البستان ، جنة عدن


قرداغ كندلان
قرداغ كندلان

حانت الساعة ليقدم المسيح ذبيحة نفسه علنا أمام التلاميذ والعالم : ” وقال يسوع هذا ، وخرج مع تلاميذه الى عبر وادي قدرون ، حيث كان بستان ، دخله هو وتلاميذه “. ( يوحنا 18 :1)  يبدو ان الانجيلي يوحنا اعتنى أن يقدم لنا الوصف للرحلة الحزينة للمسيح ، وهو خارج من المدينة صوب جبل الزيتون ، مطاردا من التلميذ الخائن والشعب الاحمق ، ليعطينا نفس الصورة النبوية لداود ، ملك اسرائيل ، وهو خارج باكيا حافي القدمين ، هاربا من وجه ابنه أبشالوم الطامع في ملكِ ابيه ، متسلحا بمشورة أخيتوفل ، وبجيش من الشعب الأحمق الذي أغواه ضد أبيه :” وكانت جميع الارض تبكي بصوت عظيم  وجميع الشعب يعبرون ، وعَبَر الملك في وادي قدرون ، وعبر جميع الشعب نحو طريق البرية .” (2صموئيل23:15) ، ” وأما داود فصعد في مصعد جبل الزيتون ، كان يصعد باكيا ، ورأسه مغطى ، ويمشي حافيا ، وجميع الشعب الذين معه غطوا كل واحد رأسه ، وكانوا يصعدون وهم يبكون .”(2صموئبل30:15)

أما أبشالوم الابن الجاهل ، فأصابه سهم في ظهره وعُلق على شجرة ميتا ، وأما أخيتوفل ، صاحب المشورة ، فذهب وخنق نفسه .(2صموئيل23:17)

ألانجيلي يوحنا ، في سرده لحادث البستان ، ليتخذ منها معناً :” حيث كان بستان ، دخله هو وتلاميذه” ، هذا هو بستان ( جشسيماني ) ، الاسم الذي اطلقه كل من الانجيلي متى والانجيلي مرقس ، ويحكى لنا المؤرخ يوسيفوس اليهودي ، ان مثل هذه البساتين الصغيرة كانت منتشرة على جبل الزيتون ، وكانت تدعى بالبراديسوي اي الجنات .  كلمة (جثسيماني) من مقطعين (جاث- شماي) ، وتعني ( معصرة الزيت ) “: من ذا الآتي من ادوم بثياب حُمر ٍ من بُصرَة ، هذا البهي بملابسه ، المتعظم بكثرة قوته ؟ انا المتكلم بالبر العظيم للخلاص . ما بال لباسُك مُحمر وثيابك كدائس المعصرة ؟ قد دُسْتُ المعصرة وحدي ، ومن الشعوب لم يكن معي احد . فدستهم بغضبي ، ووطئتُهم بغيظي ، فرُشَّ عصيرهم على ثيابي ، فلطخت كل ملابسي ، لأن يوم النقمة في قلبي ، وسنة مفديي قد أتت .” (إشعيا63 : 1-4 )

مغزى من ذكر الانجيلي يوحنا (البستان) ليبين لنا انها مقابل جنة عدن ، فكما الإنسان الاول فيها هويته ، إذ طغى عليه الشيطان وأغواه وأحدره الى الارض عريانا ، مفضوحا ، ميتا بجهله ، جاء ابن الانسان ودخلها مصليا ، وانتقم للإنسان ، بأن أسقط الشيطان من السماء كالبرق المنطفيء ، وأحدره الى الهاوية مكبلا بقيود الظلام  واعاد آدم الى رتبته الاولى حيا ،غالبا الموت ، لميراث نعيم الحياة الابدي .  وربما يكون الانجيلي يوحنا قد وضع موضوع المقابلة في أمر جنة عدن والبستان ضمن اعتباره ، إذ يكرر مرة اخرى ان موت المسيح وقيامته كانا في بستان ( جنة ) ايضا :” وكان في الموضع الذي صلب فيه بستان ، وفي البستان قبر جديد لم يوضع فيه أحد قط”  (يوحنا41:19) . بل وأمعن في أمر البستان ، أن مريم توهمت ان المسيح القائم من الموت انه هو البستاني :” فظنت تلك انه البستاني ، فقالت له : ياسيد إن كنت أنت قد حملته ، فقل لي اين وضعته وأنا آخذه “(يوحنا15:20). ولم تعلم مريم أنه ( البستاني ) الحقيقي الذي فلح لنا الفردوس الجديد ، عوض آدم الذي أفقدَنا الفردوس الأول .  أن موضوع المعاناة صبها الانجيلي يوحنا في موضوع تعليمي يليق بموت الذات الإرادي في موضوع موت حبة الحنطة وضمها الى ساعة الصليب : ” وأما يسوع فأجابهما قائلا : قد أتت الساعة ، ليتمجد ابن الانسان . الحق الحق أقول لكم : إن لم تقع حبة الحنطة في الارض وتمت ، فهي تبقى وحدها ، ولكن إن ماتت ، تأتي بثمر كثير . من يحب نفسه يهلكها ، ومن يبغض نفسه في هذا العالم ، يحفظها الى حياة أبدية … الآن نفسي قد اضطربت وماذا اقول ؟ أيها الاب ، نجني من هذه الساعة ، ولكن لأجل هذا أتيت الى هذه الساعة . أيها الآب ، مجد اسمك … الآن دينونة هذا العالم . الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجا . وانا إن ارتفعت عن الارض ، اجذب إلي الجميع ، قال هذا ، مشيرا الى اية ميته كان مزمعا ان يموت .” (يوحنا12 : 23-33 )

هكذا استوفى الانجيلي يوحنا كل تعبيرات جثسيماني وكل انينها وكل تنهداتها ، بل وكل رِعْدَتِها وجَزعِها ، ولكنه صبها في قالب تعليمي .

عن الكاتب

عدد المقالات : 16

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى