اولويات البرلمان


نزار حيدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

   يبدو لي، من خلال متابعتي اليومية لتصريحات واحاديث السيد رئيس مجلس النواب العراقي، انه مصمم على تحقيق امرين:

   الاول: ضبط حركة ونشاط البرلمان بما يساهم في دعم مؤسسات الدولة العراقية، وعلى راسها الحكومة.

   ثانيا: التعاون مع بقية شركائه في العملية السياسية لاعادة اللحمة الوطنية للمجتمع العراقي بما يخدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يعتمد التنوع والتعددية والشراكة الحقيقية.

   على صعيد الامر الاول؛ فانه يسعى الى تطبيق قوانين المجلس بما يضمن حضور النواب بشكل قانوني سليم، فلاول مرة، مثلا، بتنا نرى نوابا تحت قبة البرلمان لم يحضروا في جلسات الدورة الفائتة حتى ولا ساعة واحدة، اولئك الذين نعتهم، بتشديد التاء، وقتها في حوار متلفز ومقال تحليلي بانهم لصوص بامتياز.

   ازاء هذا الجهد الهام هناك عدد من شرائج النواب لا يحبذ هذه الطريقة الصارمة في تسجيل الحضور والمحاسبة على الغياب، منهم بعض العمائم مثلا التي تريد ان تتعامل مع الحضور تحت قبة البرلمان على طريقة دروس (الحوزة العلمية) فهو يحضر متى ما كان مزاجه رائقا، و لم يحضر متى ما كان فطوره صباح ذلك اليوم ليس مناسبا في كل المقاييس.

   كما ان قادة الكتل كذلك لا يحبذون الطريقة الصارمة في الحضور، فان بعضهم يرى نفسه فوق البرلمان من دون ان يعلل لنا استقتاله للمشاركة في الانتخابات التشريعية التي انتجت هذا البرلمان، فضلا عن شريحة النواب التي لازالت عوائلها خارج العراق، فهؤلاء يحبذون الحضور بالسيطرة عن بعد، فهو في عمان مثلا او لندن او بيروت او غيرها من عواصم العالم، ومن هناك يحبذ ان يتم تسجيل حضوره، على قاعدة انه ليس المهم حضور جسد النائب وانما المهم ان تحضر روحه ودعواته الكريمة، شريطة ان يجري مرتبه وكل مخصصاته ومنافعه الاجتماعية على (داير مليم).

   انه لمن المخجل حقا اننا لم نشهد لحد الان حضورا كاملا للنواب في اية جلسة من جلسات المجلس، منذ بدء فصله التشريعي ولحد الان، على الرغم من انه تاخر عن الانعقاد مدة عشرة اشهر تقريبا، من دون ان ينسى النواب استلام مرتباتهم وكل مخصصاتهم الشهرية خلال كل تلك الفترة الزمنية.

   ان البرلمان هو اهم مؤسسة في الدولة فاذا ضبط نفسه فسوف ينجح في ضبط بقية مؤسسات الدولة خاصة الحكومة، والعكس هو الصحيح، فاذا كان مجلس النواب منفلتا فكيف سيمارس مهامه التشريعية والرقابية؟.

   ان من الضرورة بمكان ان يساعد النواب، وخاصة زعماء الكتل النيابية، السيد رئيس المجلس على تحقيق هذا الامر، لنرى حضورا كاملا لكل النواب في كل الجلسات، فلا يتخلف عنها احد، الا للضرورة القصوى، ولسبب وجيه وموجه.

   ان الضبط يجب ان يكون على الاصعدة التالية:

   الف: الدوام والحضور.

   باء: الانتباه للمتحدث.

   جيم: الالتزام بجدول الاعمال لكل جلسة.

   دال: الجلوس وعدم الحركة التي تشوش على المتحدث.

   استغرب احيانا من بعض النواب الذين يتعاملون مع جلسات المجلس وكانهم في مقهى او على سرير نومه، يتثائب وقد يغفو، يتكلم خارج السياقات، وعندما ياتي دوره للحديث يعلق على امر لم تناقشه الجلسه، فهو لا يدري ماذا قال زميله الذي سبقه في الحديث، وربما لم يطلع على ورقة عمل الجلسة من اساسه.

   لقد نص قانون مجلس النواب على الكثير من القوانين التي تضبط هذه الامور وان من الواجب على النواب ان يعودوا الى القانون ليلتزموا به، والا فلو ان النواب لم يلتزموا بما قرروه على انفسهم، فكيف يريدون ان يلتزم الاخرون بما يقرره غيرهم عليهم؟ اي بما سيقررونه تحت قبة البرلمان؟.

   ومساهمة مني في رسم اولويات قوانين تنتظر التشريع تحت قبة البرلمان، وددت ان اسجل ما يلي:

   اولا: ان من المهم جدا ان يعمل المجلس على اعادة ثقة الناخب بنوابه، وبرايي، فان بوابة هذه الثقة تتمثل في اعادة النظر بقانون مجلس النواب والمعدل، على حد سواء، خاصة ما يتعلق بالمرتبات والامتيازات والمنافع وما اشبه من العناوين الاخرى.

   وبهذا الصدد اقترح ما يلي:

   تشكيل لجنة خاصة من منظمات المجتمع المدني لتحديد مرتبات كل مسؤولي الدولة من الدرجة الاولى، وهم الرئاسات الثلاث والنواب والوزراء، وعددهم (67) على ما اظن.

   ان قانون المرتبات الساري المفعول لحد الان هو الذي اصدرته ما سمي وقتها بسلطة الائتلاف المؤقتة التي ادارها لعام كامل السيد بول بريمر الحاكم المدني بعيد سقوط الصنم في التاسع من نيسان عالم 2003، فهل يعقل ذلك وقد مر على حل تلك السلطة اكثر من ستة اعوام؟ شهد خلالها العراق الجديد عدة عمليات انتخابية منها عملية التصويت على الدستور؟ فهل يعقل ان قانونا مؤقتا صدر في حينه لاسباب خاصة لازالت تعتبره مؤسسات الدولة العراقية (الدستورية) فوق القانون وفوق الدستور وفوق البرلمان وفوق الحكومة؟.

   لقد الغى البرلمان اكثر ان لم اقل كل قرارات السلطة المذكورة فلماذا لا يعمد الى الغاء هذا القانون كذلك؟ وهو يرى كل هذا التذمر من الشعب العراقي ازاء مرتبات يعتبرها العراقيون استنزافا حقيقيا ومستمرا للميزانية العامة في كل عام؟ فيما يتطرف آخرون فيعتبرونها لصوصية مقنعة ومتسترة بالقانون.

   قد يتساءل البعض عن سبب دعوتي لتشكيل مثل هذه اللجنة من قبل منظمات المجتمع العراقي وليس من قبل مجلس النواب، وهو تساؤل في محله.

   انما قلت ذلك لانني لا ارى بان مجلس النواب جاد في اعادة النظر في قانون المرتبات والمخصصات، كما انه ليس من المعقول ان يبادر النواب الى اعادة النظر في قانون يخصهم في الصميم، فهل يعقل ان يقلل النواب مرتباتهم ومخصصاتهم الشهرية الى النصف مثلا؟ اشك في ذلك.

   لا يعيد النظر في قانون المرتبات الا الشعب العراقي نفسه، ومن يمثله من غير الجالسين تحت قبة البرلمان او في الحكومة، فلقد سمعنا وقرانا كيف ان كل البرامج الانتخابية التي عرضتها الكتل المتنافسة ايام الانتخابات النيابية السابقة، اكدت على هذا الامر واعتبرته من اولوياتها اذا ما فازت بثقة الناخب، الا اننا راينا في نفس الوقت كيف انهم تنصلوا عن كل الوعود المتعلقة بهذا الموضوع، لانه ليس من المعقول انهم سيقللون مرتباتهم باستلامهم اول مرتب، وهو مغري حقا.

   اذا اعتبرنا ان النائب اجير عند المواطن، وهو كذلك، فيجب ان يتم الاتفاق بين الطرفين عند تحديد المرتب، لا ان يستفرد النائب باصدار القرار الذي يحلو له، فيحدد مرتبه ومخصصاته كيف يشاء.

   تذكر كتب التاريخ ومنها كتاب (تاريخ الخلفاء) لجلال الدين السيوطي ما نصه:

   لما بويع ابو بكر اصبح وعلى ساعده ابراد وهو ذاهب الى السوق، فقال عمر: اين تريد؟ قال: الى السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت امر المسلمين؟ قال: فمن اين اطعم عيالي؟ فقال: انطلق يفرض لك ابو عبيدة، فانطلقا الى ابي عبيدة فقال: افرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بافضلهم ولا اكوسهم وكسوة الشتاء والصيف، واذا اخذت شيئا رددته واخذت غيره، ففرضا له كل يوم نصف شاة وما كساه في الراس والبطن.

   واخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف ابو بكر فرضوا له الفين، فقال: زيدوني فان لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة.

   وهناك روايات اخرى تجمع على ان الذي عين له راتبا هو امين بيت المال ابو عبيدة بن الجراح، وان المسلمين كانوا ينظرون الى (الخليفة) على انه اجير عندهم.

   ولشد ما يثير دهشتي مفارقة عجيبة لا تحدث الا في البلدان المتخلفة، وهي ان المسؤول يجب ان يكون صاحب اعلى مرتب في البلد كلها، لماذا؟ لا ادري؟.

   هذه المفارقة لا تجدها في الولايات المتحدة مثلا او اليابان او اية دولة اخرى تحترم حقوق مواطنيها على اساس الانتاج وليس على اساس الموقع، فقد يصل دخل عالم من العلماء او استاذ في الجامعة او باحث في مركز مرموق اضعاف ما يتقاضاه الرئيس الاميركي، فما الضير في ذلك؟.

   ومع احترامي لكل اعضاء مجلس النواب، فلقد حجزوا مقاعدهم تحت قبة البرلمان بارادة الناخب وصوته الحر، الا ان بعضهم لا يستحق ان يتقاضى دانقا واحدا كمرتب سنوي، فاذا اردنا ان ندرجه في قانون سلم المرتبات فسنراه لا يستحق شيئا يذكر، فلا شهادته ولا تاريخه النضالي ولا كفاءته ولا حضوره ولا خبرته تؤهله حسب هذا القانون ان يتسلم شيئا، الا اللهم قانون مجلس النواب الذي اسعفه فاهله لاستلام كل هذه الاموال الطائلة.

   من جانب آخر، فان المجلس مسؤول عن تطبيق قانون من اين لك هذا، لملاحقة المال العام الذي سرقه مسؤولون سابقون وحاليون بعنوان المنافع العامة وما اشبه.

   بهذا الصدد كذلك ادعو المجلس الى ان يوافق على تشكيل لجنة من منظمات المجتمع المدني مهمتها ملاحقة المال العام، فالمسؤولون كذلك لا ننتظر منهم فعل مثل هذا فكيف يكشف عن المال العام من هو متورط بتبديده وتبذيره واحيانا سرقته؟.

   عندما سالت وزيرا فاشلا في الحكومة السابقة عن سر كل هذه اللصوصية في مؤسسات الدولة، وحجم الفساد المالي والاداري فيها، اجابني مبررا؛

   انت تعرف ان كل دول العالم فيها سرقات ولصوصية وليس العراق وحده، حتى الولايات المتحدة.

   لم انكر اطلاعه العميق على حال بلاد العالم، ولذلك لم ياخذ من تجربة الدول المتقدمة الا هذه، اجبته:

   نعم، فان استشهادك صحيح مئة في المئة، الا ان الفرق بين اللصوصية في العراق وفي غيره من دول العالم المتحضر هو انهم يسرقون بانصاف اما انتم فتسرقون بلا انصاف.

   في هذه الاثناء استحضرتني طرفة قد تدلل على ذلك، تقول الطرفة ان الرئيس الاميركي باراك اوباما راى شحاذا في احد شوارع بغداد خلال احدى زياراته الى العراق فاستجدى منه، وعندما عاد الى واشنطن قرر الرئيس ان يبعث مليون دولار الى ذلك الشحاذ، فاتصل برئيس الجمهورية واخبره عن نيته في ذلك، قائلا له: سابعث مليون دولارا ارجو ايصالها الى الشحاذ الفلاني الذي يجلس على الرصيف الفلاني في الشارع الفلاني في بغداد.

   عندما تسلم الرئيس المبلغ اتصل برئيس الوزراء قائلا له: اتمنى عليك ايصال مبلغ النصف مليون دولار الى الشحاذ المعني، تسلمها الاخير واتصل بمحافظ بغداد قائلا له: اتمنى عليك ايصال مبلغ مئة الف دولار الى الشحاذ المقصود، فاتصل المحافظ برئيس الناحية طالبا منه ايصال مبلغ الالف دولار الى الشحاذ.

   عندها، ركب الاخير سيارته وذهب الى الشحاذ وقال له: ان الرئيس الاميركي باراك اوباما يسلم عليك ويقول لك (الله يعطيك).

   مع الاعتذار الشديد سلفا لكل الشخوص (المحترمة) التي ورد ذكرها في الطرفة، انما للضرورة (الطرفية) فقط.

   اللجنة التي اقترحها تتشكل من منظمات المجتمع المدني ستدقق في اموال المسؤولين، واقترح عليها ان تتسامح مع مبلغ مليون دولار اموال منقولة ومليون آخر غير منقولة كحد اعلى لما يمتلكه اعلى مسؤول في الدولة، والباقي هي سرقات منظمة ومقننة يجب اعادتها الى خزينة الدولة، على الرغم من ان العراقيين يعرفون جيدا بان بعض المسؤولين السابقين والحاليين عادوا الى العراق بعد سقوط الصنم وهم لم يملكوا ولا بارة، بل ان بعضهم كان يعيش على اعانات الدولة المضيفة له ولعائلته، فيما اعتاش بعضهم على (الحقوق الشرعية) مدة من الزمن وربما على اجور (العبادات) ولكن مع ذلك فسيتسامح العراقيونن بعد اذنهم، مع مبلغ المليون اما الفائض من المبلغ فلا بد من الكشف عنه وضبطه واعادته الى خزينة الدولة.

   ثانيا: تشريع قانون ينتشل الطبقة الفقيرة والمعدومة من محنتها، فلقد اتسعت الفجوة الاقتصادية بين طبقات المجتمع العراقي، فليس من الانصاف ان يتسلم المسؤول في الدولة مرتبا شهريا يصل الى عشرات الالاف من الدولارات، فيما لا تحصل العوائل الفقيرة المشمولة بنظام الحماية الاجتماعية الا على عشرات الدولارات شهريا.

   يجب ان لا يبقى في العراق طفل يبحث عما يسد رمقه في حاويات القمامة، وان لا تبقى ام تبحث عن لقمة لاطفالها في المزابل، اوليس من المعيب والمخجل، وربما من الجريمة بمكان، ان تكون ميزانية العراق لهذا العام قرابة (80) مليار دولار ثم نعلم ان في ضواحي العاصمة بغداد وحدها نصف مليون مواطن لا يجدون لقمة عيشهم الا في المزابل؟.

   ايها النواب، اين غيرتكم العربية؟ الدينية؟ الانسانية؟ الوطنية؟ ام لم يبق منها شئ يذكر؟ وصدق امير المؤمنين عليه السلام عندما قال {ما رايت نعمة موفورة الا وبجانبها حق مضيع} فالى جانب كل نائب يتمتع بمرتبه الشهري الضخم، طفل يموت من الجوع او امراة تبحث عما يسد رمقها في القمامة وشيخ كبير يموت بسبب المرض او العوز، وعائلة ايتام تقضي يومها بليله في العراء لعدم امتلاكها سقفا يأويها.

   ان العراق يحتاج الان وبشكل فوري الى استصدار قانون طوارئ ولكن ليس لقمع المعارضة او لتكميم الافواه او لمصادرة حرية التعبير او لاغلاق صحف او محطات تلفزة معينة، وانما من اجل انقاذ الطبقة المسحوقة من وضعها المعيشي المتردي.

   سوف لن يبارك الله تعالى باموالكم اذا ظل طفل فقير لا يجد ما يسد به رمقه الا في المزابل، وتذكروا بان {الحكم يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم} وهل هناك ظلم اعظم من ظلم المسؤولين للفقراء؟.

   كيف يهنأ مسؤول بمرتبه الضخم وهو يرى اما تبحث عن لقمة عيشها في قمامة؟.

   يجب ان يكون هذا الموضوع اولوية الاولويات في جدول عمل مجلس النواب، فكما قضى لحد الان قرابة عام كامل تقريبا يوزع الحصص والمناصب في ما بين اعضائه وكانها غنيمة استحوذ عليها، عليه ان يقضي المدة الزمنية المطلوبة لحل هذا الامر واستصدار ما يحتاج من قوانين فورية، فالطبقية الاقتصادية المهولة بين فئات المجتمع، اي مجتمع، والتي سببها الجشع الذي يسيطر على الدولة التي تتحول به الى غول ضخم يبتلع حقوق الفقراء، هي عادة اول واهم اسباب الانفجارات الثورية، وصدق ابو ذر الغفاري عندما قال (عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه) ولقد اشار الى هذه الحقيقة الثابتة الرئيس باراك اوباما في خطاب التنصيب كاهم سبب يقف وراء الانهيار الاقتصادي الذي اطاح بعروش المال والاعمال في اميركا واوربا وغيرهما من قارات العالم.

   ايها النواب: احذروا الجشع لتحذروا الطبقية لتحذروا السقوط بثورة الجياع، واذا نسيتم مصير الطاغية الذليل اذ مر عليه زمن ليس بالقصير، فتذكروا ديكتاتور تونس فسقوطه المذل لا زال (حارا) و (طريا).

   ادعو مجلس النواب الى تشريع قانون طوارئ لصالح هذه الشريحة الاجتماعية، قبل ان تلحق كل من يظن انه محمي بالحصانة البرلمانية والحكومية او بالمحاصصة، تلحقه بطاغوت تونس.

   20 كانون الثاني 2011 

عن الكاتب

عدد المقالات : 21

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى