النجف ترفض محاولات الهيمنة الإيرانية وتفضل هويتها العراقية


نادي بابل

السيستاني غضب من فتح مكتب للشهرودي.. وطلب من أتباعه عدم لقاء ممثليه

عراقيون يضعون نسخا من القرآن الكريم على رؤوسهم بعد الصلاة داخل مسجد مرقد الإمام علي في النجف

النجف: ليز سلاي «واشنطن بوست» –

عندما أعلن رجل دين إيراني بارز الشهر الماضي أنه كان يخطط للانتقال إلى مدينة النجف الشيعية المقدسة لفتح مكتب هناك، عمت حالة من الغضب الشديد أرجاء المدينة، وهو ما يعطي لمحة عن مستقبل العلاقات المعقدة بين البلدين.

ومع انسحاب القوات الأميركية من العراق، ينبغي الوضع في الاعتبار أن إيران كانت تعد أحد أكثر المستفيدين من الوجود الأميركي في العراق والذي دام لنحو تسع سنوات. وبالنظر إلى أن إيران قد عانت كثيرا خلال الحرب التي استمرت ثماني سنوات في الثمانينات من القرن الماضي مع العراق الذي تهيمن عليه السنة، فإنه يمكن لإيران الآن الاعتماد بشكل عام على توثيق علاقاتها مع الحكومة الشيعية المجاورة.

ومع ذلك، يعد الشيعة العراقيون هم أكثر المستفيدين، لأنهم صعدوا إلى السلطة. وعلى الرغم من أن الشيعة العراقيين يرحبون على نطاق واسع برحيل الأميركيين، فيبدو أنهم غير مستعدين لكي يستبدلوا أحد أشكال الهيمنة الأجنبية بشكل آخر من أشكال الهيمنة، على الأقل من إيران، كما يقولون.

وكان هذا واضحا في مدينة النجف أكثر من أي مكان آخر، حيث تعد هذه المدينة هي العاصمة الروحية للإسلام الشيعي، وموقع أكثر الأضرحة قدسية، وقاعدة لشكل جديد من أشكال النزعة القومية العراقية، وأحد الأماكن التي تؤكد على العقائد والطقوس الدينية الشيعية، لكنها ما زالت تحتفظ بالهوية العراقية المتميزة.

ويقول نعمة العبادي، وهو مدير مركز العراق للبحوث والدراسات الذي يتخذ من مدينة النجف مقرا له «هل تعرف من يكره إيران أكثر من أي شخص آخر في العراق؟.. إنها النجف»، مرددا بذلك الرأي المنتشر على نطاق واسع في شوارع المدينة. وأضاف العبادي «الشيعة في إيران هم إيرانيون في المقام الأول، وهي يعتقدون أنهم أفضل من العرب، لكن أهل النجف يعتقدون أنهم هم الشيعة الأصليون وأن الإيرانيين ما هم إلا محاكون لهم».

وتحت إشراف المرجع الديني آية الله علي السيستاني، أصبحت السلطة الدينية في النجف أو ما يسمى بالمرجعية بمثابة منارة لاعتدال النظام الشيعي الذي نشأ حديثا، حيث تحركت تلك المرجعية بقوة للتأكيد على الفكر الديني الشيعي المعتدل، والذي بموجبه يقتصر دور رجال الدين على مجرد تقديم المشورة بدلا من المشاركة في العملية السياسية، كما هو الوضع في إيران. ولذلك، فإن ما تم الإعلان عنه الشهر الماضي من أن آية الله محمود الهاشمي الشهرودي، وهو حليف بارز للمرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي وأحد الإيرانيين المؤيدين لنظرية «ولاية الفقيه» في الحكم، قد قوبل بصيحات الاستياء والاستهجان، لم يكن فقط في النجف، ولكن خارجها أيضا.

ويبدو أن مؤهلات وقدرات الشهرودي كرئيس للسلطة القضائية في إيران حتى العام الماضي، علاوة على توقيت الإعلان قبيل أسابيع من انسحاب القوات الأميركية من العراق، قد جعل الأمر يبدو بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الخطوة تمثل محاولة من جانب إيران لتصعيد دورها في العراق بعد تراجع النفوذ الأميركي، على حد قول باباك رحيمي، وهو أستاذ الدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو.

وأضاف رحيمي أنه على الرغم من أن الشهرودي قد ولد في العراق، فإنه قد أمضى سنوات عديدة في إيران و«ينظر إليه الكثير من العراقيين على أنه يحمل أجندة إيرانية. ويعد الشهرودي جزءا من المؤسسة الإيرانية، ويبدو أن هذه استراتيجية للتلاعب بشيعة العراق».

وكانت الأزقة الضيقة لهذه المدينة العريقة تضج بالتكهنات بأن إيران تأمل في تجهيز الشهرودي ليكون الخليفة المحتمل للسيستاني الذي تخطى الثمانين من عمره والذي يعتبر بمثابة السلطة الدينية الرئيسية للشيعة في مختلف أنحاء العالم.

وتعتبر تصريحات السيستاني مقدسة عن أي شيء تقريبا، بدءا من الأشخاص الذين كان يتعين التصويت لهم في أول انتخابات ديمقراطية يشهدها العراق منذ نحو ست سنوات، وما إذا كان المذهب الشيعي يسمح بتناول هامبورغر في «ماكدونالد» أم لا (قال السيستاني، نعم ولكن إذا كان مالك المحل مسلما).

لكن وجود مكتب للشاهرودي في النجف يعني أنه سيكون هناك منبر آخر يحمل وجهات نظر مختلفة، وأنه سيكون قادرا على تعليم وتوزيع المنح الدراسية على الطلاب المتدينين الذين جاءوا إلى المدينة بأعداد كبيرة للدراسة في الحوزات المقدسة، وربما غرس نفس مبادئ الحكم السائدة في إيران في مدينة النجف.

وثمة تقارير بأن السيستاني يشعر بالغضب، وأنه أصدر تعليماته لأتباعه بعدم لقاء أي من ممثلي الشهرودي. وبعدما رفض السيستاني إرسال ممثل إلى افتتاح المكتب، وقبل وصول آية الله من إيران، نأى رجال الدين في النجف بأنفسهم بعيدا عن الشهرودي، باستثناء أحد الطلاب الذي كان يرتدي عمامة بيضاء ورفض الكشف عن اسمه بسبب حساسية الموضوع.

ويشير رد فعل أهل النجف على تلك التصريحات إلى الصعوبة التي ستواجهها إيران إذا ما حاولت ملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب القوات الأميركية من العراق، على الرغم من المخاوف الأميركية والعراقية من أنها ستقوم بذلك. وقال العبادي «سوف يضع الإيرانيون أقدامهم في كل شيء عراقي إذا ما سمح لهم العراقيون بذلك، في الدين وفي السياسة في كل شيء، لكننا لن نتركهم يفعلوا ما يحلو لهم، لا سيما هنا في النجف».

وقال فرحان أبو شيش (57 عاما)، وهو رجل أعمال وأحد أولئك الذين حققوا نجاحا اقتصاديا كبيرا نتيجة للنهضة التي شهدتها النجف منذ وصل الأميركيون «هذا مستحيل، فلن يقع العراقيون أبدا تحت تأثير الإيرانيين أو العرب».

وفي عام 2003، كان أبو شيش يملك أحد الفنادق الموحشة في المدينة القديمة، وكان يعلق عليه لافتة باللغة الإنجليزية مكتوبا عليها «بريس أوتيل» أملا في استدراج النزلاء الأميركيين. وقد تم تدمير الفندق في غارة جوية أميركية في عام 2004، لكنه قام بإعادة بنائه من جديد، واستهدف الحجاج الإيرانيين الذين كانوا يتدفقون إلى النجف بمعدل 20.000 شخص في اليوم خلال السنوات الأخيرة للصلاة في ضريح الإمام علي. ويفتخر أبو شيش بأن نسبة إشغال الفندق تصل إلى 100 في المائة على مدار العام، ويقوم الآن ببناء ثلاثة فنادق أخرى. وتعد تركيا هي أكبر مستثمر في مدينة النجف، ويرفض رجال الأعمال المحليون التعامل مع البضائع الإيرانية، مفضلين القيام بأعمال تجارية مع تركيا فضلا عن غيرها من الدول الآسيوية والأوروبية، على حد قول أبو شيش.

ووصف أبو شيش الزيارة التي قام بها وزير بالحكومة الإيرانية في فصل الصيف، والتي ناشد خلالها جمعا من رجال الأعمال في النجف إنفاق المزيد من الأرباح التي يحصلون عليها من الحجاج الإيرانيين على شراء المنتجات الإيرانية، بأنها كانت دون جدوى. وقال أبو شيش «قلنا له، بصراحة، ليس لديك ما نحتاجه، وهناك مشكلة مع السلع الإيرانية».

عن الكاتب

عدد المقالات : 7499

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى