اللحاق بالشمس


سهى بطرس قوجا
سهى بطرس قوجا

يأخذنا التفكير بعمق الأمور والأسباب علنْا نصل إلى مكنون النتيجة أو السبب الذي دفعها بهذا الاتجاه المعاكس والمغاير لها ولكن مثلما بدأنا هكذا انتهينا ولم ينتابنا غير الحيرة والضياع والسقوط في دوامة كل ما هو غامض! لا نعرف ….. هل هو القدر أم هو عدم تقدير وتقييم لما لكل ما في الحياة ؟ أم هي لعبة لم يعرف الإنسان إتقانها ولم يدرك قوانينها؟!

محيرة هي الحياة والإنسان محتار فيها وهو الآخر محير! منظر غروب الشمس ساحر يعكس ببريقه على وجه الماء ويجعلها تتلون بلون أحمر ممزوج بالسواد، مما يجعل السماء تغار وتريد هي الأخرى أن تتحلى بأبهى حلة … تنظر يمينا تجد طيور النورس تحلق فوق القارب القديم القريب من الشاطئ بعد أن شبعت من السمك الهائم في المياه .. تنظر شمالا تلمح طريقا ضيقا مُحاذي للكوخ القديم والذي شهد الكثير من الحكايات التي كانت أولها بسمة وآخرها دمعة .. ذكريات كثيرة ما زالت تنبض وتحيا في نفس المكان والإنسان بينها مسافر.

  أنك تستطيع أن تتنفس أنسامها وتبحث بين أروقتها… كل شيءٍ ما زال على حاله ولكن ذلك الشيء ما زال يلملم ما تبقى من اشلاء افكاره وكذبة أيامه … ما زال في مكانه واقفا وكاتما لكلماته غير آبه إلا بنفسه. نعم …. هكذا قدر لمعظم الأشياء أن تبقى معلقة في الفراغ الذي يُفرض بشدة ..

 الشاطئ ما زال يحمل الكثير من الحكايات التي تختبئ في جوفه .. العين لمحت فتاة تسير بوحدتها حافية القدمين على شاطئ البحيرة وبيدين متشابكتين خلف ظهرها، تسير وهي تضرب حبات الرمل بقدميها، إلى أن اصبحت قريبة من الجسر القديم الممتد بين القوارب التي تقطن الشاطئ .. مضت بخطواتها عليه وأتكأت بمرفقيها على سوره الخشبي وبوجه حزين مالت للشمس التي الأفق البعيد يبتلعها ويغيبها عن نظرها … وكأنها تود أن تسألها شيء أو تودّ اللحاق بها من أجل أشياء في نفسها … ربما فكل شيء واردّ في الذات التي تريد أن تهرب من وحدتها والتي تعيش في نفسها من أجل أخرى تتنفسها… أو ربما قد يكون الخذلان والفقدان من يأخذ الروح من الجسد ويجعلها تغرق في التمنيات … أو هو الفراغ الذي تشبعت منه النفس حتى عاشت الملل …. أو قد يكون السكون إلى النفس وما فيها!

وجه ذابل تسنده يدين ناعمتين وعيون كحلها الكسل وشفاه تدندن كلمات أغنية قديمة من الزمن التي كانت فيه الروح ترفرف كالفراش على الزهر … أفكار تحضر ومخيلة تأتي بالأحلام وانتظار يعقبه انتظار آخر ودقائق تهرب من العمر ولا من شيءٍ يبشر بالقادم!  إلى أن أسدل الظلام بستاره على الشمس وحل محلها ليضيف سحرًا لا يشبهه آخر … النجوم في السماء تتلألأ كأحجار الألماس من بهجة اللقاء وترسل بريقا لتلك العيون الحائرة  ليزيدها لمعة ويجعلها تقطر كتلك القطرات الندية التي تسحب نفسها برقة من على أوراق الورد وتسقط على الأرض لتلتحم وتصبح أكبر وأكثف وتبث في الحياة طاقة لا متناهية.  

كل شيءٍ كان قبل الشروق وكل شيءٍ في طريقه الى التلاشى مع الغروب وكأنه لم يكن! هنالك أشياء تريد الغبار أن يعتليها وأخرى تريد أن تنفضه عنها .. صوت الماء وهو يضرب بقوة على الاحجار القريبة من الشاطئ يدوي في الرأس وكأنه يريد أن يُلقي النفس في غيبوبة هي لا تريدها … أنها تريد أن تنفك من قيودها وتتحرر. ترغب في أن تنفك من أسرها وتعيش في الحياة من أجل أن تحيا لا من أجل أن تأسر وتصبح اسيرة لعقول صغيرة لا تفقه شيء من الإنسانية ولا تعلم معنى الاتعاظ. أنها ترغب أن تنطلق لتقول للحياة ما أجمل الحرية ولكن ما فيها يمنعها .. ما فيها يقيدها .. ما فيها يؤلمها .. ما فيها يجعلها في ركود .. هناك شيء في الداخل يشدها إلى عمق لا تعرف كيف تتجاوزه أو بالأحرى تعرف ولكن ينقصها البعض من الجرأة والخطوة والقرار الصائب.   

ثمة خيار واحد أمامها لا غير وهو أن تعيد حساباتها من جديد … حسابات امرأة لم تتقن فن اللعب ولم تعرف كيف تخلص نفسها من دوامة وجدت نفسها فيها. أو أن تدفع ضريبة ردة الفعل المتناقض الذي الآخر كان يناقض نفسه فيها! نعم .. أحيانًا كثيرة تشعر أنك قادم من اللاشيء وتريد ذلك الشيء، هكذا هو ذلك الآخر ولكن ليس هنالك من قدر ينذر بقدومه بل هي النفس من تضحك على الجسد وتجعله متبوعًا لها تحت ظلال كلمات تستلقي على أرجوحة الأيام الراحلة.

سهى بطرس قوجا

عن الكاتب

عدد المقالات : 62

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى