التتر يحكمون بغداد من جديد ويغزون جمعية اشور بانيبال !


يوحنا بيداويذ
يوحنا بيداويذ

بقلم : يوحنا بيداويد 

ملبورن- استراليا

20 ك الثاني 2011

 

تشبه ايام بغداد في هذه الايام، مثل ايام دخول هولاكو إليها ( 10 فبراير 1258م)  الذي اباح القتل وسيل دماء أهل مدينة دار السلام اربعين يوما واربعينة ليلة كما يقال، وراح ضحيتها قرابة مئة الف قتيل او اكثر (1). كما ان نهر دجلة اصبح ازرق او اسود اللون ( بسبب اذابة حبر الكتب)  بعد ان رموا معظم الكتب التي كانت قد ترجمت من الحضارات الاغريقية والفرعونية والصينية والهندية والفارسية اليها في بيت الحكمة  خلال خمسة قرون من الاشعاع الفكري بعد تحولها الى المنارة الفكرية الاولى بين الحضارات الشرقية في حينها .

 

ما اشبه اليوم بالبارحة، فقبل اشهر منعت الحان القيثارة السومرية (2) من الطرب في مهرجان بابل، المدينة الاولى في تاريخ الانسانية، وكأنهم يقولون للناس ان الله لا يحب سماع الموسيقى بتاتا.  لا يعرفون ان احدى صفاة الله هي الجمال وان الموسيقى او الفنون جميعها تتكلم بلغة الجمال نفسه، فهي احدى الطرق للاقتراب من الله هي الابداع والجمال، ولا يعرفون ان الموسيقى هي دواء ( علاج) للمصابين بالامراض العقلية فكيف تكون غير مرغوبة عند الله سبحانه تعالى.

 

ثم  تم غلق نادي اتحاد الادباء العراقيين بحجة ان الادباء حولوه الى محل الدعارة وكذلك  اغلقوا كافة محلات ومطاعم التي تقدم الكحول مستندين الى قرار حزب البعث سنة الصادر في سنة 1994 ، وكأن هذا القرار كان  الوحيد صحيح اتخذه قادة هذا الحزب كانت خاطئة يا للمفارقة!!.

 

بعدها اقدم المجرمين المتعصبين الجدد بمجزرة كنيسة سيدة النجاة فقتلوا كاهنين مع 58 شخص عندما كانوا يتبعدون ويقدمون صلواتهم لله الباري ان يحفظ اهل العراق من اي سوء ، فقتلوهم بدم بارد ثم انتحروا، ثم قاموا غيرهم من نفس الزمرة بمهاجمة المسيحيين وهم في بيوتهم ( في الغدير وغيرها من  الامكان ).

   كان حدث  الاخير قبل بضعة ايام قليلة هو الاغرب، حيث  اقدم التتر الجدد على غارة جديدة  وهي الهجوم على جميعة اشور بانيبال، اهم صرح ثقافي  في العقد التسعينات لا فقط لشعبنا المنكوب بل لجميع العراقيين  وبشهادات عدد من رجال الدين المسلمين والمفكرين العراقيين من العرب والاكراد، فسرقوا ممتلكاتها  ودمروا ارشيفها.

 

امام هذه المشهد المأساوي لم نرى اي عمل  فوري على ارض الواقع ضد هؤلاء ، من قبل المسؤولين السياسيين والدينيين والشخصيات الوطنية سوى تصريحات وبيانات لحفظ ماء الوجه او التهرب من المسؤولية الاخلاقية الملقاة على عاتقهم  وربما كانت مداهنة للقائمين بها!!.

  نعم هناك صورة ضبابية في اروقة ومجالس السياسيين العراقيين، كلهم انزلوا دموع على  مصائبنا وشدائدنا وبؤسنا، لكن اكتشفنا فيما بعد بعضها شبيه بدموع التماسيح. الامر الذي جعلنا  ان ننشكك بأن بعض اطراف من الحكومة هي ضالعة بصورة واخرى في عملية التطهير العرقي التي تحدث لشعبنا، بل الحكومة تعرف هذه الاطراف مثلما كانت تعرف  بالسجون السرية والاعدامات التي جرت فيها بسبب الهوية التي حصلت قبل بضعة سنوات من بعد سقوط صدام، فهي تسمح لمن يقوم بهذه الجرائم  ضد المسيحيين . ليس امرا مستبعد بأن تكون هذه الزمر من العصابات او الميليشيات المتعاونة مع القاعدة وايضا مدعومة من قبل بعض الجهات المتنفذة في الحكومة مثل السيد كامل الزيدي رئيس مجلس بلدية بغداد الذي يبدوا له رجال للمهات الخاصة (على غرار مؤسسة الامن الخاص السيئة الصيت التي كان يشرف عليها حسين كامل ). يقومون بواجبتهم الخاصة ضد المسيحيين عند الطلب ويقولون لهم ( هذه ديار اسلامية ليست مكانهم اخرجوا منها!!!)

لم يعد هناك شيء غريب في العراق  فكل لا معقول اصبح معقولا، من امثلة الامور اللامعولة التي حصلت، ان العراق يحكمه الان عدة حكومات متداخلة ومتصارعة حسب رغبة ومصالح مموليها او حلفائها في الخارج.

كانوا كل هذه السنيين يضعون اللوم على قوات المحتلة  بأنه هي التي تختلق وتفعل هذه الجرائم بين الشيعة والسنة باسم القاعدة . لكن الحقيقة  ظهرت الان، هناك جهات حكومية تلبس رداء القانون وتعمل ما يخالفه او ما يخالف الدستور وتقوم بجرائم باسم القانون نفسه والكل يعلم ويسكت لان القضية هي ضد المسيحيين الذين نزلوا من المريخ في العراق.

 

ان رئيس الجمهورية مام جلال كالعادة يكون اول المصرحيين في مثل هذه المناسبات لحل مشكلة،  لكن كلامه او تصريحاته  كرئيس جمهورية  لا تجد لها صدى لدى السياسيين والكل يعرف ماذا كان رد السيد دباغ ( الناطق الرسمي باسم الحكومة )على مقترح مام جلال عن المحافظة المسيحية. لهذا تغير موقف مام جلال من محافظة اقامة محافظة مسيحية وقتية لحماية المسيحيين المهجرين من قبل التتر المتوغلين في مؤسسات الدولة. الى اقامة مديرية مسؤولة عن شؤون المسيحيين بعدما كان يطالب باستحداث منصب نائب رئيس الجمهورية لمسيحي. ألا يعني هذا هناك تراجع عن موقفه السابق !؟

السيد نوري المالكي  رئيس الوزراء اجتمع مع سفراء الاتحاد الاوربي قبل ايام  ليسمعهم بأنه قدم معلومات مهمة لاحدى دول الجوار ساعدت على عدم حصول كارثة جديدة للمسيحيين في هذه الدولة ، في الوقت نبارك جهوده وجهود كل من يعمل الخير باي شكل وصيغة ولاي عراقي او انسان في العالم ،  نتسأل ما هي الاجراءات القانوية اتخذها  بنفسه ضد الذين يقومون بهذه الجرائم ويخنقون الحريات ، لحل مشكلة اضطهاد اوالتطهير العرقي (هولكوست) للمسيحيين التي يقوم بها البعض من المخفيين وراء الظلام والقانون، لحد الان لم يستطيع السيد رئيس الوزراء وضع حد للميليشيات الارهابية الايرانية او القاعدة او غيرها  التي قضت على معظم علماء ومفكرين والاساتذه العراقيين و غيرها من الجرائم من ضمنهم  التطهير العرقي للمسيحيين، ولم يقدم مجرم واحد منهم للمحكمة كي ينال جزاءه. بالاضافة الى مئات التصريحات من ان الحكومة وضعت يدها على معلومات وملفات المجرمين والضالعين بها بدون معاقبة المجرمين لحد الان.

 

الاخوة الاكراد في كل مناسبة يفتحون اذرعهم لقبول المهاجرين المسيحيين من الموت ( مع شكرنا وتقدرينا لمواقفهم الانسانية) كأنه دولة اخرى ، لكن في المجلس الوطني او مجلس الوزراء او رئاسة الجمهورية ليس لديهم دخل ما يحصل للديمقراطية التي وعدونا كلهم بتحقيقها في العراق الجديد،  كأنه لا يهمهم  ما يحصل الا  ما يخص قضايا الاقليم فقط  وهي اشارة واضحة للحكومة المركزية ومليشياتها بأن يعملوا ما يروق لهم، بدون وجود معارضة لهم  ما يحصل في بغداد. ولكن اذا ما صرح تركماني او عربي بشيء عن مشكلة كركوك ترى تصريحات السيد محمودعثمان تنتشر كالبرق في اخبار العالم.!!

 

السيد علاوي  للمرة الثالثة ينال حصة الاسد من اصوات المسيحيين بإعتبار تياره ديمقراطي وبعيد عن الطائفية والميليشيات الا انه بالرغم كل ما حصل  لم نسمع ما يحرك مائه الراكدة في هذه القضية. بل موقف تياره كان الاضعف في قضيتنا!!

القوى الشيعية المعتدلة لا تستطيع ان تبوح برأيها خوفا من جماعة ايران الذي يسيرون الامور كما تشاء ا سواء شاؤوا  ابوُا  ، هذا كان واضحا من تجربة احتلال الجيش الايراني لموقع نفط الفكة!

اما  الدول المحيطة بالعراق فيظهر انها  في حالة الغبطة  بما يحصل للمسيحيين ،  لان التيار الاسلامي والفكر المتعصب هو الذي يسير في عروق هذه الدول و اغلب المسؤوليين فيها.

 

نعم ما اشبه اليوم بالبارحة، فقبل قرن تماما استولت جميعة الاتحاد والترقي الحكم من الجلاد الكبير عبد الحميد الثاني في الامبراطورية العثمانية ( 1909) على اساس انها تطبق شعارات الثورة الفرنسية العدالة والمساواة والاخاء ، لكن بعد نشوب الحرب العالمية الاولى  1914 اعلنت الحرب على ابنائها من المسيحيين  من كافة القوميات والاقليات لا سيما الذين لم يكن لهم اي تدخل في السياسية مثل الكلدان والسريان. فقلعت المسيحية من جذورها  من  تركيا وضربوا بالسيف الرقاب بدون تمييز ، فقتلوا ما يقارب مليونين من ابرياء  في الامبراطورية لا ذنب لهم مثل اليوم سوى انهم مسيحيين.!!!

 

في الختام انا شخصيا لا اتعجب  مما يحصل  في العراق منذ زمن بعيد، لانني مؤمن بوجود ايادي مسؤولة في الدولة تشترك في هذه الجرائم الانسانية، ودليلي والبرهان الذي اعتمد عليه هو، ما صرح  به رئيس مجلس النواب السابق السيد المشهداني قبل بعضة اسابيع  بكل وضوح من ان مهمتنا كمسلمين في قيادة الدولة اسلمَة العراق!!(3)

……………..

1 – بعض المصادر تبالغ بالرقم الى حد مليون

2- اول الة موسيقى في التاريخ هي القيثارة اخترعت في وادي الرافدين من قبل السومريين قبل 3500 سنة.

3- المصدر : ( المشهداني: وصلنا إلى السلطة ولن نتنازل عن أسلمة العراق ) جريدة المدى، الرابط:

http://www.almadapaper.net/news.php?action=view&id=32887

 

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 49

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى