العملية السياسية في العراق الى أين ?


نادي بابل

 صباح الاحد الموافق 18-12-2011 كان يوماَ متميزاَ استيقض فيه الشعب العراقي على سماعه أنباء مغادرة آخر بقايا القوات الامريكية للاراضي العراقية بشكل نهائي  , بعد تسعة أعوام من الاحتلال والفوضى والاضطراب فعم الفرح والابتهاج  كل مدن العراق, وفي الوقت الذي كان يتطلع ابناء شعبنا في الظروف الجديدة بعد الانسحاب , الى مزيد من التفاهم والتعاون بين القوى السياسية العراقية المهيمنة على السلطة السياسية وانفتاحها على كل القوى الوطنية والديمقراطية من اجل العمل على بناء العراق الديمقراطي الجديد  . لكنه وبشكل مفاجئ وغير متوقع فقد تبددت كل الآمال حيث سرعان ما اصاب ابناء شعبنا الاحباط واليأس وتعرضوا لصدمة قوية لم يكن يتوقعونها وذلك نتيجة تفجرالصراعات بين الكتل المهيمنة على السلطة بهذه السرعة واتخاذها منحى خطير و اصابهم الخوف من قادم الايام , لان شعبنا يدرك تماماَ ان نتائج هذا الصراع  ستنعكس سلباَ على امن المواطن و مستقبل الوطن .

القرارات الارتجالية التي اتخذت زادت من خطورة تفجر الخلافات :

القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء والتي اعلن عنها من خلال وسائل الاعلام كانت غير متوقعه ونزلت كالصاعقة وشكلت صدمة كبيرة لابناء شعبنا مما قابلها قرارات واجراءات مقابلة كرد فعل من القائمة العراقية , وهذا ما فاجئ جميع العراقيين ودفعهم للتساؤل ما هي الاسباب التي دفعت برئيس الوزراء لتفجير الصراع بهذه السرعة ؟

1- القاء القبض على بعض من حماية نائب رئيس الجمهورية , وبث اعترافاتهم من خلال وسائل الاعلام  اعقبه مؤتمر صحفي لوزارة الداخلية اعلن فيه صدور مذكرة من الهيئة القضائية بالقاءالقبض على  طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية .

– رد القائمة العراقية بتعليق حضورها اجتماعات مجلس النواب , ثم تعليق حضور وزرائها في اجتماعات مجلس الوزراء .

– طلب من رئيس الوزراء الى البرلمان بحجب الثقه عن نائبه صالح المطلك , على ضوء تصريحات أدلى بها لشبكة ( CNN ) واصفاَ المالكي بأنه دكتاتور أسوء من صدام حسين .

ان هذه  القرارات والاجراءات رغم انها قد فاجئت العراقيين , لكنها فجرت الصراع بين طرفي النزاع واتخذ ابعاد ليس على صعيد تبادل الاتهامات على وسائل الاعلام فحسب وانما اتخذ ابعاد خطيرة ستعرض البلد الى منزلق خطير. ما اكدته هذه الازمة على أولاَ تغييب العقل والحكمة , وثانياَ انهم قد ادخلوا الملف الامني في صراعهم السياسي من اجل الاستحواذ والتفرد والهيمنة , رغم ان الصراع السياسي وارد ارتباطاَ بالمصالح والتوجهات , لكن عندما يدخل فيه الملف الامني كوسيلة للصراع يتحول الى اسقاط سياسي هذا اولاَ وثانياَ يتخذ الصراع منحى عنفي بدلاَ من المنحى الطبيعي السلمي , بهذا يكون المتضرر منه الشعب والوطن .

ماهي دلالات ادخال الملف الامني في الصراع السياسي  :

ان السلطة التنفيذية والبرلمان وحتى القضاء يتحملون مسؤولية , في ابقاء الملف الامني يستخدم كوسيلة ضغط سياسي من قبل الطرف القوي في الصراع السياسي  وما يؤكد صحة ذلك هو :

1-استخدام الملف الامني في الصراع السياسي مع التيار الصدري في قضية مقتل عبد المجيد الخوئي ويستخدم الآن مع القائمة العراقية من اجل المساومات السياسية وليس من اجل تطبيق القانون  , اين كانت هذه الملفات طيلة هذه السنيين؟ لماذا يتم فتحها الآن و بعد يوم من انسحاب القوات الامريكية ؟ ومن المسؤول عن تأجيل تقديم هكذا ملفات خطيرة الى القضاء؟ .

2- ما هو مصير الملفات الاخرى , ملفات اغتيال السياسيين العراقيين , ملفات الارهاب الاخرى وملفات الفساد وملفات انتهاكات حقوق الانسان متى يتم النظر فيها . هل ينتظر اظهار بعضخها في صراع سياسي مع طرف آخر ؟ ما هو دور القضاء لماذا لم تعلن تلك الجرائم في وقتها ولماذا توظف في الصراع السياسي ؟ ما يؤكده العرف القانوني انه من يعرف بالجريمة التي يتضمنها الملف الامني وسكت عن كشفها طيلة هذه السنين ولم يعلم القضاء في حينها أنه بلا شك يعتبر له ضلع فيها اي مشارك في الجريمة .

3- هذا ان دل على شيئ وانما يدل على غياب القانون وغياب الدور الرقابي من قبل مجلس النواب على الملف الامني ويؤكد على عدم استقلال القضاء . وهذا مما يدفع المتصارعون على السلطة والنفوذ في استخدام الملف الامني في صراعهم لاسقاط الطرف المقابل .

4- بالعودة الى الاعمال الاجرامية التي وقعت في يوم الخميس الموافق 22-12-2011 في بغداد حيث استشهد جراء هذه الاعمال الاجرامية اكثر من 70 مواطن بريئ واكثر من 200 جريح . ما هو سبب توقيت هذه العمليات الاجرامية في وقت تفجر الازمة الخطيرة , وما هي الاطراف المستفادة من هذه التفجيرات, ومن يقف ورائها . ان كانت الاطراف المتصارعه هي ليس طرف في هذه التفجيرات . اذاَ يبرز هنا قصور في دور الاجهزة الامنية والعسكرية في ضبطها للملف الامني وضعف قدرتها في حفظ الامن والاستقرار و وعدم تمكنها من القضاء على الارهاب ؟ وبهذا على القضاء ان يقول كلمته حول عجز الاجهزة الامنية والعسكرية وعدم كفائتها في ضبط الامن وحماية المواطن هذا اولاَ وثانياَ ان كان الملف الامني هو ملف سياسي , فلا يجوز توظيف الملف الامني لاسباب سياسية سواء اسقاط سياسي او مساومات سياسية او احتكار الملف الامني من جهه سياسية بعينها .   

من يتحمل المسؤولية في تفجير الازمة السياسية في البلاد :

كتل المحاصصة الطائفية والقومية تتحمل بالكامل المسؤولية المباشرة امام الشعب وامام القانون على دورهم المباشر في تدهور الوضع السياسي والامني في البلاد , وبصراعاتهم هذه جروا البلد الى منزلق خطير مفتوح على عدة احتمالات . والا ما ذا يفسر سكوت كتلة التحالف الوطني عن كثير من الانتهاكات للاتفاقيات التي وقعت عليها وآخرها اتفاقية اربيل :

– لم يجري الالتزام باتفاقية اربيل حول تشكيل مجلس السياسات للامن الوطني .

– رغم  مرور سنه على تشكيل الحكومة , الا ان وزارة الدفاع والداخلية بقت بيد رئيس الوزراء وكالة الى وقت قريب حيث عين وزير للدفاع وكالة .

– فشل كل الاجتماعات المشتركة التي تمت وتعرضت علاقات التحالف الوطني مع الكتل الاخرى الى شد وجذب وتصعيد بسبب الاختلاف في المواقف وتباين الرؤى على ملفات عديدة .

هذا يفسر امران لا ثالث لهما :

– اما ان يكون رئيس الوزراء قد استفرد بالتحالف الوطني الذي رشحه لرئاسة الوزراء وتمكن من تهميش التحالف بسبب المواقف الذاتية لبعض اطرافه وبالتالي ضعف قدرتهم وهم مجتمعون في التأثير على تفرد رئيس الوزراء .

– اوانهم متفقون معه ويدعمون كل خطواته ويعود ذلك لتدخل عوامل اقليمية . وفي كلا الحالتين فان التحالف الوطني يتحمل المسؤولية الاولى لتدهور الاوضاع في البلاد الآن ويتحمل مسؤولية التفجيرات الاخيرة التي سببها عجز الاجهزة الامنية , كما تتحمل الاطراف الاخرى المسؤولية الكامله لما آلت اليه الاوضاع في البلاد .

الخلاصة والاستنتاجات :

على ضوء الاحداث التي شهدها العراق منذ انسحاب القوات الامريكية الى الآن تؤكد نتائجها على الاستنتاجات التالية :

1- ان المرحله الجديدة ما بعد الانسحاب الامريكي  , يفترض ان تكون مرحلة بناء الدولة المدنية الحديثة والحفاظ على الامن والاستقرار , والمضي بعمليات التنمية واعمار البلد وتحسين اوضاع الشعب الاقتصادية والتخفيف من معاناته وتوفير الخدمات وضمان الحقوق والحريات .

2- هذا ما كان ينتظره الشعب  وهذا ما تفرضه ايضاَ تحديات المرحلة ما بعد الانسحاب الامريكي . وهو طي صفحة الخلافات بين الكتل المتصارعه مهما كان نوعها وشكلها وشدتها وتعقيداتها , وبالترفع فوق الخلافات والمصالح الذاتية من اجل ضمان مصالح الشعب والوطن ,والتوجه نحو التعاون فيما بينها والتوافق والتقارب والانفتاح على كل قوى الشعب من اجل تجاوز التحديات وتهيئة مستلزمات تطوير العملية السياسية وبناء دولة المؤسسات الديمقراطية .

3- لكن ما اكدته الاحداث الاخيرة هو غياب الثقه بين الاطراف التي هيمنت على السلطة السياسية وغياب العقل والحكمة وطغيان المصالح الذاتية والهيمنة والتفرد وتغييب مصالح الشعب والوطن .

4- الاحداث الاخيره دفع وسيدفع ثمنها المواطن , لان هذه الكتل المتحاصصة عازمة على ديمومة عدم الاستقرار وعلى ديمومة العنف والدوران في حلقه مفرغه وتجويع الشعب وحرمانه من الحقوق والحريات والخدمات وهي غير قادرة على الخروج من هذا المأزق الذي سيهدد امن المواطن ومستقبل الوطن  .

5- ما اكدته الازمة الخطيرة الحالية  التي يمر فيها البلد صحة رأي الحزب الشيوعي العراقي , حيث في اول اجتماع للجنة المركزية بعد سقوط النظام الدكتاتوري والذي عقد في تموز 2003 اكد بلاغ الاجتماع , ان الصراع الحالي بين القوى السياسية يتمحور حول شكل الدولة ومحتواها , وهذا ما اكدته تجربة حكم المحاصصة الطائفية والقومية منذ تسعة سنوات والى الآن لم يحسم هذا الصراع حول الخلاف على شكل الدولة ومحتواها . وهذا هو احد اسرار تفجر الصراع الحالي الخطير بين هذه الكتل كل منهما يريد الهيمنة والتفرد وبسط النفوذ لكي يؤسس لمشروعه في شكل الدولة بخلاف الدستور , وهذا هو صراع مصالح وصراع اردات مع تدخل اقليمي في الازمة الراهنة .

6- اكدت الازمة الخطيرة انه ليس هناك  حل لها رغم الدعوات الوطنية المخلصة والصادقة بالدعوة الى الحوارالوطني او عقد مؤتمر وطني لكافة القوى من هم في السلطة وخارجها لان البلد يتعرض لازمة رغم انها مبادرة وطنية , ولكنها لا تحمل الحل الجذري لمشكلة الوضع السياسي في العراق , ويبقى الحل العملي لها في الاطار السلمي الديمقراطي ,ووفق الدستور ويكمن الحل في الدعوة الى اجراء انتخابات مبكرة لمجلس النواب لتشكيل حكومة جديدة على ضوء نتائج الانتخابات الجديدة , وذلك لتخليص شعبنا ووطننا من خطر المحاصصة الطائفية والقومية الخطيرة على مستقبل الوطن والمواطن .

7- خلال التهيئة للدعوة لأنتخابات مبكرة ان يقوم مجلس النواب بتعديل قانون الانتخابات , وضمان عدم ذهاب اصوات القوائم التي لم تحصل على القاسم الانتخابي الى الكتل الكبيرة الفائزة وان يكون العراق دائرة انتخابية واحدة وذلك لضمان سيادة الديمقراطية ولعدم عودة المحاصصة المقيته الى الواجهه ثانية .

8- هناك مهمة وطنية هامة وضرورية ولا بد من ايجاد حلول عمليه وسريعه لها لا سيما بعد ان تفجرت الازمة وتدهورت الاوضاع ومن اجل السيطرة عليها فالمهمة العاجلة تكمن في ان تبادر الحكومة وبدعم قانوني من البرلمان ان كان الاجراء يحتاج الى قانون وهو اصدار قرار بحل جميع الميليشيات وسحب السلاح منها لا سيما بعد ان انسحبت القوات الامريكية في يوم 18-12-2011 . فهذا الاجراء تتطلبه مصلحة الوطن والشعب ولضمان الامن والاستقرار وللحفاظ على ضمان الحقوق والحريات بما فيها الحريات الشخصية ومن اجل الحفاظ على الوحدة الوطنية يتطلب التعجيل باصدار قرار يحل بموجبه جميع الميليشيات بلا استثناء لفرض القانون والنظام وضمان امن المواطن وتحقيق الامن والاستقرار .

24-12-2011

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7499

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى