الرئيس مسعود البارزاني والمعارضة الكوردية


حبيب تومي
حبيب تومي

اللعبة السياسية حينما تنأى بنفسها عن مظاهر الطائفية والدينية

والمذهبية ، تغدو مركونة في الأطار السياسي المألوف ، وتعكف على

المنافسة الحزبية المشروعة وتحت خيمة العملية الديمقراطية وليس

خارجها ، وبرأيي المتواضع حينما اريد تفسير الأطار السياسي للمعادلة

فيراد بها مصالح الأطراف من الموارد والسلطات ، وما دمنا في الشأن

الكوردي كما يشير عنوان المقال فلا زال عالقاً في الأذهان الأقتتال

الكوردي ـ الكوردي في اواسط التسعينات من القرن الماضي ، ولا شك ان

الأطراف قد اتعظت من دروس الأقتتال الداخلي الذي لم ينجم عنه سوى

تعميق هوة الخلافات بين الأطراف التي يفترض انها تنتمي الى شعب واحد

. فمصالح الأطراف المتنازعة وقتذاك قد عصفت بكل الشعارات القومية

المرفوعة .



في المشهد السياسي لأقليم كوردستان ، يبدو للمراقب ، ان المعارضة في

موقعها الطبيعي من العملية السياسية ، فلا يغلب على مفهوم السلطة

والمعارضة طابع المصالح القبلية كما هي الحالة في اليمن مثلاً أو في

ليبيا ايضاً ، كما لا يسيطر عليها مشهد الطائفية كما هي الحال في ارجاء

العراق ، فالشئ الغريب والعجيب الذي يحصل في العراق الفيدرالي ، ان

الحكومة المنتخبة تتصرف وكأنها محصنة ضد المحاسبة والمسائلة تحت

فرضية ان الأنتخابات الديمقراطية افرزت الحكومة والبرلمان .

إن هذه الصفة السيئة قد الصقت بالديمقراطية تعسفاً ، وهي غريبة عن

روح الديمقراطية إنها ببساطة محاولة لجعلها مطية لارتكاب الجرائم

وسرقة الأموال العامة وتفشي الفساد الإداري والمالي ، هذا ما يحصل في

الحكومة العراقية المنتخبة ويجري انتهاك القانون واستشراء الفساد

والسرقة في مفاصل الدولة ، وكل ذلك بفرضية ان الحكومة ناجمة عن

العملية الديمقراطية . ويبدو وفق هذا المنطق ان الذي ننتخبه يحق له ان

يسرق ويحتال ويقتل ويخرق القانون ويهّرب الأموال ؟ وقد سبق لي ان

كتبت مقالاً تحت عنوان : اجل ان الشعب يمكن ان ينتخب اللصوص

والفاشست .

إنها ديمقراطية عرجاء ان يسرق النائب في البرلمان او وزير ويخرج من

الموقف كما تخرج الشعرة من العجين ، أجل انها ديمقراطية مشوهة حين

تقبل بالسكوت عن سرقة اموال الشعب من قبل الذين انتخبهم في غفلة من

الزمن ، ان الحكومة العراقية تبدو وكأنها تعمل بسياسة القطب الواحد

حين انعدام اي مظهر من مظاهر المعارضة تحت قبة البرلمان او في

التشكيلة الحكومية ، إنها مساومات وصفقات تعقد بين المتنفذين بعقلية

توزيع المغانم بين هذه الأحزاب والشخصيات الحزبية ودون اية مراعاة

لمصالح الشعب الذي انتخبهم .

بالمفهوم الديمقراطي فإن المعارضة تبقى العين الساهرة لتشخيص

الأخطاء وتحديد مواقع الخلل في الأداء الحكومي من النواحي الأقتصادية

والأجتماعية والسياسية .. وتسعى للانقلاب على الحكومة والى استلام

السلطة منها  وذلك عن طريق كسب الرأي العام الى جانبها ، واستمالة

الناخب ليمنحها صوته عبر صناديق الأقتراع ، وهي منافسة حزبية

وسياسية مشروعة حينما تكون مدعومة بالعملية الديمقراطية .

إن رياح التغيير التي عصفت بالمنطقة العربية قد وجدت صداها في اقليم

كوردستان ، وركبت المعارضة الكوردية موجة التظاهر والأحتجاج ،

وطرحت شعارات الأصلاح ومكافحة الفساد وطرحت ايضاً حل البرلمان

والحكومة والرئاسة .

لقد طرح الأستاذ مسعود البارزاني مبادرته في جمع الحكومة والمعارضة

تحت سقف واحد ، إنه يتصرف كرئيس لأقليم كوردستان ، وهذا يعني أنه

يشكل خيمة ليس للسلطة الحاكمة فحسب إنما للمعارضة ايضاً ، ويكون قد

شغل حيز من الحيادية بين الحكومة والمعارضة ، فهناك مشتركات قائمة

، فالأمان والأستقرار هما من صالح كل اطراف المعادلة وبيئة وأرضية

مناسبة لترسيخ البنية التحتية ولتقدم عملية البناء والتعمير والتطور ،

كما ان الأصلاح ومكافحة الفساد والقضاء على المحسوبية هي في صالح

كل الأطراف دون تمييز ، إضافة الى ان حرية الرأي وحرية الصحافة هي

في صالح المعارضة والحكومة على حد سواء وهي تشكل آلية  لتشخيص

النواقص ومواقع الخلل في الدولة والحكومة . يقول تولستوي حول حرية

الصحافة  :

الجرائد نفير السلام وصوت الأمة وسيف الحق القاطع وشكيمة ومجبرة

المظلوم … ويقول فولتير : الصحافة آلة يستحيل كسرها وسنعمل على

هدم العالم القديم حتى يتسنى لنا ان ننشئ عالماً جديداً . وأنا اضيف ان

الصحافة الحرة ضرورة لتجديد الحياة السياسية وجعلها محصنة ضد

الركود والفساد .

إن خارطة القوى السياسية في الأقليم تشير الى الحزبين الرئيسيين في

السلطة : الديمقراطي الكوردستاني واتحاد الوطني ، والمعارضة بزعامة

حركة التغيير وأحزاب إسلامية ، إن هذه الأطراف وأحزاب كوردية صغيرة

اخرى جميعاً يعنيها امر الأستقرار والإصلاح والتغيير في كوردستان ، لكن

ان يجري ذلك بالطرق الأصولية ومن خلال اللعبة الديمقراطية والتي هي

متاحة للجميع .

اللافت للنظر هو مبادرة البارزاني الى جمع كافة الأطراف للتفاهم والتداول

لأيصال الأقليم الى شاطئ السلامة ، وأن تشكل الرئاسة نوع من صمام

الأمان لهذا التفاهم . إن هذا الموقف يذكرني بموقف معاكس له ، ومن هم

في مرحلة قريبة من عمري يتذكرو كيف ان المرحوم عبد الكريم قاسم لجأ

الى موقف مخالف وجلب الويلات الى العراق لحد هذه الساعة .

حينما اشتد الصراع بين القوى السياسية النافذة في اواخر الخمسينات

وأوائل الستينات من القرن الماضي لا سيما الصراع  بين الشيوعيين

والبعثيين ، حينها لم يحاول عبد الكريم قاسم ، وهو يشغل مكانة المسؤول

الأول في الدولة العراقية ، لم يحاول يوماً لم شمل تلك القوى وغيرهم

وجمعهم تحت سقف واحد لفتح حوار وتفاهم بين القوى السياسية في ذلك

الوقت وتحت رعايته ، بل لجأ الى تفرقتهم وتاليب بعضهم ضد بعض ،

وكان ان تدهورت الأوضاع وتضعضعت الجبهة الداخلية وأفلح اول انقلاب

عسكري في الأطاحة بحكمه ، ومن ذلك اليوم غرق العراق في دوامة من

الأنقلابات واللاإستقرار السياسي والأجتماعي والأقتصادي.

هكذا يمكن تقييم مبادرة البارزاني في جمع القوى السياسية في الأقليم

تحت سقف واحد واعتبارها مبادرة ذكية لمنع الأوضاع من التدهور نحو

الفوضى والأنفلات .

لقد جاء في مجلة المؤرخ الصادرة في العراق عام 1932 من قبل الكاتبان

الكلدانيان رزوق عيسى وعبد الكريم حنا في المجلد الاول ج1 ص318

عن حسنات المعارضة وسيئاتها :

( .. من حسناتها انها تجعل من حالها في عقيدتها السياسية حذراً متيقظاً

وتبعده عن الشطط والزلل والغلو في مبادئه … ومن سيئات المعارضة ان

اصحابها احياناً يتظاهرون بأنهم لا يبصرون نور الشمس في رابعة النهار

ويسدون آذانهم لكي لا تسمع حسنات من خالفهم في الرأي والمعتقد ولا

يكتفون بذلك بل كثيراً ما يقلبون الحقائق اوهاماً ويبذلون جهد طاقتهم في

جعل الأبيض أسود … وفي القول المأثور فإن الحق حق سواء اقبلنا ام

رفضناه فقبولنا إياه لا يجعله صدقاً كما ان رفضنا أياه لا يصّيره كذباً ) .

لقد رفعت المعارضة الكوردية مطالبها عبر ورقة الأصلاحات التي تقترحها

ويتضمن مشروعها للاصلاح نقاط تخص كل وزارة ومؤسسة على حدة ،

مع التاكيد على اصلاح الأجهزة الأمنية والشرطة ومسالة ميزانية الأحزاب

والرقابة المالية ، وعن ضرورة تشكيل هيئة رئاسية للقضاء الأعلى ،

وعرض حصة الأقليم من ميزانية الدولة العراقية على البرلمان ووسائل

الأعلام .. الخ ، في الحقيقة إن هذه المطالب وغيرها هي مسائل ينبغي

مراعاتها من قبل الحكومة والمعارضة ، إن الشفافية في صرف الأموال

العامة ، ومهنية القوات في مختلف الأجهزة الأمنية وغيرها من هذه

المظاهر تعتبر من العوامل المهمة لتطور الأقليم ولوضع الحد لعدم تفشي

الفساد الحكومي والأداري .

لا نجافي الحقيقة عند القول : ان المجتمع الكوردستاني مجتمع عشائري لا

زال يحتفظ بالكثير من تلك الخصائل ، وفي هذه الطباع الكثير من

السلبيات منها مبدأ نهج الواسطات والمحسوبية ، وهذه الحالة متجذرة في

مجتمعات العالم الثالث ، ولا شك ان اقليم كوردستان ليس بعيداً عن تلك

الموروثات ، ويقتضي ذلك بذل جهود استثنائية كبيرة ومتواصلة  لنقل

المجتمع الكوردستاني من عقلية الثورة ، الى عقلية الدولة وضوابطها

ودقتها .

إن الأستاذ مسعود البارزاني جينما يقف على مسافة واحدة من جميع

المكونات السياسية باعتباره رئيس للجميع دون تفرقة او تمييز ، سيشكل

ذلك ارضية ملائمة لعبور كل الأزمات والأنتقال الى شاطئ السلامة والأمان

، وعلى هذا الشاطئ يزدهر التقدم والأنتعاش السياسي والأقتصادي

وتستمر العجلة في سيرورتها التطورية .

إن الأختلاف في الرأي على المستوى السياسي والأجتماعي والعلمي

والأدبي ضرورة في كل المراحل وهذا الأختلاف هو العنصر الهام في التقدم

الحضاري للمجتمع الأنساني .

بهذه المناسبة اريد ان اشير بصرحة الى ان شعبنا الكلداني هو المكون

القومي الوحيد الذي هضمت حقوقه في اقليم كوردستان ، ولا ادري متى

تتعامل القيادة الكوردية مع شعبنا الكلداني بشكل متكافئ وما يليق بمكانة

هذا الشعب الأصيل .

حبيب تومي / القوش في 10 / 06 / 11

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى