الجديد والقديم


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

< فسأَلهم يسوع: أَفَهِـمْتُـم هذا كُلَّـه؟ قالوا له: ” نعم ” فقالَ لهم: ” لذلك كُلُّ كاتِبٍ تَـتَلـمَذَ لِملكوت السَّموات يُشْبِهُ رَبَّ بيتٍ يُخرجُ مِن كَنزِه كُلَّ جديد وقديم ” >(متى13: 51- 52).

” كُلُّ كاتِبٍ تَـتَلـمَذَ لِملكوت السَّموات ” قد يكون الكاتب الذي أشار إليه يسوع كُلُّ سامعٍ استوعَـبَ تعليمَ يسوع وفَهِمَه، فأدركَ الحقائقَ التي تَضَمَّـنـتْها الأمثالُ التي شَـبَّه بها يسوع ملكوت السَّموات، وهي تحوي الجديد والقـديم ومن المعروف بأنَّ جماعة الكتبة عـند اليهـود كانوا هُـم المُخـتصُّون والمسؤولون عن نسخ الـتوراة، فـنالوا شُهـرةً بأنَّهم الأكثرُ مَعْـرفةً بأَقوال الله. وفِعْلاً كانوا حريصين على النسخ وُيُعيدون مُراجعة كُلَّ ما يكـتبونَه بِـدِقَّة تلافياً للنِسيان أو إضافة ما سُهيَ عنهم. ولكِـنَّهم  لم يتعدَّوا هذا المسعى، فبقيَ كلام الله كلاماً مكتوباً جامداً لِعدم اهتمامِهم بتفسير معانيه مُكتفين بحرفيتِه لخُلـوِّ قـلوبهم مِن كـنز المعرفة.

ولهذا نَبَّـهَ يسوع المُصغين إليه، بأنَّ الكاتبَ في العهد الجديد ولإمتلاء قلبِه بكنزٍ مِن المعرفة عن ملكوت السَّموات، عليه أن   لا يَبخل بإخراج كُلَّ جديدٍ وقـديم مِن الخزين الذي في قـلبِه مُستعيناً بالروح القدس الساكِـن فـيه. والكنزُ يَـدُلُّ إمّا على تعليم الكـتبة اليهود التقـليدي بعدما جَـدَّدَه الإيمانُ بالمسيح، وإمّا تعليـمُ يسوع القديم الذي يُعَدُّ ينبوعَ الأمور القديمة والجديدة التي يسعى الى عَرضِها على جَـماعَـتِه، وهم تلاميذه الذين مِن الواجب عـليهم الإنتباه جـيداً الى أقـوال مُعَلِّـمِهم لكي ينتفع مِنها الآخرون عندما ينقلونها صافيةً الى المعروضة عليهم.

يسوع في وطنِه الناصرة

” ولما أتَـمَّ يسوعُ هذه الأمثال ذهَـبَ مِن هناك وجاءَ الى وطنِه، وأخَذَ يُعَلـِّـم الناس في مَجـمَعِهم، حتى دَهِشوا وقالوا: “مِن أينَ له هـذه الحِكـمةُ وتلكَ المُعجـزات؟ أليس هـذا ابنَ النجّار؟ أليستْ أُمُّـه تُدعى مريم، وإخْـوتُه يعـقـوبَ ويوسفَ وسِمعانَ ويهوذا؟ أَوَليس جميعُ أخواتِه عندنا؟ فمِن أينَ له كُلُّ هذا؟ وكان لهم حَجَرَ عَثْرة. فقال لهم يسوع: ” لا يُزْدَرى نَبيُّ إلاَّ في وَطَنِه وبيتِه” ولم يُكثِر مِن المُعجزات هناكَ لِـعَدَم ايمانِهم. ” (متى13: 53 – 58).

تُرى، أليسَ مِن العَبثِ أن يُضاءَ الـنورُ للأعمى في حـين أنَّه لا يُبصِر؟ أو للذيـنَ يُبصِرون ويتهـرَّبون مِـن الـنُّور؟ جاءَ الرَّبُّ يسوع الى مَسكنِه الناصِرة وشرع يُعَلِّمهم في مجمعِهم حتى دَهِشوا مِن تعليمِه وأعمال القدرة الباهرة التي كان يصنعها بُرهاناً على صِحَّةِ تعليمِه ونقائه. فبدلاً مِن أن يعتَزُّوا به وبتعليمِه دفعَهُم الحَسدُ الى الإنتـقاص مِن كرامَـتِه والإستهزاء به على مَسْمعٍ مِنه بسبَبِ تواضُعِه، ألم يَكُن باستطاعَتِه أن يولَدَ في هذا العالم مِن عائلةٍ داود الملك أيام عظمتِه؟ إلاَّ أنَّه اختار بل استحسنَ أن يولد من عائلة اسرائيلية فقيرة لكنَّها مِن سلالة داود. بالتأكيد كان يوسفُ رَجُلاً بارّاً (متى1: 19). أَلم يُبَرهِن يسوع مِن خلال أعماله الخارقة والمُدهِشة باعـتراف كُلِّ مُشاهِـديها ومِنهم أهل بلدتِه وأقاربِه بالرغم مِن عدم ايمانِهم بأنَّه مُرسَلٌ مِن الله؟ ومع ذلك لم تُسعِفه لِغلقِ أفواهِهِم الناطقة بالتجديف عليه. وهل استطاع بِرُّ يوسف أن يضعَ حَداً لإهانة عائـلتِه مِن أُولئك المُتكبِّرين المُعَتَّمة عيونُهم بظلام الضلال، فلا استحسنوا البِرَّ ولا قَبلوا الإستنارة بالنور السماوي.

وكان لهم حَجَرَ عَثْرة: ألم يَكُنْ رؤساء الشعبِ اليهودي ينهبونَه بأشكال متنوعة؟ ألم يأكُلُون بيوت الأرامل؟ أما كانوا يُطيلون صلواتِهم ليتلقّوا المدح مِن الناس؟ فلماذا لم يعثُر هذا الشعب بهم؟ ولكنَّ يسوع اعتبروهُ حَجرَعثرةٍ لهم بسبب تواضُعِه ! لماذا فَـضَّلَ الشعبُ اليهودي الظلـمة على الـنُّور؟ إنَّه الغباء والكُبرياء الساري في كِيانهم، ولذلك لم يرضخوا للحق فرفضوه، وبَرَّروا ذلك لأنفسهم تحت ذرائع وهمية فارغة.

” لا يُزْدَرى نَبيُّ إلاَّ في وَطَنِه وبيتِه” كان قولُ يسوع هذا أصدق وصفٍ انطبقَ عليه، وبخاصةٍ أنَّ هذا الإزدراء صَـدَرَ     مِن الأقرب إليه مِن بين أبناء خاصتِه التي مِن أجلِها جاءَ وهي لم تقبَلْه.

ولم يُكثِر مِن المُعجزات هناكَ لِـعَدَم ايمانِهم. وهُـنا ايضاً بانَ جـلياً عَـدمُ ايمان بني اسرائيل الذي كان ينظر الى نفسه بأنَّه   شعبُ الله المُختار، فجَنى على نفسِه، لأنَّ بابَ البركات المُعَدَّ لهم سُدَّ بوجهِهِـم واختفى زَمَـنُ افـتقاد نعمة الله لهم. وقد ذكر البشيرُ مرقس < ولم يستطِع أن يُجريَ هناك شيئاً مِن المُعجِزات سِوى أنَّه وضعَ يَدَيه على بعض المَرْضى فشفاهم، وكان يتعجَّبُ مِن عَـدَم ايمانِهم (مرقس6: 5- 6). يا وَيـلكم يا بني اسرائيل ومعكم العالَـم الذي لم يَـزَل على مِـثالِكم غيرَ مؤمِنٍ. وطوبى لنا نحن المؤمِنيـن بيسوع المسيح مُخـلِّصِنا ولنكُن أيها الإخوة القرّاء الأعزاء حريصين على جوهرة ايمانِنا القويم   آمين.

الشماس د. كوركيس مردو

عن الكاتب

عدد المقالات : 216

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى