في قوله :


( ..وهناك فرص كثيرة متوافرة للجميع بأن يعيشوا برفاه وخير، الشيعة

والسنة من العرب والأكراد والتركمان، ومن المسيحيين من الكلدان

والآشوريين والسريان والإيزيديين والصابئة .. ) . فالمسالة واضحة وإن

التلاعب في هذه الأسماء من قبل بعض احزاب شعبنا المسيحي يعتبر

استخفافاً للتاريخ واستهتاراً بالمشاعر القومية للشعب الكلداني .


ونقطة اخيرة اضعها اما الأستاذ نيجرفان البارزاني والدكتور الأستاذ برهم

صالح ، حيث قام المصرف المعروف باسم مصرف الوركاء ، بفتح فروع

له في اقليم كوردستان ، وبعد ذلك عكف هذا المصرف على الأيقاع

بالمواطنين في هذا الأقليم ، حيث استلم الودائع  من الأموال من المواطنين

، وأنا واحد منهم ، وبعد ان اردنا استرجاع تلك لمبالغ تبين ان المصرف

لا يريد إعادتها ، هنالك تفسير واحد للعملية وهي الاحتيال على المواطن

واستغلال الشرعية التي اولتها له حكومة الأقليم بفتح فروع له في مدن

الأقليم ، إني ادعو حكومة الأقليم وقيادته الى التدخل وضمان حقوق

واموال المواطن الكوردستاني ، وأدعو الى صرفها من قبل حكومة الأقليم

وبعد ذلك تقوم الحكومة بتحصيلها من هذا المصرف الذي استغل رخصة

عمله في الأقليم . إننا نتطلع الى اقليم كوردستان ليغدو واحة خضراء

تزدهر بأطياف نسيجها المجتمعي المتعايش بين مكوناته الدينية والعرقية

والمذهبية والسياسية .


حبيب تومي / القوش في 21 /6/ 2011

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى