التطرف الديني والقومي والطائفية والارهاب ومستقبل الديمقراطية في العراق (1-2)


نادي بابل

في السلوك والممارسة العملية تقف خلف هذه المفاهيم احزاب وتنظيمات وكيانات سياسية مختلفة من الاسلام السياسي والقوميون تحمل رؤى وتوجهات متباينة , يجمعها الازدواجية السياسية فهي تدعي في وسائل الاعلام انها مع الديمقراطية وهي تتبنى مصالح الشعب وان الخلاف فيما بينها حول البرامج . ولكن في الواقع إنها تتصارع فيما بينها على السلطة والحكم والمصالح وتوظف الدين والقومية كأدوات سياسية لتحقيق اهدافها ,  تخضع هذه القوى لعوامل ضاغطة داخلية وخارجية . وما يلاحظ على هذه الكيانات  انها  تعمل بأجندة خارجية , وتمارس الاضطهاد والعنف والطغيان وتعمل على كبح حرية الفكر وتتجاوز على الحقوق والحريات الشخصية والعامة وتلغي او تهمش الآخر وفي الممارسة لا تؤمن بالديمقراطية , و لكن اخطر هذه الكيانات هو الاسلام السياسي المتطرف الذي يمارس الارهاب . وهناك اسباب كثيرة وراء هذا التطرف منها هو في البيئة التي يعمل فيها , وفي منظومتها الفكرية , وفي ظروف نشاتها وتأسيسها والاهداف التي رسمت لها ودور العامل الخارجي والمال السياسي , وهذه الحركات المتطرفة منتشرة في غالبية البلدان العربية والاسلامية وباسماء مختلفة .

 

لنأخذ  تنظيم القاعدة كمثال واحد من هذه الحركات ورموزها  :

هوحركة سياسية اسلامية متطرفة ورئيسها اسامة بن لادن مسلم متطرف , ويرفع شعار شن حرب مقدسة ضد ( الكفار) وبهذا فهو اوجد تفسيراَ خاصاً للدين  يعطي الشرعية له ولأفعالة ولمصالح حركتة والاهداف التي يبتغيها , فهو بهذا وظف الدين لاهداف سياسية و لمصالح  خاصة وحلل شرعية استخدام العنف ضد ما سماهم الكفار حسب توصيفاته هو . واستخدم التبسيط الساذج لتفسير الآيات القرآنية واعطى تسمية لأرهابه بالحرب المقدسة  .

فهذه الحركة السياسية تستخدم العنف ضد المدنيين وضد البنى التحتية وضد مؤسسات الدول , والهدف الذي يبتغوه من استخدام العنف , هو لبث الرعب والخوف بين المدنيين ليس في الحاضر فقط وانما بهدف ارهابهم لجعلهم خائفين من المستقبل لاجل السيطرة على المجتمع وتمرير مشروعهم الظلامي .

اكدت تجربة العراق ان الحركات السياسية المتطرفة والتي تمارس العنف السياسي , يوحدها الارهاب كعمل وممارسة تلجأ اليه لتحقيق اهدافها , وكفكر وآيدلوجية شمولية متطرفة تسعى لفرضها في المجتمع بالقوة , والادوات التي استخدمت لهذا الارهاب هي كثيرة من التهديد والتخويف والابتزاز والممنوعات والمستحب وغير المستحب , الى الاختطاف والمساومة والاغتيال واستخدام العبوات الناسفة والتفجير والقتل الجماعي من خلال الاحزمة الناسفة والسيارات المفخخة .

 

دوافع التطرف والارهاب دائماَ غير نبيلة وغير صادقة :

ما يطرحة المتطرفون من حجج و دوافع لعملهم الارهابي هذا هو إعلانهم انهم يهدفون لطرد الاحتلال من العراق وافغانستان ويطرحون موضوع تحرير فلسطين …. ألخ مع دعمي لنضال الشعب الفلسطيني في نضالة لاقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . ولكن ما يهمنا هنا هو الارهاب في العراق . ويعتبروة كوسيلة وهدف لتحرير الوطن من الاحتلال , ولكن هذا الهدف لا يبرر اعمالهم الارهابية ضد المدنيين ,هنا تطرح تساؤلات . التسائل الاول هو هل انعدمت كل وسائل النضال السلمي ضد الاحتلال لاجل ان تمارسوا العنف والارهاب ؟ والتسائل الثاني لماذا هذه الاعمال الارهابية  تستهدف  مواطني البلد من الاطفال والنساء والشيوخ و الابرياء ؟ والتسائل الثالث كان العراق في اوائل القرن العشرين محتل من قبل بريطانيا , ثم حصل على استقلال شكلي وبقية تحت الانتداب البريطاني , وكان الحاكم المطلق في العراق هو المندوب السامي البريطاني ثم السفارة البريطانية التسائل هنا لماذا القوى الوطنية والديمقراطية أو ما يسمى بحركة التحرر الوطني آنذاك لم تمارس في نضالها ضد الاحتلال العنف ضد المواطنيين الابرياء؟ اليس هذا مثالاَ حياَ بالتأكيد ليس له جواب من قبل المتطرفين . والجواب كان الفكر الديمقراطي له حضور فاعل في الوضع السياسي من خلال دور الحزب الشيوعي العراقي والقوى الوطنية الديمقراطية آنذاك , فكان لحركة التحرر الوطني آنذاك مهام وطنية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ذات محتوى  تحرري وطني ديمقراطي , لهذا كان النضال سلمياَ و اكتست الحركة آنذاك صفة شعبية , فالتف الشعب بفائته وطبقاته وقومياته واديانه المتنوعة مع القوى الوطنية ومهامها النضالية آنذاك , بلا شك عدا فئة قليلة منتفعة مرتبطة بمصالح المحتل آنذاك . لهذا نجد ان النضال التحرري  الذي خاضة الشعب في فترة الاحتلال الاول كان ليس فقط لم يمارس العنف والارهاب وانما كان ذا محتوى اجتماعي وطني ديمقراطي من هذه الامثلة ان التطرف الديني والقومي , لا يهدف الى تحرير الوطن من الاحتلال بقدر ما ان له اجندة واهداف جوهرها هو فرض فكراحادي على المجتمع والغاء الآخر وفرض اراداتهم ومسك السلطة والحكم وتحقيق المصالح الفئوية وسن قوانين تتعارض مع حقوق الانسان والديمقراطية وفرض نظام شمولي متطرف وارجاع عجلة التقدم الى الوراء .

ان المتطرفين ينطلقون في اعمالهم الارهابية من التفسير الخاطئ للدين فهم يوظفون الدين لهذه الاعمال ولكن السؤال الذي اطرحة هنا هو التالي :

 

هل ترتكز السياسة على الدين ؟:

الاسلام السياسي المعتدل و المتشدد والمتطرف يجيب بنعم السياسة ترتكز على الدين لان لديهم جميعاَ مشروعاَ ظلامياَ للهيمنة الاجتماعية والحكم , يلغي الآخر ويقف ضد الحقوق المدنية والحريات ولا يقبل بالتنوع والديمقراطية . ولكن التجارب الانسانية لشعوب العالم  اكدت على الحقيقة التي لا يستوعبها الاسلام السياسي المعتدل والمتشدد والمتطرف , وبرهنت هذه التجربة أن السياسة لا ترتكز على الدين , لو كانت حقاَ كما يدعي اسلامنا السياسي , فسوف لن يكون هناك سلم اهلي دائم في المجتمع , لان الاسلام السياسي اربك المجتمع العراقي , وخلق اوضاع ورؤى زاد من بؤس الناس ومعاناتهم واشاع اليأس والاحباط وخطف الامل والتفائل, وزاد من تعقيد الناس واختلافهم على الفهم المشترك للقيم الدينية الجوهرية , حيث لا توجد رؤى مشتركة حولها , وما نمو الصراعات الطائفية بشكل غير مسبوق إلا مؤشر واقعي على هذا الخلل الكبير المتعمد الذي يمارسة الاسلام السياسي بتوظيف الدين في السياسة , والطائفية واحدة من الازمات في المجتمع العراقي وهناك ازمات كثيرة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية بنيوية سببها هذا الجهل المتعمد بالاسائة للدين وربطة في السياسة . لو عدنا لتجارب الشعوب ومنها الشعوب الاوربية , حيث كان الرهبان والقساوسة يعطون لمتبعيهم تفسيرات متباينة عن الدين فظهر الانقسام الديني في المجتمع الاوربي , وفقد السلم والامن وظهرت الحروب الاهلية بين ابناء البلد الواحد والدين الواحد , ومنها حرب ال30 عام بين اتباع الكنيسة البروتستانتيه والكنيسة الكاثوليكية , وما نتج عن هذه الحروب من خسائر بشرية حيث كانت المجموعات المسيحية المتخاصمة يذبح بعضها البعض الآخر دون رحمة وشفقة , وماحصل عندنا في العراق هو تكرار لهذه التجربة.  ومن هذا الصراع الدامي في اوربا , وتحت ضغط الحاجة الى السلم الاهلي في المجتمع المدني انتصر العقل الانساني , فتم فصل الدولة عن الكنيسة , وظهرت الدول المدنية الديمقراطية العلمانية في اوربا كنتيجة لما مرت بها المجتمعات من استغلال وتخلف وتوظيف للدين وما نتج عنها من صراعات اجتماعية وسياسية . وهذه تجربة حيه امام الشعوب الاسلامية ومنها شعبنا العراقي الذي لا يمكن ان ينعم بالامن والاستقرار والسلم الاهلي وضمان الحريات بما فيها الحريات المدنية وتحقيق الديمقراطية الحقة وتطور البلد وازدهاره في ظل سيادة الاسلام السياسي , ان كان هذا واقع فمصالح الشعب والاديان السماوية في العراق هي اهم من المصالح الذاتية والاهداف الغير معلنة لتنظيمات الاسلام السياسي , حاجة الشعب والوطن والاديان تتطلب عدم توظيف الدين في السياسة والفصل بينهما من اجل تحرير دين الله والانسان من اصحاب المصالح ورافعي الشعارات السياسية باسم الدين .

 

لماذا اصبح الاسلام السياسي بلا مستقبل :

وجهة نظري هذه ليس لها علاقة بالافكار , فالافكار لا تموت عندما تكون صحيحة وتعبر عن مصالح الشعب وتحمل مشروعاَ ديمقراطياَ انسانياَ للتغير, نحو الرقي والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع وتقف ضد الاضطهاد والاستغلال وانتهاك الحقوق والحريات , وهذا يشكل لهذه الافكار عناصر قوة داخلية , فهكذا نوع من الافكار لاتموت حتى وان سقطت تجربتها او مرت بأنتكاسات, والامثلة كثيرة ومنها سقوط التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية , لكن الفكرالاشتراكي لا يزال حياَ يحمل أفق مستقبلي تتتطلع اليه شعوب كوكبنا , وان سقوط التجربة الاشتراكية جاء نتيجة تناقضات داخلية , رغم ان هذه التناقضات كثيرة لكن أبرزها هو الخلل في الممارسات الديمقراطية , وحصل التناقض الداخلي وإعترفت الاحزاب الشيوعية الحاكمة بهذا الخلل , وسلمت السلطة للشعب بدون إراقة قطرة دم , لهذا فهي تحمل آفاق المستقبل , لانها حلت التنافض بشكل سلمي وعاد الحزب الشيوعي الروسي إلى البرلمان بقوة ونفس الشيئ بالنسبة للبلدان الاشتراكية السابقة , وبقدر تعلق الامر بالاسلام السياسي فانه اولاَ غير جذاب من قبل جماهير الشعب او من قبل الشعوب الاخرى , وثانياَ فرض  نفسه بالقوة على المجتمع فتم ازاحته بالقوة الخارجية  وها هي تجربة افغانستان , فاسقطت دولة طالبان من خلال القوة العسكرية الخارجية , وليس فقط المتطرفون الاسلاميون سقطوا بالقوة الخارجية , وانما كل الافكار المتطرفة في العالم سقطت بالقوة العسكرية , مثال الفكر الفاشي في المانيا وايطاليا سقط بالقوة العسكرية الخارجية في الحرب العالمية الثانية لانه ليس لديه قوة داخلية تساندة , والفكر القومي المتطرف وما يسمي نفسه بالاشتراكية العربية كحزب البعث في العراق سقط بالقوة الخارجية لانه فقد عوامل القوة الداخلية والاسناد الشعبي والجماهيري , وهذه التجارب في العالم والعراق تؤكد ان الفكر المتطرف دائماَ لايمتلك القوة الداخلية فيزاح بسهولة بعوامل خارجية لا يصمد امامها , وانه في الممارسة يلجأ الى العنف ومصادرة الحريات وانتهاك الحقوق ويقف بوجه التسامح الديني ويعادي الديمقراطية فهذه الحركات المتطرفة بلا مستقبل . لهذا فان هذا المصير المجهول للفكر المتطرف هو الآن مطروح كتجربة غنية للدراسة من خلال احزاب الاسلام السياسي حتى المعتدل منها باعادة النظر في منظومتها الفكرية والسياسية وموقفها من الديمقراطية , ومن التنوع الفكري والديني والقومي وموقفها من الحقوق والحرياته الشحصية والعامة , , ومن فصل الدين عن الدولة واقامة الدولة الديمقراطية . لهذا الاسلام السياسي اليوم في العراق امام مفترق طرق . الشارع العراقي ضاق ذرعاَ باحزاب الاسلام السياسي , فهناك عوامل كثيره منها الحراك الاجتماعي ستكون عوامل ضاغطة على هذه الحركات لا سيما وان هذه الحركات لا تستهوي الناس , فرضت نفسها بالقوة من الخارج , هذه الحركات سيكون حالها حال الحركات المتطرفة بلا مستقبل , لان شعبنا لايريد ان يكرر دكتاتورية صدام بفكر شمولي آخر ودكتاتورية ثانية خانقة لحريات الناس , لا سيما ان هذه الحركات بمجموعها تمارس ارهاب من نوع آخر وهو الارهاب الفكري والثقافي والتضييق على الحريات ومحاربة السينما والغناء والموسيقى وفي الممارسة انها ضد الديمقراطية وتعمل جاهدة لالغاء الآخر , ومن خلال قوانين تشرعها , وعلى سبيل المثال إلتقى الاسلام السياسي مع القوميين في قضية واحدة وهي التطرف , بدوافع خارجية ومصالح فئوية  ضيقة اتفقوا على تغيير قانون الانتخابات , وسن قانون لاديمقراطي يلغي حقوق الآخرين ويلغي التنوع الفكري والسياسي في البرلمان , وهذه ممارسة لاديمقراطية تحمل في الواقع سمة ارهابية مقننة بقانون يشرعوه وفق مصالحهم واهدافهم الغير معلنة , لهذا بعد ان ضعفت ما يسمى تنظيمات القاعدة المتطرفة في العراق , ان هذه الحركات الاسلام السياسي والقوميون المتطرفون هم امام انعطافات داخلية قادمة متسارعة وحادة في صفوفهم , نتيجة التناقض بين مصالح هذه الكتل ومصالح الشعب , لهذا ستنشئ من داخل هذه الكتل مجاميع واطراف سيتسع حضورها من قاعدة هذه التنظيمات باتجاه بروزشخصيات و تنظيمات جديدة اكثر اعتدالاَ وايماناَ بالديمقراطية وبناء الدولة المدنية الحديثة التي تضمن الحقوق والحريات . ( يتبع )

23-11-2010 .

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7485

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى