العلماني ذاك الجندي المجهول في الكنيسة! الكاردينال لويس روفائيل ساكو


نادي بابل

عن موقع البطريركية الكلدانية

  1. عندما نتكلم عن العلمانيين في الكنيسة، إنما نتكلم، ضمن المصطلح الكنسي، عن المؤمنين المسيحيين فيها: رجالاً ونساءً، وليس عمّن يُعرَفون في المصطلح السياسي، بالعلمانيين الليبيراليين. نتكلم عن جماعةٍ ملتزمة، فاعلة ومتفاعلة، تجسِّد إيمانَها ومحبتَها، بسلوك شخصيّ يوميّ وجماعيّ. مصطلح “العلماني” مقتبس من كلمة “Iaos” اليونانية، وتعني الشعب. إستعملته الكنيسة الغربية للتمييز بينهم وبين الاكليروس. هذا المصطلح غير موجود في تقليد الكنائس الشرقية، بل المألوف هو مصطلح المؤمن (ܡܗܝܡܢܐ). مصطلح العلمانيين يفصل بين السلطة الزمنية والدينية. سلطة العلماني مدنية وسلطة الاكليروس دينية، لكن الاكليروس إحتكر السلطتين، عندما قفزت الكنيسة الى سدة الحكم مع قسطنطين الملك الروماني (272 -337م) وخلفائه. وراج الحديث عن فئتين: فئة اعلى، الاكليروس (الكمال البتولي) وفئة أدنى، العلمانيون. هذا تفكيرٌ فئويٌ وليس انجيلياً ولا مسيحياً. فكل مؤمن يتمتع بنفس كرامة أبناء الله، ومدعو الى نفس القداسة، أوَ ليست مريم علمانية؟  بصراحة، إني مندهش امام المواهب المتنوعة التي يتمتع بها المؤمنون العلمانيون، ويدعوهم الرب الى استثمارها: ” اذهبوا أنتم أيضاً الى كرمي” (متى 20: 4).

إبحث عن المزيد

  1. الكتاب المقدس. لا ترد كلمة “علماني” في العهد الجديد، لأن التمييز بين “علماني” و”إكليريكي”، غير وارد في نشأة الكنيسة. فالعهد الجديد يتكلم عن الجماعة، اي المؤمنين بالمسيح، وعن عملٍ جماعيٍ منظَّم: “وكانَ جَميعُ الَّذينَ آمنوا جماعةً واحِدة، يَجعَلونَ كُلَّ شَيءٍ مُشتَرَكًا بَينَهم” (اعمال الرسل 2: 44). جماعة واحدة منسجمة، ومواظبة على التعليم والصلاة وكسر الخبز وتقاسم الخيرات (أعمال الرسل 2: 42-46). هذه الجماعة هي التي اختارت متّياس لينضَمَّ إلى الرسل الأحد عشر (أعمال الرسل 1: 16-26). ويسمي سفر اعمال الرسل المؤمنين بـ “الاخوة القديسون” (9: 41) وكذلك بولس يوجّه رسائلَهُ الى “الاخوة القديسين”(1). بعده تبلور دور “خدام الجماعة” كما نجده في كتابات الآباء الرسوليين. ففي كتاب الديداكي (نحو سنة 100م) يظهر فريقان من الخدام: فريقٌ أول ُمكّون من الرسل والأنبياء(2)، والمعلمين، وكلّهم مواهبيون جوّالون. وفريقٌ ثانٍ مُكوّن من الأساقفة والقُسس والشمامسة، وهم اداريون مقيمون. وتنتقل في نهاية القرن الثاني المركزيّة الى الأسقف الواحد في الكنيسة المحليّة، محاطاً بفريقٍ من القسس والشمامسة كما نقرأ في رسائل الشهيد اغناطيوس الأنطاكي (+ 107). وباختفاء الأنبياء(3) في نهاية القرن الثاني، بلغت البِنيَة الكنسيّة شكلها، وتكرّست الخدم الثلاث (الأسقفيّة والقسُونيّة والشماسيّة)، بحيث غدت المرجع لكلّ ما يتعلق بالعقيدة والتعليم والقانون وخدمة الأسرار.

إبحث عن المزيد

  1. بصراحة، لا تزال العلاقة بين المؤمنين العلمانيين ورجال الدين عموماً مبهمة. وغلب على كنائسنا الطابع “الاكليروساني” الذي كان سائدا في الغرب، لكنهم تحرروا منه. غالبية كنائسنا (الخورنات) منطوية على ذاتها، ومتجاهلة المواهب عند العلمانيين. وهناك الكثير مما يوحي، ليس فقط لدى الاكليروس، بل لدى الناشطين العلمانيين، بانتقاص خاص تجاههم. كم مرة سمعتُ اساقفة يقولون: “هذا عمل الرؤساء” وكأن العلمانيين جنودٌ ينفذون ما يقوله رجل الدين. هذا المفهوم يجب ان يتغير. البابا فرنسيس ركز على هذا الأمر لأكثر من مرة، خصوصا في لقاءاته مع الشباب ومع العلمانيين. يقيناً أن كلَّ مؤمن كاهنا كان او علمانيا ينال ترقيته في سرَّي المعمودية والميرون، ويشترك في الكهنوت العام. لذا فالعلمانيون شركاء لا غِنى عنهم في حياة الكنيسة وراعويتها. وللاساقفة والكهنة أن يولوا اهتماماً كبيراً بدور العلمانيين المؤمنين ورسالتهم. الكنيسة جماعة” شركة “communionship فيها دعوات ومواهب وخدمات ومسؤوليات مختلفة، ولكل واحد دوره، مع المحافظة على وحدة ” الجماعة”، وتماسكها وانسجامها من دون تقاطع. لقد دعا المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) المؤمنين العلمانيين رجالاً ونساءً الى الانخراط في نشاطات الكنيسة والمشاركةً الفعّالة في نهضتها ونموّها وإدلاء الشهادة للإنجيل بقوة، لتمضي (الكنيسة) في طريقها نحو بلوغ ملء قامة المسيح، مؤسسها.

إبحث عن المزيد

  1. موقف الكرسي الرسولي. اسس البابا بولس السادس مجلساً حبرياً للعلمانيين في 6 كانون الثاني 1967، لتفعيل دورهم ومشاركتهم في حياة الكنيسة. فلقد اهتم البابوات يوحنا بولس الثاني وبنيدكتس السادس عشر والحالي فرنسيس بالعلمانيين. يريد البابا فرنسيس أن يشعر الشعب الكاثوليكي بأنه مدعومٌ وصوته مسموع. يقول الدستور العقائدي نور الأمم رقم 14 ما يلي: ” ينتمي الى الجماعة الكنسية انتماءً تاماً أولئك الذين، بعد ان نالوا روح المسيح، يتقبّلون تقبّلا كليّا نظامها وجميع وسائل الخلاص التي أنشئت فيها، والذين بفضل الروابط التي تقيمها شهادة الايمان والاسرار والإدارة الكنسية والمشاركة، هم متحدون، في مجتمع الكنيسة المنظور، بالمسيح الذي يقودها بواسطة الحبر الأعظم والأساقفة”. وجاء في وثيقة رسالة العلمانيين: “يلعب العلمانيون دورهم الايجابي في حياة الكنيسة، وفي عملها، كشركاء في مهمة المسيح الكاهن والنبي والملك، فنشاطهم في الجماعات الكنسية ضروري .. ويشتركون بحرارة في نشر كلمة الله، وخاصة بالتعليم المسيحي. وبكفاءاتهم يجعلون خدمة النفوس وادارة اموال الكنيسة اشد فعالية” (الفقرة 10). ثمة عدة وثائق رسمية اصدرها الكرسي الرسولي بخصوص العلمانيين، وأذكر منها على سبيل المثال، الارشاد الرسولي: العلمانيون المؤمنون بالمسيح سنة 1988. ومن هذا المنطلق يحتل العلمانيون اليوم مواقع ذات مسؤولية في الكنيسة الغربية وفي الكوريَّا الرومانية. وفي البطريركية أسندنا إليهم بعض المناصب المهمة.

إبحث عن المزيد

  1. للمؤمنين العلمانيين دورهم النهضوي في كنيستنا الكلدانية. إنهم اعضاء فيها وشركاء، والعديد منهم تخرج من كليات اللاهوت (ككلية بابل الحبرية) او المعاهد الكنسية ويعرفون تعليم الكنيسة الكاثوليكية، وقد ينافسون بعض رجال الاكليروس بثقافتهم اللاهوتية والكنسية، فهذه ثوابت لا يختلف عليها اثنان. نتكلم أذاً عن جماعةٍ مؤمنة ومُصليّة وخادمة وواعية بدورها في الكنيسة وملتزمة به، بتواضع ومحبة، تعمل الى جانب الخُدام المرسومين، لا تُريد ان تأخذ مكان البابا أو البطريرك أو الاسقف أو الكاهن، بل ان تقف الى جانبهم وليس أمامهم. جماعة تفكر وتعمل في سبيل نهضة الكنيسة وتعزّيز الحضور المسيحي حيثما وجدت. عندما كنت كاهناً كنت أستشيرهم بكلّ القرارات، كذلك عندما صرتُ اُسقفا شكلت المجلس الابرشي في كركوك، وطلبت من الكهنة تشكيل المجالس الخورنية، والان في بغداد هناك مجلس راعوي وهيئة مستشارين. إني سعيد بما لدينا من المؤمنين العلمانيين رجالاً ونساءً، وهم مشرقون في الإيمان، وأكفّاء في الإدارة، والشؤون العامة.

ومسك الختام يسرني أن أقول بأن للنساء موهبة فريدة لحل مشاكل عديدة وبطريقة ناجحة انطلاقاً من خبرتهنّ الحياتية وقوة الحَدَس عندهن. لا ننسى ان للشمَّاسات في تقليد كنيستنا المشرقية وكذلك المجلس ܣܝܥܬܐ دوراً كبيراً. أتمنى ان يسلط أساقفتنا وكهنتُنا الضوء على تنشئة العلمانيين وتوعيتهم على كلّ الأصعدة لتغدوَ كنيستُنا جماعةً موحدة ومنظمة وشاهدة لحقيقة المسيح ولردّ الاعتبار للعلماني ذلك الجندي المجهول…

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

____

  • تتكلم الرسالتان الى طيمثاوس والرسالة الى تيطس عن الخدم الثلاث: الاسقفية والقسوسية والشماسية، ولكن الملامح غير واضحة! وبحسب علماء الكتاب المقدس، هذه الرسائل متأخرة ومنسوبة الى بولس وان كاتبها أحد تلاميذه.

  • هؤلاء انبياء العهد الجديد، كانوا يقرأون علامات الازمنة ويوجهون المؤمنين في ظروفهم الصعبة وينتقلون من مكان الى آخر.

  • كان لفيلبس أربع بناتعذارى يتنبأن (أعمال الرسل 21: 8 و9).

عن الكاتب

عدد المقالات : 7340

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى