اليمين المتطرف


د. تارا ابراهيم
د. تارا ابراهيم

          

       

خلال مراقبتي للمجتمع  الفرنسي منذ أكثر من عشرسنوات، لاحظت الكثيرمن التغييرات التي طرأت عليه ..لا أعرف الى أي مدى يمكن أن نعتبر هذه التغييرات إيجابية ام سلبية ولكن الذي أعرفه انها نتيجة طبيعية لما يستجد من أحداث محلية ودولية تؤثر على سياسة فرنسا الداخلية والخارجية بل   وحتى على نفسية المواطن الفرنسي وحياته والمبادىء التي يتبناها.. وفي كل الأحوال مشاهداتي لاتعدو كونها امورا أراها والمسها كمواطنة فرنسية او أجنبية متأقلمة فيه.

قبل أسابيع ولدى تجوالي في شارع باريسي وعبوري الى الجانب الاخرمنه، لمحت امرأة محجبة من رأسها الى أخمص قدميها لا ينقصها إلا الخمار، كانت تدفع أمامها عربة طفل صغير، وفي الوقت نفسه كان يعبر الشارع رجل في منتصف العمر، لاحظت أن نظراته كانت تنم عن حقد وازدراء، فقد ظل يحدق فيها الى ان ابتعدت.. إلا أن المرأة شعرت ربما بالارباك أو الخوف وصرخت من بعيد ” هل لديك مشكلة أيها السيد ؟” فرد عليها بحدة ، نعم   لدي مشكلة معك ومع كل أمرأة مثلك وأضاف وهو يبتعد : أيتها العميلة القذرة !! “. لاول مرة يقع أمر كهذا أمامي ، وعلى الرغم من ان المجتمع الباريسي متعدد الجنسيات والاعراق والأديان ولكنه مجتمع يحترم كل مكوناته كما هو معروف عنه، بالتعايش السلمي فيما بينهم .

وفي موقف آخر، أثناء غداء عمل مع أستاذة فرنسية من أصل جزائري .. قالت لي ” لقد بدأت البحث عن فرصة عمل في بلد آخر” قلت لها متسائلة :”   ولكن لديك عمل جيد هنا ؟ “، قالت ” نعم، ولكن يجب ان اهيىء نفسي لعام 2017 ربما يتبوأ الحزب اليميني الحكم ، عندها سيقوم بتصفيتنا نحن الأجانب ويخيرنا بين جنسيتنا الأم أوالجنسية الفرنسية..وانا في الحقيقة لا أود ان أتخلى عن جنسيتي الجزائرية …” تفكير غريب، لم يخطر في بالي يوما ما هذا النوع من التخيلات !!.   

ولكن الواقع الذي يجب الاعتراف به هو ان الحزب اليميني المتطرف اصبح يكسب الناس شيئا فشيئا وخصوصا الشباب منهم، أمرمقلق ولكنه نتيجة طبيعية لما نسمعه من أخبار عن سياسة الحكومة الفرنسية في إدارة اقتصاد البلاد وبالخصوص سياسة التقشف التي انتهجتها منذ بداية عملها، وكذلك عدم الاستقرارالسياسي الذي دفع رئيس الجمهورية الى حل الحكومة مرتين في عام واحد وتعيين وزراء جدد فيها، على الرغم من ان هذا الشيء يبدو في غاية الديمقراطية إلا ان بعض من المنتمين الى الحزب الاشتراكي لم يعودوا مؤمنين بالحزب ومبادئه..وكما قال وزير الاقتصاد الاشتراكي عندما قدم استقالته ” إن الحكومة ستغرق السفينة التي تقودها !! “.

 ويبدو ان الشبان الفرنسيين الذين تتراوح اعمارهم بين الـ “18 و24” هم أكثر إنجذابا الى هذا الحزب الذي حقق نجاحا كبيرا في انتخابات البرلمان الأوربي، الامر الذي صدم الشعب الفرنسي .. ولكن من هم هؤلاء الشباب ؟ .. إنهم شباب لايشعرون بالارتياح من العولمة التي يقف ضدها الحزب، وهم غالبا ينتمون الى الطبقة العاملة ولديهم القليل من المؤهلات ولايجيدون إلا اللغة الفرنسية وهم أكثر استقطابا من قبل الحزب اليميني ولأفكاره عن غيرهم ، إن أحد اهداف وتوجهات الحزب ان يتم تخصيص المعونات الاجتماعية للفرنسيين فقط ، وهذا يعني الفرنسيين الأصلاء وليس فرنسيين     مجنسين من اصول اجنبية .

والذي يجذب هؤلاء الشباب أكثر هي رئيسة الحزب التي تولت ادارته بعد والدها الذي كان يعتبر كلاسيكيا بعض الشيء بالنسبة لهذه الشريحة ، اما ابنته فهي شابة تمتهن المحاماة وحالتها الاجتماعية ” مطلقة مرتين ” وعلى رأس عائلة متعددة الافراد، وهي تمثل بالنسبة للشباب أنموذجا للفتاة العصرية الليبرالية، وتقيم إيجابيا من قبلهم وهي تسعى الى توفيرالعمل بشكل خاص للفرنسيين حصرا، مما يدفع الشباب الذكورمنهم الى هذا الحزب اكثر من النساء. والامر الاخر ان هؤلاء الشباب بدأوا الدخول الى ميدان العمل الذي لايستطيعون إيجاده، بسبب الازمة الاقتصادية، لذا فهم يأملون منه خيرا لحل هذه المعضلة .

 قبل فترة أوقف الحزب عضوية احد اعضائه الناشطين، شاب في مقتبل العمر يعمل مستشارا في بلدية تقع غرب العاصمة، والسبب يعود الى         إعتناقه الإسلام مؤخرا، أمرغير قابل للتسامح من قبل الحزب الذي يعرف بمعاداته الشديدة لهذا الدين، ويعتبرأن المسيحية فقط يجب ان تكون ديانة الفرنسيين والاوربيين .

بعيدا عن كل الابعاد الاقتصادية والاجتماعية وحتى العرقية، فتصويت الشباب للحزب اليميني هو احد اعراض الازمة الحضارية، ففي مجتمع معولم ، أصبح هؤلاء يفتقدون الى القيم التي بدأت تنهار شيئا فشيئا، كزواج المثليين الذي قلب المجتمع الفرنسي رأسا على عقب، ومشكلة الهوية التي تراودهم     والتي باتت تتلاشى بتقادم الزمن . هذه الازمات هي من الأمور التي تجيد “مارين لوبين” رئيسة الحزب اليميني المتطرف إستغلالها والتطرق إليها من خلال التحدث الدائم عن تاريخ وأمجاد فرنسا القومية، والتهديدات التي تواجهها كالعولمة، اومنح حق التصويت للأجانب الذي تنوي الحكومة الحالية المضي قدما لإقراره ، وهو أمر يعتبره هذا الحزب جريمة لا تغتفر !! .

د. تارا إبراهيم – باريس

عن الكاتب

عدد المقالات : 87

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى