الطائفة النسطورية.. من الهرطقة الدينية إلى الهرطقة التاريخية 5-5 / بقلم محمد مندلاوي


نادي بابل

يستمر الكاتب كيواركيس في سرده للفنتازيات التاريخية زاعماً:” وفي رسالة أخرى للبطريرك مار إيشوعياب الثالث (الوارد ذكره آنفاً) للأسقف تيودوروس يقول: “سوف أتأخر بضعة أيام في زيارة الآشوريين المنتشرين خارج هذه الديار” (26) – هذا كان في القرن السابع الميلادي، أما في القرن الثامن الميلادي فنقرأ في رسالة للجاثليق مار طيماثاوس الكبير، إلى مار سركيس أسقف عيلام يقول فيها: “إلى الأخوة خنانيشوع ويشوع سبران، كتبنا مرتين، وذلك حسب قانون كلمة الله، وهم لا يرغبون في المجيء رغم أن الآشوريين يوقرونهم… (27)”.

ردنا: كما قلنا في الحلقات السابقة، أن الكاتب كيواركيس يتلاعب بالكلمات كيفما يريد، دون حسيب أو رقيب، كل همه، هو أن يصادر عقول القراء ليضخ فيها تلك الفرية المزعومة، ألا وهي، أن الآشوريين استمروا في الوجود بعد فناء دولتهم عام 612 ق.م. بينما كتب التاريخ المعتبرة، تقول أنهم ودولتهم المجرمة زالوا من الوجود في التاريخ المشار إليه. دعونا نتساءل، إذا كان الآشوريون على قيد الحياة كشعب، لماذا لا يأتي ذكرهم بعد عام (612) ق.م. في أهم مصدرين معتبرين عند اليهود والمسيحيين وهما، التوراة، والإنجيل؟ باستثناء بعض التسميات التي أخطأ الكُتاب فيها. من المعروف للجميع أن التوراة أشارت إلى فترة حكم الآشوريين قبل فنائهم عشرات المرات، وكانت فترة غارقة بالدماء على أيدي أولائك الآشوريون، ونحن نوافق الكاتب على توصيفه لتلك الفترة الهمجية التي كان سائداً فيها حكم السيف الآشوري البتار. أما أن يأتي الكاتب بكلام مشوش فهو غير مقبول عندنا بتاتاً. لم يستطع في كل مصادره المشكوك بها، أن يأتي بمصدر واحد موثق ومعتبر في المحافل الأكاديمية يقول أن النساطرة، امتداد للآشوريين، غير تلك المصادر المشكوك بها جملة وتفصيلاً، وجل كتابها هم شذاذ الآفاق، خريجوا مدارس مخابرات الدول الاستعمارية الغربية، عملوا بين النساطرة تحت يافطة البعثات التبشيرية. في ذات الفقرة يتحدث الكاتب عن عيلام (إيلام) يا حبذا يقول لنا أين تقع إيلام؟ ومن هم سكانها منذ آلاف السنين؟. لكي لا يظن ظان، بأن جعبتنا لا تحوي الكثير في هذا المضمار، لقد قدمنا في مقالات سابقة حشداً كبيراً من العلماء قالوا أن الشعب الآشوري قد أبيد فعلاً من الوجود. ويكفي أن فيهم عالم آثاري كبير مثل (سدني سميث) الذي حفر في أشور، وقال صراحة: “أن الأشوريين أبيدوا فعلاً من الوجود”. أدناه سنشير مجدداً إلى عدد من هؤلاء الفطاحل الذين رفضوا قبول النساطرة كامتداد للآشوريين.

يقول الكاتب النسطوري:”وفي كتابه “الشرفنامة”، يذكر المؤرخ الكردي شرف خان البدليسي (القرن السادس عشر) كيف التقت جماعة من الآشوريين بأسد الدين الكلابي (المعروف بـ”زرين جنك” – اليد الذهبية) حيث يبدأ القصة بالجملة التالية : “كانت جماعة من نصارى تلك الولاية، المشهورين بالآسوريين، قد ذهبت حسب العادة إلى مصر والشام للتكسّب والعمل، فأتيحت لهم الفرصة بأن يروا بأنفسهم ما عليه أسد الدين زرين جنك من المكانة وعلو الشأن… (28)”.

ردنا: يا أستاذ، الكف الذهبية، وليست اليد الذهبية. حقاً عجيب أمر هؤلاء (النصارى)، في أحيان كثيرة، وبدون خجل، يسيروا أقلامهم التي بلون قلوبهم… ويخلقوا الأكاذيب والأضاليل الممنهجه لتشويه حقيقة الأمة الكوردية، حتى باتوا يزعموا بدون حياء وخجل، أن الكورد قبل مائة عام جاءوا إلى المنطقة، لكنهم حين يحتاجوا إلى دليل لتثبيت وجودهم غير الشرعي في كوردستان، نراهم لا يترددوا حين يأتوا بمصدر كوردي كتب قبل أكثر من أربعة قرون ليستشهدوا به على وجودهم كطائفة دينية بين ظهراني الشعب الكوردي، مع هذا، دعونا نناقش ما جاء في هذا المصدر الكوردي الذي لا غبار عليه، والذي دونه المؤلف باللغة الفارسية وأهداه إلى شاه إيران آنذاك عباس الصفوي. إن الكاتب النسطوري ذكر الاسم المختصر للمصدر الكوردي “شرفنامه” واسمه الكامل هو ” شرفنامى تاريخي كوردستان” تأليف أمير إمارة بدليس (شرفخان شمس الدين بدليسي) بالإضافة إلى التأليف كان شاعراً أيضاً. طبع الكتاب بعد وفاة المترجم. وطبع سنة (1930) طبعته الفارسية في القاهرة، بجوار جامع الأزهر، في مطبعة كوردستان لصاحبها (فرج الله زكي الكوردي ). دعونا نذهب إلى أصل الموضوع، ألا وهو ذكره لاسم “الآسوريين” بالسين وليس بالشين، و وضع الاسم في المصدر الكوردي بين قوسين، وهذا يبين لنا أن المترجم قام بهذا الفعل، لأن علامات الترقيم، كالقوسين لم تكن موجودة قبل أربعة قرون. للعلم أن المصدر الكوردي ذكرهم كطائفة قائلاً: “وأسكنهم أي العائلة المذكورة، بين ظهراني الطائفة (الآسورية)” نستسمح الكاتب و نلقي نظرة على معنى الطائفة لغوياً، تقول معاجم اللغة العربية والإسلامية عنها،” أنها تعني جماعة أو فرقة يجمع أفرادها مذهب ديني واحد”. وهذا تماماً ينطبق على النساطرة الذين يعتبرون طائفة هرطقية ينتمون للدين المسيحي، كالطوائف الدينية الكثيرة في لبنان. وكطائفتي السنة والشيعة في العراق. وجاء في القرآن سورة الحجرات آية (9) ” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما…” وقال المصدر الكوردي عن الآسورية بأنهم معروفون في تلك الأصقاع باسم “سبديافان” حقاً أنا لا أعرف ماذا تعني كلمة سبديافان. الكاتب كيواركيس كالعادة حَرَّف الكلمة التي جاءت في المصدر الكوردي، من الآسورية إلى الآشورية، والغرض معروف مسبقاً، حتى ينسبهم إلى الآشوريين القدامى. لم يراجع الكاتب مصادره، لماذا سماهم كاتب (شرفنامه) بالآسوريين، ولم يقل الآثوريين، الطائفة الدينية الموجودة في كوردستان، بكل بساطة، لأنه لا يوجد حرف الثاء في اللغة الكوردية، وهذه هي حروف الهجاء الكوردية:” ئا، ب، پ، ت، ج، چ، ح، خ، د، ر، ڕ، ز ژ، س، ش، ع، غ، ف، ڤ، ق، ک، گ، ل، ڵ، م، ن، ه، و، وو، ۆ، ی، ێ،” – لمن لا يجيد الكوردية ولا يعرف شيء عن نطقها، أن من عادة الكورد، يقلبوا حرف الثاء سيناً، مثلاً، يقول الكوردي للثلاجة، سلاجة حتى أني دخلت في سجالات عديدة معهم، وقلت لهم لماذا لا تقولوا “يه خچاڵ” قال بعضهم أنها كلمة فارسية فلذا نتجنبها، قلت لهم “والسلاجة” أيضاً عربية، وشرحت لهم أن اللغة الفارسية ليس فيها حرف اللام المضخم الموجود في كلمة “يه خچاڵ” كيف تكون فارسية ولغتهم تفتقد لهذا الحرف المشار إليه؟ ثم أن الفرس يقولوا “چاه” وليس “چاڵ” الكوردية كما جاءت في نهاية الكلمة التي اقتبسها الفرس منهم-. وأثينا عاصمة اليونان، يلفظها الكوردي أسينا، وإثيوبيا، يقول لها الكورد، أسيوبيا، والثالوث، ينطقوه سالوس، وكلمة الثواب، عندهم تصبح سواو الخ. قد يقول قائل أن الأمير (شرفخان) رغم أنه كوردي، إلا أنه وضع كتابه المشار إليه باللغة الفارسية، نقول له حتى أن اللغة الفارسية، ليس فيها حرف الثاء، إليكم حروف الهجاء الفارسية أيضاً” ا، ب، پ،ج،چ،خ،د،ذ،ر،ز، ژ،س،ش،غ،ف،ك،گ،ل، م،ن ،و،ه،ى.هل تيقنتم الآن أن أصل الاسم آثوري يلفظه ويكتبه الكوردي والفارسي آسوري، وكما قلنا سابقاً، أن آثوري غير الآشوري. لو كانت الكلمة آشوري، لكتبها مؤلف كتاب (شرفنامه ى تاريخي كوردستان) الأمير (شرفخان بدليسي) كما هي، لأنها لا تحتاج إلى التغيير، لأن حرف الشين موجود في اللغة الكوردية، واللغة الفارسية كما بينا أعلاه. لقد قلنا في سياق هذه الجزئية أن المترجم قد يكون غير مضمون الكلام، لأن نص الحادثة التي تطرق لها الكاتب كيواركيس جاء في كتاب آخر اسمه (الكورد في دائرة المعارف الإسلامية) ص (71) وذكر فيها الاسم بهذه الصيغة:” لكن مسيحي النسطور ذهبوا إلى مصر من أجل استعادة أسد الدين ذي الكف الذهبي …” هذا مصدر المشار إليه مصدر غير كوردي لا يقول آثوري ولا آشوري، بل يقول بكل صراحة نسطور، أي النساطرة.

أخيراً يقول الكاتب كيواركيس النسطوري:” أمّا في القرن الثامن عشر، وقبل مجيء الإنكليز، فبحسب البروفسور جورج بورنوتيان (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة نيويورك)، في رسالة من العقيد الروسي سيفان بورناشيف إلى الجنرال بول بوتمكين بتاريخ 26/أيار/1784، جاء ما يلي “هناك 100 قرية مأهولة يالآشوريين في خان أورمي، بالإضافة إلى 20 ألف عائلة على الحدود التركية الإيرانية… (29)”.

ردنا: إن سرد الكاتب كيواركيس، بالطريقة التي رأيناها، لا يعدوا أكثر من كونه لغة خشبية ليس لها رصيد من الصدق، حين يزعم، إن ضابطاً في الجيش الروسي رأى قرى وأناساً اسمهم آشوريين، وفي المقابل لا يصغي كيواركيس لحشد كبير من العلماء المختصون في التاريخ والآثار الذين جابوا المنطقة ومسحوا سطحها وجوفها شبراً شبراً، كمدير دائرة الآثار العراقية عند تأسيس مملكة العراق عام (1921) العالم الآثاري (سدني سميث)، و المؤرخ و الآثاري (نيكولاس بوستكيت) مؤلف كتاب (حضارة العراق وآثاره) وهو أيضاً من الذين رفضوا قبول النساطرة كامتداد للآشوريين، والمؤرخ جيمس موريس، والمؤرخ الهولندي ماليبار، وكذلك المستر ستافورد، والمؤرخ والقائد اليوناني كزينفون. وأيضاً الآثاري العراقي المختص بالآشوريات (طه باقر) والدكتور فاضل عبد الواحد ذنون، والدكتور وليد الجادر، والدكتور فاروق ناصر، والدكتور علي ياسين الجبوري، والدكتور سامي سعيد الأحمد، و الدكتور عامر سليمان، والمؤرخ العراقي الكبير عبد الرزاق الحسني، وعبد الحميد الدبوني، و يوسف إبراهيم يزبك، و القس سليمان الصائغ، و الدكتور أحمد سوسة، أن جميع هؤلاء الفطاحل وغيرهم كثر، لا يقبلوا أبداً دعوى ( النساطرة) على أنهم من بقايا الآشوريين. إن هؤلاء النساطرة الهراطقة يريدوننا نلغي عقولنا، و نرفض كلام هذا الحشد الكبير من أهل الاختصاص، وفوقهم الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) الذي هو حجة عليهم، والذي تنبأ فيه أكثر من نبي أن آشور والآشوريون سوف يخرجون من التاريخ، وينتهوا إلى الأبد. بالمناسبة، هذه ليست نبوءة النبي (ناحوم) فقط، بل أنها نبوءة النبي (صفنيا) أيضاً، الذي تنبأ وقال في سِفره بكل وضوح:” ويمد يده على الشمال ويبيد آشور…”.إن علماء الكتاب المقدس يعتقدوا أن الدمار و الفناء الذي نزل بآشور هو دينونة الرب العادلة. هل بعد كل هذه الدلائل الدامغة تريدنا نترك هؤلاء ونصدق تلفيق وتدليس ضابطاً في الجيش الروسي، غريب عن المنطقة وأهلها؟، ومهنته بعيد كل البعد عن التاريخ والآثار، وغير نزيه فيما يقول، لأنه أساساً جاء إلى المنطقة كعدو لمحاربة شعوبها، واحتلال أوطانهم، وأقواله يدخل ضمن الخطط الإستراتيجية الحربية “الحرب خدعة” والكلام المنسوب إليه، يعد خدعة عسكرية، لأن الروس والبريطانيين باعتراف النساطرة أنفسهم خدعوهم . وهذا هو (اي.ام.هاملتون) ينقل لنا في كتابه (طريق في كوردستان) ص (250) نقاشاً دار بين مالك إسماعيل زعيم التيارية النصارى (النساطرة) والنقيب في الجيش البريطاني (بيكر- Baker) قال له مالك:” أليس بفضل قتالنا المُر ومحاربينا الذين صرعوا، ضعفت المقاومة التركية في فلسطين وما بين النهرين…” ويستمر مالك في ذات الصفحة قائلاً:” أن ساستكم يعلمون أننا خدمنا في الليفي جنوداً طوال عشر سنين وقاتلنا لأجلكم الكورد فأي جزاء نلناه؟” انتهى الاقتباس. مسكين هذا مالك إسماعيل لا يعرف ألاعيب دول الكبرى، ولم يستوعب أنهم كطائفة دينية، لقمة سائغة في فم بريطانيا أو روسيا النتن. وعن سرده عن مدينة أرومية التي تقع في شرقي كوردستان، وتسميتها الأصلية “أرومية” وتقال بصيغ أخرى ك” أرمية” و” أرومي” الخ. أما اسم “خان أورمي” الذي ذكره الكاتب كيواركيس أعلاه، غريب علينا، لم نسمع به، ولم يقع تحت نظرنا في كتب التاريخ اسماً مثل هذا الذي جاء به الكاتب النسطوري. الآن أمامي (دائرية المعارف الإيرانية) لا يوجد فيها اسماً ل”خان أورمي”أنا أسأل الكاتب من أين جاء بهذا الاسم؟، أنه مدعوا أن يقول لنا من أين جاء به، سؤالي هذا يبقى قائماً حتى يجيب عليه. يجب على الكاتب أن يقول لنا أين تقع “خان أورمي” على الخارطة ؟. هل يتصور أننا ندعه أن يأتي لنا بأسماء لا وجود لها على الأرض، ويمرره على القارئ، الذي لم يطلع على تاريخ إيران وكوردستان والمنطقة؟. أما عن القرى التي ذكرها، هل هذا منطق، أن يرى الإنسان مائة قرية لأولئك الناس الذين سماهم آشوريين، ولا يرى لهم مدينة واحدة باسمهم!، هل الشعوب تسكن في القرى فقط، ولا تبني المدن!. إن جميع الذين نقل عنهم الكاتب كيواركيس، لم يذكروا مدينة واحدة خاصة (بالشعب) الذي أطلقوا عليه اسم (الآشوريين). أ وهل يصح هذا علمياً ومنطقياً إن شعباً ما يسكن في القرى فقط دون المدن!!!. بالمناسبة، أن النبي الكورد والآريين (زرادشت) عليه السلام، من أهل منطقة أرومية، وأكبر مواقد النار الزرادشتية تقع في هذه المنطقة، باسم ” ئاته شكه ده ى ئاذه رگه شسب” أي موقد آتشگشسب.

في نهاية ردنا هذا، نقول للكاتب النسطوري كيواركيس وغيره من النساطرة، أن زمن تأليف الحكاوي على نمط قصص شهرزاد في ألف ليلة وليلة قد ولا دون رجعة في عصر العلم والتكنولوجيا، وقائله وناقله ينفضح أمره في أول وهلة، وينظر إلى ادعاءاته الكاذبة، بسخرية وتهكم، ويصبح مجرد مهرج معتوه، لأن كلامه لا صحة له، مجرد ” أحاديث مستملحة” ليس فيها موضوعية بالحد الأدنى. وبفضل انتشار العلم، بات الجميع يعرف جيداً، أن الكذاب إنسان مخرف، والخرف يخلق أناساً خرافيين، يعتقدون بأشياء بعيدة عن العقل والعلم والمنطق، تماماً كاعتقاد النساطرة الوهمي، بأنهم امتداد للآشوريين، وأصحاب هذا الاعتقاد الرجعي المتخلف، يحاولوا بشتى الوسائل والسبل أن يحشوا رؤوس الناس البسطاء، بأساطير خرافية، وبفنتازيات بعيدة عن الواقع والحقيقة، لأنهم بكل بساطة لا يملكون جغرافية، ومن لا يملك جغرافية، لا يملك تاريخ، ومن لا يملك تاريخاً، لا يملك أرضاً، ومن لا يملك أرضاً، يعني أنه ليس بشعب. لأن الشعوب لديها أوطان، ولا يوجد شعب بدون وطن. أرجو أن تكون هذه المقالة خاتمة للأخذ والرد حول حقيقة الطائفة النسطورية الهرطقية كما بينا حقيقتها في سياق ردنا هذا، وأن يكفوا عن محاولة إغفال البسطاء بأنهم امتداد للآشوريين الذين انقرضوا وانتهوا من الوجود كانتهاء الديناصورات، ولم يعد لهم وجوداً على وجه المعمورة، إلا في كتب التاريخ، والحكايات الشعبية التي تذكر جرائمهم التي تقشعر لها الأبدان. ذكر المؤرخ الإيراني (حسن بيرنيا) جانباً من وحشية الآشوريين في كتابه (تاريخ إيران من بدء البشرية حتى انتهاء القاجارية) صفحة (42) نقلاً عن كتاب العهد القديم (التوراة)،عن النبي (حزقيال) ، قائلاً: “ما من شخص في إيلام (عيلام) إلا ومرره الأشوريون تحت حد السيف”، أي قُطعت رقبته. وبسبب هذه الجرائم التي قام بها الآشوريون ضد الشعب الكوردي، لم يكن أمامهم إلا الاتحاد والتعاون مع الكلدان في بابل الذين نالوا الويلات أيضاً على أيدي الآشوريين الأوباش، فلذا قرر المتحالفان الكورد والبابليون أن يقضوا قضاءً مبرماً على هؤلاء الآشوريين سفاكي الدماء، الذين لطخوا بأعمالهم الإجرامية الوحشية صفحات التاريخ البشري.

” إني، وجدِّك، ما عودي بذي خَوَر … عند الحِفِاظ ولا حوضي بمهدومِِ أصلي كريمُ، ومجدي لا يُقاس به … ولي لسان كحدِّ السيفِ، مسموم أحمي به مجد أقوام ٍ ذوي حَسَب … من كلّ قَرْمٍ بتاجِ الملك معمومِ يمشون في حلق الماذيّ (1) سابقةً … مشيَ الضراغِمَةِ الأُسدِ اللهاميمِ”

1- الماذي (الميدي)، أحد فروع الشعب الكوردي، أسسوا إمبراطورية ميديا، وبمساعدة البابليين قضوا عام (612) ق.م. قضاءً تاماً على الآشوريين ودولتهم الجائرة، وتتويجاً لهذا التحالف والنصر المؤزر تزوج ولي عهد بابل (نبوخذ نصر الثاني) كريمة ملك ميديا (أميد). بما أن الأميرة الكوردية لم تعهد العيش في الأراضي المنبسطة والقاحلة، بنا لها زوجها الأمير البابلي الكلداني جنائن المعلقة التي تشبه كثيراً جبال وطنها الخضراء كوردستان، وتعتبر اليوم إحدى عجائب الدنيا.

محمد مندلاوي

عن الكاتب

عدد المقالات : 7517

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى