الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن/ الجزء الخامس


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

 

 

الجاثاليق مارآبا الكبير 540 – 551 م

بعد وفاة البطريرك الجاثاليق ماربولس في نهاية عام 539م، وفي بداية عام 540 م تَوَلّى الرئاسة مارآبا الكبير! وكانت تلك فاتحة عهدٍ مُشرقٍ وجديد لكنيسةِ الكلدان النسطورية بانتخابِ هذا الرجل العظيم. ولا بُدَّ لي هنا التَطرُّقَ الى بداية حياةِ هذا الجاثاليق الجليل، مُقتَطِفاً إيّاها مِن كتاب(التاريخ السعردي2 ص 62 – 80 – المجامع الشرقية ص 68و95 و 540 -561 والمجدل/عمرو ص 39 – 41 و ماري ص 29 – 53) وُلِدَ لأَبَوين وَثنيَين عام490 م في قرية “حالا ” الصغيرة التابعة لمنطقة (رادان) الواقعة جنوبي جبال حِمرين على الضفةِ الشرقية مِن دجلة ما بين نهرَي ديالى والعُظيم، ومنذ باكورةِ صِباه تَوَسَّمَ فيه والداه ذكاءً مُتَمَيِّزاً، حيث كان نشاطُه الدِراسي ظاهراً ومَوضِعَ حَسَدِ زُملائِه، وما إن أكمَلَ دِراسَتَه للآدابِ الفارسية والعلوم المَجوسية، حتى أُنيطَت به وظيفة كتابية في مدينة حالا، ثمَّ رُقِّيَ الى وظيفةِ مُعاون لرَئيس دائرةِ الضرائب والمُمتلكات الأميرية في منطقةِ بيث أرمايي.  وبينما كان ذاتَ يومٍ عائداً مِن عَمَلِه وعند وصولِه الى مَنطقةِ العبور التي تَتَوَفَّر فيها الزوارق، رَغِبَ أن يَعبُرَ نَهرَ دجلة بِزورقٍ لوَحدِه ليَذهَبَ الى مَنزلِه بمدينة حالا الواقعةِ في الجانبِ الآخر مِن النهر، وفي تلكَ الأثناءِ صادَفَ وجودُ طالبٍ مسيحي مِن مدرسةِ نصيبين لم يَكُن يملكُ أُجرة العبور، فتَقَدَّمَ مِن آبا والتَمَسَ مِنه أن يَعبُرَ معه في الزَورق، لكِنَّ آبا رَفَضَ طَلَبَه، وسار الزَورقُ حاملاً آبا لوَحدِه، وعند وصولِه الى مُنتَصَفِ النهر هَبَّت ريحٌ قوية مُعاكسة رَدَّت الزَورق الى الساحل الذي إنطلقَ منه، بعد سكون الريح وتأَهُّبِ آبا لركوبِ الزَورق ثانية، دَنا مِنه ذلك الطالبُ المسيحي وكَرَّرَ عليه طَلبَه للعُبور معه، فانتَهَرَه آبا وأسمَعَه كلماتِ تَوبيخ واستَقَلَّ الزورق وحيداً، وكالمَرَّةِ الاولى لم يستَطِع العبورَ وعاد أدراجَه الى الساحل، فنظَرَ آبا الى ذلك الطالبِ المسيحي وناداهُ وسأَلَهُ عن إسمِه، فقال له إسمي يوسف واُلَقَّبُ بموسى أيضاً، ثمَّ إستَفسَرَعن ديانتِه فقال له يوسفُ أنا مسيحي وطالبٌ في مدرسةِ نصيبين، فَبَشَّ له آبا ودعاهُ للعبور معه في الزَورق، وسارَ بِهِما الزَورقُ بسكينةٍ وهدوء، وفيما هما يَعبُران كان يوسفُ يَشرَحُ لِآباحقيقة الدين المسيحي بناءً الى طلب آبا، ولدى وصولِهما الى الساحل المُقابل إفترقا  مُوَدِّعَين أحدُهما الآخر.

بعد هذه الحادثةِ ظَلَّ هذا المَجوسيُّ مُضطَربَ الأفكار، وانكَبَّ على البحثِ والإستفسارموصِلاً الليلَ بالنهار، على أمَل الخروجِ مِن هذه الحَيرة والوصول الى القرار! وأخيراً وعِقبَ مُواظبةٍ طويلةٍ على الصوم والصلاة، إنتهى به المَطافُ الى قناعةٍ تامة ورؤيةٍ واضحة لا يَرقى إليها الشكُّ، بأن الديانة المسيحية هي وَحدَها ديانة الحق بلا مُنازِع. واقتضى الأمرُ يوماً أن يذهبَ رئيسُ دائرةِ الضرائب وكاتِبُه الى مدينة قطيسفون فرافقهما آبا أيضاً، فكان ينتهِزُ الفرصة ويذهبُ الى كنيسةِ “كَصِيصتا” ويُصَلّي فيها، فأَحَسَّ به الكاتبُ وهَدَّدَه بإبلاغ رئيسِ الدائرة بالأمر، فرَدَّ عليه قائلاً: أنا نصرانيٌّ ولا أخشى شيئاً، ثمَّ أقدَمَ على تَركِ عَمَلِه الوظيفي وذَهَبَ الى قريةِ “آكيد” واعتمَذَ هناك، بينما يقولُ المؤَرخ الكلداني ماري بأن آبا إعتمَذَ في الحيرة، وكيفما كان الأمرُ فإنَّ آبا شَدَّ الرحالَ الى مدينة نصيبين وانخرطَ في مَدرسَتِها، وبِمُدَّةٍ قياسيةٍ أنهى دُروسَ العلوم الكَنَسية بِتَفَوِّق مِمّا أثارَ إستغرابَ مُعَلِّميه وزُملائِه معاً، وكان أثناءَ الدِراسة مُلازماً لِمُعَلِّمِه مَعنا الذي رُسِمَ لاحِقاً اسقفاً لأَرِزون،(مدينة مَوقِعُها بين ميافَرقين وسِعرد وقد صارت اليوم مبانيها وأديُرتها وكنائسُها أطلالاً) فاصطحَبَه معه وباشَرَ التدريسَ هناك، وفي فترةِ مكوثِه في أرِزون وحتى عودَتِه الى نصيبين لإستِكمال دُروسِه، تَمَكَّنَ مِن إرشادِ الكثيرين مِن اليعاقبة المونوفيزيين وإعادَتِهم الى النسطرة.

 

استغلال آبا مُفاضلة الروم الدراسية

يقول المؤَرخُ الأب (لابور في تاريخه ص 164 – 165) بأن الدارسين النساطرة الراغبين في استكمال دراساتِهم العالية في مدارس ومَعاهد المَملكةِ الرومانية، كان يُسمَحُ لهم بذلك لكَونِهم يُؤمِنون بطبيعَتَين للمسيح على غِرار الكاثوليك، أما المونوفيزيون اليعاقبة المنادون بالطبيعة الواحدة للمسيح، فلم يَكُن يُسمَح لهم بالدراسة فيها، فاستَغَلَّ آبا هذه المُفاضَلة وانتهَزَ الفرصة فَعَبَرَ الى مَملكة الروم وهو يَنوي في قَرارةِ نَفسِه الى تَحقيق هَدَفين أوَّلُهما: الإستِزادةُ مِن العِلم والمَعرفة وثانيهما: زيارةُ الأماكِن المُقدسة واللقاءُ بسَركيس الرِشعيني المُشَوَّشةِ أفكارُه بين البِدعةِ الأريوسية والإعتقاداتِ الوَثنية، وقد ذَكَرَعنه (السِمعاني2 ص 323) بأنَّ الرِشعيني كان فيلسوفاً وطبيباً بارعاً، مُتمَكِّناً مِن اللغتين الكلدانية واليونانية، تَرجَمَ الكثيرَ مِن الكُتُب الطبِية والفَلسفية مِن اليونانية الى الكلدانية وكَتَبَ مَقالاتٍ شَتّى. ويقول الأب (لابور ص 168) لقد تَمَّ اللقاءُ بين آبا والرِشعيني على انفرادٍ، بيدَ أنَّ تفاصيل ما دارَ بينهما مِن الجِدال لم تُعرَف، إلاّ أنَّ الأب لابور رَوى في تاريخِه، بأن آبا أقنَعَ الرِشعيني بإقتِدار لا يَرقى إليه الشكُّ بالحقيقة الناصعة مِمّا حَمَلَ الرشعيني على نَبذِ الأريوسِيةِ والمَيل الى الكَثلكةِ واعتناقِها ووَقَفَ الى جانِبِ الكاثوليكيين بِصلابةٍ ضِدَّ البِدعةِ المونوفيزية وراح يُحاربُها بلا هَوادة، وأشهَرَعلى المونوفيزيين حَرباً كلامية ضارية مُفَنِّداً تعليمَهم المُنتَقِص للآلوهية، حتى إنَّهُ قامَ في عام 535م بزيارةِ أنطاكيا والتقى بالبطريرك أفرام الخصم اللدود للمونوفيزيين (اليعاقبة) وأوقَعَ لَدَيه بأزيلوس اسقف رأس العَين المونوفيزي اليَعقوبي، ومِن هناك عَرَّجَ على روما وقابَلَ البابا أغابيطوسوالتَمَسَ مِنه أن يُرافقَه الى القسطنطينية، فنَزَلَ عند رَغبتِه حيث ذَكّرَ المؤَرخ الأب دوفال في كتابِه(الآداب السريانية ص 365- 366)بأن البابا آغابيطوس لَبّى طلب الرشعيني وأمَرَ بطردِ كافةِ المونوفيزيين مِن القسطنطينية، تُرى، كيف يُمكنُ تصديقَ إدِّعاءِ المؤَلِّفين المونوفيزيين (اليعاقبة) بحسب ما جاء ف (النصوص السريانية ط . لاند3 ص 289 – 290 و 365) بأن سركيس الرشعيني كان يعقوبياً! عِلماً بأن تلاميذَه كانوا نَساطرة ومِنهم تيودوراسقف(مُرو) وكثيرون غيره .

 

واصَلَ آبا تَنَقُّلَه مِن مَكان الى آخر، حيث تَرَكَ رأسَ العَين (ريشعَينا ܪܫ ܥܝܢܐ) التي جاءَ إليها برفقةِ سركيس الرشعيني مُتوَجِّهاً الى مدينةِ الرُّها، وكان  يُقيمُ فيها أحدُ طُلاّبه المَدعو توما الرُّهاوي رَحَّبَ به واستضافه في داره، وفي فترة إقامَتِه عند تلميذه توما، تَعَلَّمَ آبا اللغة اليونانية مِنه لأنَّ توما كان يُجيدُها، فأتقَنها آبا كإتقانِه الكلدانية والفارسية، ثمَّ غادَرَ آبا مُستَصحِباً معه تلميذَه توما الى الأماكن المقدسة ومِنها قَصَدا الى الإسكندرية في مصر، واستطاعا هناك هِداية الكثير مِن الوثنيين وإعادةِ المونوفيزيين الى النسطرة، مِمّا أوقَدَ الغَيضَ في قلوبِ المونوفيزيين فحاربوهما بالتهديدِ والوعيد، فاضطرّا للهروبِ الى أثينا ومِنها إنتقلا الى القسطنطينية ومَكَثا فيها مدة سنة كاملة، أشارالى ذلك المؤَلِّف اليوناني”قزما انديكوباستيس”في كتابه(الطوبوغرافيا المسيحية المؤلف بحدود عام 542 م ص 73) وتعني الوصف الدقيق للأَماكن المسيحية، < حيث أقَرَّ بأنه قد حَصِلَ على هذه المعلومات مِن الرَجُل الإلهي والملفان العظيم (باتريكيوس =  الكلداني آبا وتعني الأب) مُشَبِّهاً إيّاه بإبراهيم القادم مِن بلادِ الكلدان، وإني تأَكَّدتُ مِن استقامةِ عِلمِه وعَظمَةِ تقواه اللتَين أهَّلتاه لِتَبَوِّءِ كُرسيِّ مطرانيةِ فارس الكبير ثمَّ كُرسيِّ الجثلقة >(تاريخ لابور ص 166)  وقد وَرَدَ في قِصَّةِ حياتِه أنه خلال بقائِه في الاسكندرية دأَبَ على تفسير الكُتُب المقدسة باليونانية، أما (التاريخُ السعردي ج2 ص94) فيذكرأنَّ آبا كان يُفَسِّرُ بالكلدانية وتِلميذُه توما يُترجمُ تفاسيرَه الى اليونانية، ويُضيف التاريخ السعردي، بأنه بعد حربٍ طويلة تَمَّ عقد الصلح في عام 532م بين الملك البيزنطي يوستٍنيانوس والملك الفارسي كِسرى أنوشِروان وعلى إثرها، يروي(السمعاني3 /2 ص 927) طلبَ يوستنيانوس مِن أنوشِروان أن يَبعَثَ إليه فريقاً مِن العلماء والمؤَلفين الكلدان النساطرة لإجراء مناظرةٍ دينية بحضوره مع عُلماء الكلدان اليعاقبة، فأوفَدَ إليه إيشاي المُفَسِّر مِن المدائن، بولس مطران نصيبين، بَرصوما اسقف قَردو، بابي اسقف سنجار، ماري اسقف بلد، وإيشوعياب الأرزوني الذي اعتَلى كُرسيَّ الجثلقة بعد حين، وانضمَّ إليهم آبا وتلميذُه توما الرُّهاوي، ودارَ الجِدالُ والحِوار بين الجانبَين الكلداني النسطوري والكلداني المونوفيزي اليعقوبي لمُدَّةِ ثلاثةِ أيام، أصغى الملك الروماني البيزنطي يوستِنيانوس الى المُناظرة بإهتمام بالغ، وقد أنهاها بمُخاطبة المُتحاورين مُستصوِباً الآراءَ والتفاسير التي قَدَّمَها العلماءُ الكلدان النساطرة فقال عنها  بأنها “الأسمى إيمانياً والأرقى لاهوتياً مِن تلك التي قَدَّمَها العلماءُ المونوفيزيون اليعاقبة “، فأكرمَ وفادَتهم وأذِنَ لهم بالعَودة الى بلادِهم.

 

عودة آبا الى نصيبين

صدمة آبا من تردّي الأوضاع

ويَتَحَدَّثُ كتابُ (التاريخ السعردي ج2 ص 64) عن آبا، بأنه عندما عاد الى نصيبين وشاهَدَ مَدى الإنحِطاط الذي آلَت إليه أوضاعُ الكنيسة خلال عَهدِ الرئاسة المُزدَوَجة لِنرساي وإيليشاع المار ذِكرُهُما، أخَذَ مِنه الأَسَفُ مأخَذَه، وقَرَّرَ الإنزواءَ بعيداً للعِبادةِ والتَنَسُّك، ويُضيف(التاريخ السعردي ج2 ص 65) بَيدَ أنَّ أهاليَ نصيبين ورئيسَ مَدرستِها إبراهيم دبيث رَبّان وأساقفة الأبرشية إجتَمَعوا به وتَحَدَّثوا إليه قائلين، بأنَّ الكنيسة وفي هذا الظَرفِ بالذات باَشَدِّ الحاجةِ الى مَواهَبِكَ ومؤَهَّلاتِكَ، ولذلك نُطالِبُكَ بالعدول عن قَراركَ لِتَقودَ زمامَ التعليم والتفسير والتَرجَمة، فحديثُكَ ذَهَبيٌّ واسلوبُكَ جَليٌّ سَهلٌ على الفَهم غيرُ عَصِيٍّ، فما كان مِنه إلاّ الإستِجابة الى مَطلَبِهم، وشَمَّرَ عن ساعِدِ الجِدِّ وأَخرَجَ مِن فَمِه الدُرّرَ المَعرفِيَّة المخزونة، وبَذَلَ مَسعىً كبيراً لإصلاح الكثير مِن الامور الخاطِئة ورَدَّ الزائغينَ عن طريق الحَقِّ المُبين أمثال تيئوفيلا الجاحِد وكثيرين غَيره.

 

ولِرَغبَة آبا الشديدة بإحلال السلام في الكنيسة، ورد في(المجدل/عمرو ص 40 وماري ص50 والتاريخ السعردي2 ص 66 ومُقدمة ميامر نرساي /ط . منكنا ص 38) بأنّه غادَرَ نصيبين بعد مكوثٍ فيها غَير طويل الى المدائن، وفتَحَ مدرسة هناكَ وباشَرَ التعليمَ فيها بِمُنتهى الهِمَّةِ والنشاط، ولم يَمُرَّ وقتٌ يُذكَر ولأَسبابٍ لم تُعرَف أُغلِقَت مدرسة نصيبين الكُبرى بأَمر مِن الملكِ الفارسي كِسرى أنوشِروان لمُدَّةِ سنتين، فهَرَعَ مُعظمُ طُلاّبِها للإلتحاق بِمَدرسة آبا في المَدائن مُعَلِّمِهم السابق في مدرسة نصيبين، وعندما فُتِحَت مدرسة نصيبين ثانية بعد انتهاء مدة غَلقِها يقول (ماري في المجدل ص 52 )عادَ إليها بعض تلاميذِها السابقين، وفضَّلَ البعضُ الآخر مُثابرة الدراسة بمدرسة آبا بالمدائن ومِن جملتهم ايشاي وراميشوع اللذين أصبحا مُفسِّرَين فيها فيما بعد كما أشارَ الى ذلك نَرساي المَلفان في مُقدِّمَةِ مَيامِره، ومِن الجدير بالذِكر أن الكثير مِن تلاميذ آبا المتمَيِّزين تَقَلَّدوا مَناصبَ اسقفية وقد وردت أسماؤُهم في كتاب(التاريخ السعردي ج2 ص 79 والمجدل/عمرو ص 40)، فرُسمَ نرساي اسقفاً للأنبار وخَلِفَه بعد وفاته راميشوع، أما يعقوب فرسم اسقفاً لكَرخ سلوخ، وبولس لنصيبين، وموسى لكرخ ليدان، وبَرشبثا لشهرقرد، وشوحالمارن لكُشكُر، وداود لمرو،  وحزقيال لزابي  وقد أصبح جاثاليقاً بينما أصبح قَيّورا مُعَلِّماً في الحيرة، وسركيس في أربيل.

 

إصلاحات مارآبا وأسفاره

أشادَ الملفان الكبير نَرساي في مُقدمة مَيامِره بتَمَيُّز آبا بفَيضٍ مِن الفضائل وغَزارةِ العِلم ودَماثةِ الخُلق، فنالَ مَحبَّة الشعبِ كُلِّه، كما خَصَّه الملكُ الفارسي كِسرى أنوشِروان بِدَعمِه وإكرامِه ولا سيما أنَّه مُقبلٌ لِخوض حَربٍ ضِدَّ غريمِه ملكِ الروم فهو بحاجةٍ الى دِرايَتِه بمَناطق بلاد الروم التي تَجَوَّلَ فيها رَدَحاً مِن الزَمَن، فيكون الإرشادُ حَتماً سديداً لديه. ويروي (التاريخ السعردي2 ج ص 65) فعندما تُوِفِّيَ مار بولس الجاثاليق (البطريرك) جَرَت مشاوراتٌ ومداولاتٌ بين المؤمنين والمسيحيين المُتنَفِّذين لدى القصر الملكي مِن الكُتّابِ والأَطبّاءِ والمُستشارين واستقرَّ رأيُهم على انتخابِ آبا جاثاليقاً (بطريركاً) خَلَفاً له، وطِبقاً لِما رواهُ (التاريخُ السعردي2 ج ص 78) عن ايشوع بَرنون البطريرك، بأن آبا كان يَومَها في الحيرة وتَمَّت مَراسيمُ رسامتِه فيها في بداية عام 540م، فأمر الملكُ كِسرى الأول أنوشِروان بإرسال قافلةٍ كبيرة مِن خَيّالتِه لمُرافقةِ مَوكِب الجاثاليق (البطريرك) مارآبا وحاشيتِه في طريق قدومِه الى المدائن العاصمة رغبةً مِنه في إضفاءِ مَهابةٍ على الموكِب تليقُ بمقامِه مِن عِزٍّ وإكرام .

 

مجمع ساليق السابع 544م

كان بولس الجاثاليق قد وضع بَرنامجاً يتضمَّنُ قواعدَ وافية لإصلاحاتٍ شاملةٍ تجعلُ الكنيسة بتطبيقِها ذاتَ هَيبةٍ ومَنعة، إلا أنَّ الموتَ عاجلَه قبل الأوان، فوقع عِبءُ تنفيذِها على عاتق خَلَفِه ويا له مِن نِعمَ خَلَفٍ لخَير سلفٍ، فقد باشرَ مارآبا باكورة رئاستِه بمُنتهى الشجاعةِ والإقدام تحدوه غَيرة عارمة للقيام بأعباءِ واجِبِه خَيرَ قيام. لقد كان الإنشقاقُ الكنسي المُزمِن قائماً والفوضى ضاربة أطنابَها في المِحور الكنسي، ففي كُلِّ مدينةٍ مطرانان أو اسقفان وفي كُلِّ كنيسةٍ مذبحان مُستقلان والشعبُ مِن جانبِه حَيران! وإزاء هذا الوضع  كَتبَ مارآبا أمراً وعَمَّمَه على جميع مطارنة وأساقفة المَملكة للحضورالى المدائن، فامتثل الجميعُ لأمر الجاثاليق وتَمَّ عقدُ مجمَع ساليق السابع برئاستِه عام 544 م، وبعد مُداولاتٍ ومُناقشاتٍ مُستفيضة بين الآباء المُجتمعين أسفرت نتائجُها عن القرارات التالية : –

 

1 – إذا كان للمدينة اسقف واحدٌ صالحاً ومُستقيماً لا شائبة عليه، يبقى على دَرجتِه ويُثَبَّت على كُرسيِّه حتى لو كان مرسوماً في عهد الرئاسة المُزدوجة لنَرساي وإيليشاع.

 

2 – إذا كان هنالك اسقفان يتنازعان الكُرسي الواحد، يُثَبَّت الأصلح مِنهما، وتُرفعُ عن الثاني الدرجة الاسقفية، ويُمارس واجبات الدرجة الكهنوتية فقط .

 

3 – إذا وُجدَ اسقفان على كُرسي واحد، وكان كلاهما مُستقيمَين، يُثَبَّتُ الإثنان وتكون الرئاسة للأقدم في الرسامة ويكون الثاني مُعاوناً له، أما إذا كان كلاهما غيرَ صالحَين، فيُجَرَّدان مِن الدرجتين الاسقفية والكهنوتية ويُطردان مِن الخدمة الكنسية.

 

كانت الأبرشياتُ والرَعِياتُ في المنطقة الشمالية قد انتفى عنها الخصامُ والإنشقاق على عهدِ مار بولس الجاثاليق، وقد أكَّدَ ذلك مارآبا في رسالةٍ رَعَوية له بعِنوان (تَرتيب الأَعمال الصالحة) جاءَ فيها، إن أكثر الأَبرشيات قد نَعِمَت بأجواءِ السلام وتَوَطَّدَت امورُها بالخير منذ زمان. أما الأبرشياتُ والرعياتُ في منطقة كلدو الجنوبية وفارس والأَهواز فكانت لا تزالُ في حالةٍ مِن الفوضى سَيِّئةٍ جداً، حيث كان قد تَبارى في ساحةِ مَلعبِها نَرسايُ وإيليشاع الجاثاليقان الغريمان وأثقلاها بعدَدٍ  كبير مِن الأساقفةِ والكهنةِ يَرسمانهم على هواهما، فعَزَمَ مارآبا على إستئصال شأفةِ هذا الشرِّ الضاربِ أطنابَه هناك، وقَرَّرَ الذهابَ بنفسِه الى تلك المناطق يُرافقه عدَدٌ مِن المطارنةِ والأساقفة وإثنان وثلاثون كاهناً وشمّاساً مِن إكليروس المدائن وأكثر مِن ثلاثين عِلمانياً، واستَهَلَّ جَولَتَه ببلادِ الكلدان ثمَّ بلاد فارس وأخيراً مَنطقة الأَهواز، فأجرى إصلاحاتٍ كبيرة بإتخاذِه إجراءاتٍ حاسمة، حيث قامَ بإسقاطَ الدرجَتَين الاسقفية والكهنوتية عن الذين حصلوا عليهما بدون إستحقاق وتنحيتِهم عن الخدمة الكنسية ومَنحِهما للمؤَهلين وإحلالِهم بأماكنهم. إنَّ هذه الأعمال الإصلاحية الجليلة التي أنجزَها مارآبا الكبير قد دُوِّنَت في وثيقةٍ عُرفَت بـ (وثيقة الإصلاحات) وَقعها مارآبا وجميع مُرافقيه مِن المطارنة والأساقفة الى جانبِ تسعةٍ وعشرين كاهناً وخمسةٍ وثلاثين عِلمانياً مِن الأشراف المؤمِنين.

 

التأثيرات السلبية

لقد استطاع مارآبا الجاثاليق الكبير إجتِثاثَ بؤَر الإنشقاق مِن أرجاء الكنيسة، إلاّ أن الآثار السيِّئة لذلك الإنشقاق إنعكست بشكل سلبي على الكثير مِن المسيحيين وكانت لا زالت ظاهرة ومِن جملتِها: ضُعف الإيمان، رَداءَة السيرة والإقتداء بالعادات الوثنية <  كالزواج بإمرأَتَين، الزواج مِن زوجة الأب أو الأخ، الزواج مِن العَمَّة أو الخالة أو الاخت أو الكَنَّة > فرَغِبَ مارآبا قبل أن تُوَدِّعَه حاشيتُه إستِئصالَ هذه العادات المُستهجَنة والخاطِئة مِن أساسِها، فأصدَرَ قانوناً جاثاليقياً “بطريركياً” بعِنوان (تدبير الأَعمال الصالحة) مُوَجَّهاً الى جميع مطارنة وأساقفة وعموم إكليروس الكنيسة الشرقية ومسيحيي المَملكة كافة، نوردُ فيما يلي بعض المُقتطفات مِنه (( في الوقتِ الذي نُقَدِّم الشُكرَ للهِ القدير على نِعمَتِه، والتقدير الكبير لملكِ الملوك كِسرى الأول أنوشِروان لهِمَّتِه بإنقاذِنا مِن مَخاطر الرئاسة المُزدوجة لكنيستِنا وعَودة أمور الأَبرشيات الى نِصابِها الصحيح بحلول السلام فيها، رأينا مِن الواجبِ علينا أن نَلتَفِتَ أيضاً الى تقييم امور العِلمانيين مِن أبنائِنا وإصلاحِها كما فعلنا بالنسبة الى الإكليروس، فنحن والمطارنة والأَساقفة الذين عَمِلوا معنا على إصلاح الشؤون الكنسية بكُلِّ عَزم وهِمَّة، قَرَّرنا أن يَتِمَّ الزواج بموجب القانون الكنسي الصحيح والصريح، فلا يجوز للرَجُل الزواجَ مِن إمرأة والده أو زوجة عَمِّه ولا مِن عَمَّتِه أو خالتِه أو اختِه أو كَنَّتِه أو إبنةِ ولدِه أو إبنةِ إبنتِه كعادةِ المجوس، ولا يجوز له الزواجُ بإمرأةِ أخيه كما يفعل اليهود، ويُحظرعلى المؤمِن الزواج مِن غير مؤمِنة أو بإمرأَتَين، والذي يتجَرأ ويُخالف أيَّ واحدةٍ مِن هذه المَمنوعات يَرتَكِب خطيئة، وستُمهِلُه الكنيسة شهراً أو شهرَين أو ثلاثة  ولغاية سنة واحدة وفق رؤية الكنيسة للحالة فإذا نَدِمَ وتابَ يُقبل وإذا لم يَتُب يُحرَم )) إن هذا القانون مطبوع مِن قبل الأَب بيجان ضِمن(قِصَّة يَهبَلاها وثلاثة جثالقة آخرين ص 274 – 287) والأب بيجان في (المجامع ص 80 – 85) .

 

لم يَرُق للمجوس إستِتبابُ السلام في الكنيسة ونفورُ المسيحيين عن عوائِدِهم الوثنية وقيامُ مارآبا البطريرك بِحَسم خلافاتِهم، لذلك إمتلأَت قلوبُهم بالحقد والبغضاء وأضمَروا الشرَّ لمارآبا، وراحوا يتحَيَّنون الفرص للإيقاع به، فتَعَرَّض للإضطِهاد والنفي ولمُضايقاتٍ لا حصر لها، ولكنَّ كُلَّ هذه المؤامرات والمصائب والأهوال لم تَنَل مِن عزيمته للقيام بأعمال اخرى باهرة.

 

إضطهاد مارآبا

يروي(التاريخ السعردي2 ص 66 – 67) بعد عودةِ الجاثاليق مارآبا مِن جَولتِه الإصلاحية في الأبرشيات الى المدائن عام 541م مُرتاحاً لنتائجِها الإيجابية، حيث غَدت الامورُ تجري في مسارها الصحيح، فباشرَ كما وَرَدَ في الكتاب الذي يَروي قصته بتمضية ساعاتٍ طويلة مِن ليلِه في كتابة رسائل الى كافة كنائس البلاد يُضمِّنَها تعليماتِه وتوجيهاتِه الى الأساقفة والكهنة، ليسيروا على ضوئها في إدارة شؤون كنائسهم، ومنذ الصباح الباكر ينكَبُّ الى تفسير الكتاب المقدس حتى الساعة الرابعة بعد الظهر، ثمَّ يتفرَّغ لإستقبال المؤمنين للنظر في حَلِّ الخلافات الناشئة بينهم، فيُزيل الخصام ويُحِل الوئام ويمتدُّ ذلك الى ساعاتٍ مُتأخرة مِن المساء .

 

لم تَدُم فرحة المؤمنين بجاثاليقهم العظيم وإنجازاتِه الكبيرة إلاّ أشهُراً قليلة، فقد كان كبارُ المجوس واقفينَ له بالمِرصاد آخِذاُ مِنهم الإنذِهالُ مأخذَه للأعمال التي يقومُ بها والإصلاحات التي نَفَّذَها في كنائس المملكة كُلِّها، ومِمّا زاد مِن حَنَقِهم عليه أكثر مِن غيره، طاعة المسيحيين لأوامِره لا سيما في نَبذِهم لعوائدِ المجوس بخصوص الزواج الى جانب قدرتِه الفائقة في فَضِّ النزاعات التي كانت تحدُث بين المسيحيين وأتباع الديانة المجوسية، فكانوا يتحَيَّنون الفرصة المُناسبة للإنتقام مِنه، ففي عام 540 م، يقول المؤرخ الأب(لابور ص 177) بأن الملكَ الفارسي كِسرى الأول أنوشِروان خَرقَ بنودَ مُعاهدةِ الصلح المعقودة بينه وبين الملكِ الروماني يوستِينيانوس في سنة 532 م، مُستَغِلاًّ إضطِرابَ الأوضاع في مملكة الروم، فزَحَفَ بجيشِه نحو الديار السورية الواقعة تحت نفوذ السُلطة الرومانية، واستولى على عددٍ مِن مُدِنها ومِن بينها حلب وأنطاكيا، فعملَ فيها قتلاً ونهباً وسبياً لعددٍ كبير مِن سُكّانِها، وأخذ الجزية مِن مَدينتي تَلاّ ودارا كما يقول المؤرخ دوفال(التاريخ الرهاوي ص201 – 202) أما الجزية والهدايا التي بعثها إليه أهالي حَران، فرَدَّها إليهم تقديراً مِنه لبقائهم مُحافظين على الديانة الوثنية، ولدى عودة أنوشِروان الى المدائن العاصمة، يقولُ (عَمرو في المجدل ص 42 والتاريخ السعردي2 ص 90 والمجامع ص 108) بأنه أمَرَ ببناء مدينةٍ جديدة أطلق عليها اسم(أنطيخِسرو) وتعني ” أنطاكية خِسرو” وسمّاها الكلدان (ماحوزاحَثّا) وتعني “الحصن الجديد ” ودعاها العربُ (رومية) خَصَّصها لتسكين الأسرى المَسبيين مِن المَناطق السورية، وقد شَجَّعَه نجاحُ غزوه هذا على تجهيز جيش كبير، وقاده نحو بلاد الأرمن ولازستان فهاجَمَها ولكنه رُدَّ على أعقابِه مِن قبل الرومان، وأعاد الكَرَّة عام 543 م على بلاد الأرمَن وبحسب(التاريخ الرهاوي ص 201 – 210) ألحقها بحَملةٍ اخرى عام 544 م على الجزء الواقع تحت النفوذ الروماني مِن بلاد ما بين النهرين وأحكمَ الحِصارَعلى مدينة الرُّها، ولفَكَّ الحصار الذي ضاق الرُّهاويون بطولِه، أقدموا على دَفع جزيةٍ كبيرة مِقدارُها (500 وزنة) مِن الذهب، قَبِلَها الملكُ الفارسي وانسحب بجيشِه مِنها.

 

اضطهاد الكلدان النصارى

خِلال سِني الحربِ السِت التي خاضها الملكُ الفارسي كِسري الأول أنوشِروان ضِدَّ الرومان والتي إنتهَت عام 546 م بعقد الهُدنة، يقول(التاريخ السعردي ج2  ص 101) ذاقَ الكلدانُ النصارى الأمَرَّين نتيجة الإضطهادات البشعة التي سَمَح بها الملكُ بسببِ غَضَبِه على البطريرك مارآبا لرَفضِه مُرافقتَه الى ساحاتِ الحرب لغرض تشجيع النصارى المُنخرطين في الجيش ليبلوا بلاءً حسناً في الحرب، وكان امتناعُ مارآبا لعدم رَغبتِه بُمشاهدة سَفكِ دِماء الأبرياء، فكانت تلك فرصة ذهبية للمجوس الحاقدين على الجاثاليق للإيقاع به لدى الملك. ففي عام 541 م وفور خروج الملك كِسرى مِن المدائن قاصداً بلادَ الأرمن، إستَغَلَّ المجوس هذه المُناسبة، وطلبوا مِن مارآبا المثولَ أمام مَجلسهم، وأُجبِرَعلى ذلك ثلاث مَرّات مُتوالية، ولكنَّهم عَجِزوا عَن إثبات أيِّ مَقلبٍ أو حُجَّةٍ عليه، فأخذتهم الحيرة مِن أمره، وفيما هم مُنهمِكون لتلفيق تُهَم ضِدَّه لتجريمه، تَقَدَّمَ حاكمان فارسيان الى مجلسِهم بشكوى ضِدَّ الجاثاليق مارآبا، مفادُها بأنه لدى قيامِه بزيارة بلاد فارس أدخلَ الى الدين المسيحي عدداً كبيراً مِن المجوس، وأمر المسيحيين أتباعَه بنبذ العوائد المجوسية، فلما سَمِع رئيسُ وأعضاءُ المجلس ذلك الإتهام عَلا صُراخُهم قائلين، إنه يَستحقُّ عقوبة الموت، فالتَفَت رئيس المجلس الأعظم الى مارآبا طالباً مِنه الإجابة على الإتِّهام، ولما كان مارآبا واثقاً مِن حُظوَتِه لدى الملك، رَدَّ بجَرأةٍ قائلاً، لستُ مُستعِدّاً للجواب إلاّ إذا أمرني ملكُ الملوك، فلم يَجسُر أحدٌ مِنهم أن يُسيءَ إليه، ولكنَّهم إصطحبوه معهم الى الملك إذ لم يكُن قد إبتعدَ عن المدائن كثيراً، فلما مَثُلوا أمامَ الملك، أخبروه بما جَرى بينهم وبين جاثاليق الكلدان، فأشار الملكُ الى الجاثاليق مارآبا أن يُجاوبَ على أسئلة المجوس، فأجابَ بمُنتهى الشجاعة، إنني مُجبَرٌ على قبول كُلِّ مَن يُريد أن يعتنقَ الديانة المسيحية، ومُلزَمٌ أن أمنعَ المسيحيين عن مُمارسة العوائد المجوسية، فامتعض المجوسُ مِن جواب الجاثاليق وحكموا عليه بالموت، ولكنَّ خوفَهم مِن الملك إضافة الى خوفِهم مِن رَدِّ فعل المسيحيين المُقَرَّبين مِن الملك، لم يتجَرَّأوا على تنفيذ الحُكم، وفجأة هَبَّ في تلك اللحظة “أبروداق المدائني” وهو أحدُ مُقَرَّبي الملك مِن المسيحيين ووَجَّهَ توبيخاً لاذعاً لأؤلئك المجوس قائلاً لرئيسهم الأعظم “دادهرمزد” بإستهزاء إذا رَغِبتَ أنتَ بالذات إعتناقَ المسيحية ستلقى بالتأكيد قبولاً مِن مولانا الجاثاليق، ولن يطرُدَكَ المسيحيون مِن الكنيسة ” وبالرغم مِن قساوةِ  ومَرارة كلام أبروداق على المجوس، إلاّ أنهم لم يَسَعهم مَسَّه بأيِّ ضَرَر أواعتداء نَظراً لكَونِه واحداً مِن أعظم رجال الدولة، وعلى اثر ذلك قاموا بمقابلة الملك، وأبلغوه بما خاطبهم أبروداق طالبين مِنه مُعاقبتَه، لكن الملك رفض طلبَهم قائلاً: ولماذا لم تُحاكِموه على الفور؟ فأُسقِطَ في يَدِهم وهَمّوا بالبحثِ عنه ليُحاجِجوه لكنَّهم خابوا في مَسعاهم لأن الملك كان قد أوفَدَه في مُهِمَّةٍ الى المدائن.

منع عودة مارآبا

لم يُسمَح لمارآبا الجاثاليق بالعودة الى المدائن، فلَبِثَ في المُعسكر ما يقرُبُ مِن عشرةِ أسابيع، يُلاحِقه المجوسُ بحَنَق وتَحامُل وهم يَسعَون بكُلِّ جُهدِهم لإيغار قلبِ الملكِ بالحقدِ عليه، والمؤسِف له أنهم كانوا يَلقون تأييداً مِن بعض المسيحيين الحاقدين على الجاثاليق بدافع التَمَلُّق للمجوس ومِن أبرزهم كان المدعو دينيداد الشمراوي. وفي خِضَمِّ هذا الجَو المُتوَتِّر إنتابت الحيرةُ الملك، ولم يستَقِرَّ على رأي، فهنالك عددٌ كبير مِن المسيحيين مِن المُقَرَّبين إليه الذين يَحظون بثقِتِه يحسبُ لهم حساباً ويتحاشى إزعاجَهم، وهنالك المجوس الذين يتمَتَّعون بنفوذٍ كبير داخل المَملكة، فإذا نزل عند رغبتهم وأمَر بقتل الجاثاليق، يَخشى مِن حدوث فوضى عارمة هو في غِنىً عنها، ولا سيما وهو مُقبلٌ لخَوض حَربٍ ضِدَّ الروم، فلم يَصِل الى قرار بهذا الشأن، بل على العكس كان كُلَّما التقى الجاثاليق مُصادفةً، يُبادِلُه التحية ويزيدُه إكراماً، أما المجوس فكانوا يزدادون حَنَقاً وامتعاضاً. ولكثرة تَحَرِّياتِهم عن الجاثاليق مارآبا إكتشفوا أنه كان مجوسياً بالأصل واعتنق المسيحية، وهذا بِحدِّ ذاتِه يستوجب إنزال العقابِ بفاعلِه فجابهوه بهذا الأمر، ولكنَّهم أضافوا بأنهم على استعدادٍ لإطلاق سِراحِه فوراً، إذا ألغى الحَرمَ عن المسيحيين المُمارسين للعوائد المجوسية! إلاّ أن مارآبا رَفَضَ طلبَهم بإباءٍ وشموخ! فحكموا عليه بالسجن، وعندما سرى الخَبَرُ بين المسيحيين، خرجوا بتظاهرةٍ صاخبة وقد أخذ مِنهم الغضبُ مأخذَه، فاضطرَّ الملكُ كِسرىالأول أنوشِروان للعدول عَن سجن الجاثاليق، مُكتفياً بنفيِه الى أذربيجان، وتَمَّ تسليمُه الى حاكم تلك المناطق، وكان في توديعِه جَمعٌ هائلٌ مِن المسيحيين قَدِموا بأعدادِ كبيرة لتحية جاثاليقهم العظيم، فكان التوديع مَهيباً يليق بمقامِه السامي تَخَلَّلَه البكاء وذَرف الدموع على فراقه، وقد إلتحق به جميعُ الكهنة والشمامسة الذين كانوا في خِدمَتِه .

 

نفيُ مارآبا وأعمالُه في المنفى

أدَّى نَفيُ الجاثاليق مارآبا الى قيام اضطِهادٍ ضِدَّ المسيحيين، ولكِنَّ قَسوَتَه لم تَكُن بالشدَّة التي كان عليها الإضطهاد الشابوري السيِّء الصيت المعروف بالإضطهاد الأربعيني، وقد ورد في (قصة يهبالاها ص 347 – 349 و415) مِن خلال سَردِها لسيرة الشهيد “غريغور” أحد شهداء هذا الإضطهاد، حيث جَرى هدمُ الكنائس والأَديُرة في الأماكن التي كان تواجد المسيحيين فيها قليل العدد، مِمّا كَدَّرَ قلوبَ أساقفة الكنيسة وآلمَهم، ولدى عودة الملك كِسرى الأول أنوشِروان، تَوَجَّه عددٌ منهم الى قصره للسلام عليه والتظلُّم لديه مِمّا يُعانونَه مِن ظلم المجوس اعتقاداً مِنهم بأنه سيُراعي خاطرَهم، طالما عرفوه في السابق ملكاً عادلاً وقد ساعدهم مِراراً، بيدَ أنَّ ظنَّهم لم يكن في مَحَلِّه، فقد كان المجوس كُهّانُ النار قد أوغروا قلبَه بالغضبِ على المسيحيين، فبدل أن يُهَوِّن عليهم أَمَرَ بإلقائهم في السجن مع لفيف مِن الكهنة والعِلمانيين وعددٍ مِن الوثنيين الأشراف المُتنَصِّرين حديثاً ومِن جُملتهم الشهيد “غريغور” وهوالقائد “بيرناكوشناسب” مِن آل مَهران أحد عظماء المملكة ومعه يزيدناه بن إحدى أشرف عائلات الأهواز وعويدا الكوسي، ومِن بين الأساقفة كان ميهرنَرسا اسقف زابي وشالمي اسقف ليدان .

 

ملحق لمجمع ساليق السابع 544 م

وقد جاءَ في كتاب(المجامع ص 68 – 69 والسمعاني3 /1 / ص 78 – 79) بعد أن تَسَلَّمَ دادين حاكمُ أذربيجان الجاثاليق المَنفي مارآبا، ونزولاً عند رَغبة كُهّان النار المجوس، أمرأفراداً مِن حَرَسِه أن يأخذوا مارآبا الى قريةٍ جبلية تُدعى(سرش المجوس) تقع في جبال أذربيجان، ولم تمضِ إلاّ مُدة قليلة على مارآبا في تلك القرية حتى إنجذبَ إليه أهاليها المجوس وفي مُقدِّمتِهم حاكمُ القرية ذاتُه، فلقيَ مِنهم إجلالاً وإكراماً كبيرَين، وأجرى الله الكُلِّيُّ القدرة على يَدَيه مُعجِزاتٍ كثيرة أثَّرَت في تَسارُع العددِ الكبير مِن أبناء القرية الى إعتناق المسيحية! فطار صيتُ الجاثاليق في أرجاء المَملكة، وراحَ الإكليروس بكُلِّ فِئاتِه مِن أساقفةٍ وكهنةٍ وشمامِسة وعددٍ كبير مِن العِلمانيين يتقاطرون الى القرية ليتباركوا بمارآبا مُصغين الى حديثه وتعليمِه. وقد إضطرَّ مارآبا أن يَجعل مِن مَسكَنِه كنيسة، رسم فيها عدداً مِن المطارنة والأساقفة والكهنة والشمامسة، وفي مطلع عام 544 م صادف وجود عددٍ مِن المطارنة والأساقفة في زيارةٍ للقرية، فانتهز مارآبا هذه المناسبة، ودعاهم الى عقد اجتماع برئاستِه وكان الشهر كانون الثاني، وأثناء الإجتماع تَمَّ جَمع القوانين التي أصدرها مارآبا بخصوص إصلاح الإيكليروس والعِلمانيين، واشتمَلَت تلك القوانين الإصلاحية على سِتِّ رسائل هي التالية : –

 

1 – الأعمال الرئيسية للإصلاحات: وتتناول الرسالة الاولى هذه: الإصلاحات التي أحدثها في مُختلف الأبرشيات، التي كانت قد سادتها الإضطرابات والصراعات على السُلطة، وكان الهدف مِنها إعادة النظام والمسؤولية الى مُستحقيها الشرعيين، وقد صادفته صعوبات عديدة في وضع الامور في نصابِها الصحيح، ساعدته العناية الإلهية على تذليلها.

 

2 – الإيمان الصحيح: أما في الرسالة الثانية، فقد إستعرض فيها صورة العقيدة الأرثوذكسية أي العقيدة المستقيمة التي تذكرها (المجامع الشرقية / الترجمة ص 550 –553) بأنَّ تعابيرها صحيحة فيما يتعلَّق بالإقرار بالثالوث وبوحدانية الشخص الواحد في المسيح يسوع، الإله المُتَّخِذ للطبيعة البشرية، لكي يحتمل بها الآلام والموت لفداء البشر.

 

3 – الأعمال الصالحة: تتطرَّق الرسالة الثالثة الى مُحاولة مارآبا لإعادة الصلاح الى أخلاق الإكليروس مِن أعلى المراتب حتى أصغرها، وتنظيم سلوك المؤمنين، داعياً الجميع لمُمارسة التقوى وإرضاء الرب، كقاعدةٍ مُثلى للحياة الروحية والبدنية معاً. ويُوَجِّه تحذيراً الى معشر الإكليروس بعدم التدخل بما ليس مِن شأنهم، وأن يتجنَّبوا إثارة الفِتن فيما بينهم ولا فيما بين المؤمنين، ويحظرعليهم الجريَ وراء الامورالمادية أو إدارتها، كما يُحرِّم على المسيحيين الزواج اللاشرعي الذي يستهجنُه القانون الطبيعي المُتعلِّق بالقرابة الدموية .

 

4 – الرئاسة المُزدوجة: الرسالة الرابعة تضمَّنت رفضَ إزدواجية الرئاسة، وإلغاءً لكُلِّ ما جرى على عهدِها، وتجريداً لنرساي وايليشاع مِن رتبة الجثلقة وإسقاطهما مِن جدول الجثالقة، وإبطال كُلِّ الحرومات المُتبادلة بينهما، وتنظيم امور المطارنة والأساقفة المرسومين أثناء تلك الفترة العصيبة .

 

5 – القوانين والنُظم المُقَرَّرة بخصوص تَسَلسُل مَراتِب الرئاسة الكنسية: إختَصَّت الرسالة الخامسة بتنظيم شؤون أبرشيتَي نصيبين وبيث لاباط وإخضاعِهما المُباشر لسُلطة الجاثاليق، ولا يجوز إقامة مطران لأَيٍّ منهما بدون موافقة الجاثاليق .

 

6 – عملية شاملة في شرح وتَوضيح كُلِّ هذه الامور: سُمَيَت الرسالة السادسة بـ ” العملية “(براقطيقي) تُبَيِّنُ كيفية تطبيق القوانين الخاصة بانتخاب الجاثاليق بعد وفاة مارآبا، فهي تحظر هذا المنصب على كُلّ مَن رُشِق بالحرم، ومَن كان مُذنِباً أو مُحبّاً للمال بجشع، أنانياً مَيّالاً الى اللذة. وتَتِمُّ عملية انتخاب الجاثاليق كالتالي: بعد وفاة الجاثاليق يَجتمع أساقفة الأبرشية الكبرى أي”أبرشية الجاثاليق” ويدعون مطارنة الأبرشيات الأربع الكبرى وهي: بيث لاباط ، براث ميشان ، حِدياب (اربيل) وكرخ سلوخ (كركوك) أو على الأقل ثلاثة مطارنة مِنهم، على أن يُرافق كُلَّ مطران ثلاثة مِن أساقفتِه، ويبدأون بالإتفاق على شخص يتحلّى بصفاتٍ حميدة، يكون خالياً مِن الخُبث والأنانية، ثابتاً على الإيمان الحق ودائم السهرعليه، غيوراً على العقيدة المُستقيمة، مُتقيِّداً بالقوانين، لكي يُدير شؤون الكنيسة بحكمة مشوبةٍ بالطهارة والقداسة. وتجري رسامتُه في كنيسة كوخي الكبرى وفق التقليد الذي وضعه الآباء القديسون، ثمَّ يَتِمُّ تنصيبُه على كُرسيِّ الجثلقة(الأب لابور ص 187) .

وقد جرى طَبعُ هذه الرسائل الست مِن قبل الأب شابو في كتاب (المجامع ص 68 – 69 والسمعاني3 / 1 ص 78 – 79). لقد كَتَبَ مارآبا الرسائل الثلاث الاولى قبل نَفيِه الى أذربيجان، أما الرسالة الرابعة فقد وَجَّهَها الى أهالي سجستان وقام بإيصالِها الاسقف سركيس أحد الأساقفة الثلاثة المتنازعين على الرئاسة في سجستان منذ عهدِ الرئاسة المُزدوجة لنرساي وإيليشاع الجاثاليقين، قَرَّرَ مارآبا أن يتوَلَّى الاسقف سركيس إدارة كنيستَي ” بست وروخوت ” والاسقف يزيدأبريد” إدارة كنائس رنغ و بروا و قش وتوابعها، وفي حالة وفاة أحدهِما يتوَلّى الباقي على قيد الحياة أمرَ إدارة كنائس سجستان كُلِّها، أما الاسقف الثالث داود فيُحرَم وتُلغى درجتُه الاسقفية، وقد وقَّعَ الرسالة الى جانب الجاثاليق مارآبا عشرة من المطارنة والأساقفة.

 

الرسالة الخامسة تَضَمَّنت تحذيراً صارماً وَجَّهَه مارآبا الى آباء الكنيسة وبخاصةٍ الى مطارنة فارس وميشان وأربيل، إذ صادف أن بولس مطران بيث لاباط قد وافاه الأَجَل، وأن أهالي نصيبين تَمَرَّدوا على مطرانِهم فاضطرَّ على الإعتكاف في مَنزلِه، فاتَّفَقَ أساقفة أبرشيتَي بيث لاباط ونصيبين أن يَرسُمَ كُلُّ فريق مِنهما مطراناً لأبرشيتِه، الأمر الذي رفضه مارآبا بشدَّة، وعَبَّرَ عن غضبِه على مُحاولة الأساقفة السطوَ على صُلبِ اختصاص الجاثاليق المنوط به وحده رسامة المطارنة، وإذا تَجرأ أيُّ فريق مِن الأساقفة على القيام بمثل هذا العمل سيكون عقابُهم الرشق بالحرم وأضاف في رسالتِه ” لقد كانت رغبتي شديدة جداً أن يُشاركني كافة إخوتي مِن المطارنة والأساقفة بصياغة هذه القرارات، ولكنَّ الظروف الراهنة غير مؤاتية ولذلك أتقدم إليكم بإعتذاري راجياً قيامكم بتوقيعِها ” فوَقَّعَها الى جانب البطريرك سبعة عشر مطرانا واسقفاً.

 

أما الرسالة السادسة فكانت تَنفرد بشؤون كُرسي المدائن العاصمة وقد أتينا الى مُحتواها فيما سبق من خلال مقطع واحد منها وُجد سالماً.

عودة مارآبا مِن المنفى ووفاتُه

التجريد والتآمر

لقد ذكر كاتبُ (قصة مارآبا ص 249  وكتابُ التاريخ السعردي2 ص 67) أيضاً، بأن نفيَ الجاثاليق مارآبا إمتَدَّ سبعة أعوام في أذربيجان، وبأن العداء الذي تَعَرَّضَ له لم يكن مُقتصراً على الوثنيين المجوس فحَسب، بل قد ساهمَ فيه جماعة حاقدة مِن المسيحيين ولا سيما زُمرة الأساقفة الذين رأي فيهم الصلاحَ مفقوداً، فجَرَّدَهم مِن الدرجةِ الاسقفية وعَزَلهم عن الكراسي التي احتلوها، فأضمروا له السوءَ. وكان الأشَدُّ حِقداً بينهم بطرس اسقف جَرجان، الذي بسببِ رغبتِه الجارفة للإنتقام إعتنقَ الديانة المجوسية، وعن طريقِها إستطاعَ التَقَرُّبَ مِن الملك، وبدأ بالتآمُر للإيقاع بمارآبا لديه، وظلَّ يُوغِر قلبَ الملك بالبُغضِ على مارآبا، حتى إستطاع أخيراً إستحصالَ أمر ملكي بِعَزلِه وإلغاء كُلِّ الإجراءات التي إتَّخذها لإنقاذ الكنيسة مِن شرور مُنتسبيها غير المؤَهَّلين، وفور تَسَلُّمِه أمر العَزل، توَجَّهَ بسرعةٍ الى أذربيجان، وأبرزَ الأمر لرئيس المجوس الكبيرهناك، وعند مُشاهدة الأخير للأمر وَجَدَه مُزَوَّراً فلم يَعترف به، وإذ رأى بطرس أنه قد أُستُهزيءَ به إمتلأ غيظاً، وأخذ يَبحث عن طريقةٍ لقَتل الجاثاليق غَيلةً، فاستأجرَ زُمرة مِن المجوس ومضى بهم ليلاً الى مَنزل الجاثاليق وهجموا عليه، ولكنَّهم صُدّوا مِن قبل تلاميذ الجاثاليق وأهالي القرية، فتقهقروا وانهزموا دون أن يتمَكَّنوا مِن إيذاء مارآبا، ونتيجة لهذا الفعل الجبان قَرَّرَ مارآبا الرحيل الى المدائن العاصمة تفادياً لمُحاولات الإغتيال مِن قبل الأشرار، ونفَّذَ قرارَه مُستصحباً معه يوحنان اسقف أذربيجان وواحداً مِن تلاميذِه وهَربوا بالخفاء الى المدائن، وما إن وصلوا إليها حتى قصدوا فوراً الى القصر الملكي، لقد عَمَّ قلوبَ المسيحيين فرحٌ عظيم بعودة جاثاليقهم الى المدائن العاصمة ولكنَّه مَشوبٌ بالخوف على حياتِه مِن بطش الملك به لهروبِه مِن منفاه خِلافاً لأمره، بيدَ أن الأمر تلاشى عندما علموا أن الملكَ تَصَرَّفَ بحكمة مُراعياً شعور المسيحيين أو بهاجِس الخوف مِن غضبِهم، حيث أوفد الى الجاثاليق واحداً مِن قادتِه ليسأله: لماذا خالفَ أمرَ الملك وهرب؟ فطلب مارآبا مِن القائد مبعوث الملك أن يُبلغَ ملكَ المُلوك، بأنه يقبلُ الموتَ بطيبةِ خاطر إذا كان الأمر صادراً بذلك مِن قبل الملك وعلناً، ويستهجِنُه إذا تَمَّ اغتيالاً بيد جاحدٍ وبدون أمر مِن الملك! فأمر الملكُ كسرى الأول أنوشِروان بالعفو عن الجاثاليق وإخلاء سبيلِه، فكان سرورُ المسيحيين غامراً وأحاطوا بجاثاليقهم العظيم إحاطة السِوار بالمِعصَم، ورافقوه الى المَقرِّ الجاثاليقي بأُبَّهةٍ عظيمة وِسطَ أنغام شجيّة تَخَلَّلتها زغاريد النسوة وتهاليل الرعية.

 

الحَنق المجوسي

ثَقُلَ على المجوس العفوُ الملكي بحقِّ الجاثاليق، وأبلغوا الملكَ بلهجةٍ تهديدية عن امتعاظِهم. في اليوم التالي تَوَجَّهَ الجاثاليق مارآبا نحو القصر الملكي يَحُفُّ به جَمعٌ غفير مِن المسيحيين، ليقوم بواجِب تقديم الشكر للملك عن إطلاق سِراحِه، ولكن المجوس وجدوا تلك مُناسبة فاستدرجوه وأدخلوه الى مَجلسِهم وأوصدوا البابَ، فأوجس المسيحيون خوفاً مِن غدر المجوس بجاثاليقهم، وعَلا صُراخهم فَزَعاً على رئيسِهم، وللتَوِّ دخل الى الملك أحدُ كبار رجال الدولة المسيحيين، وأبلَغَ الملكَ بعَواقب وخيمة وفظيعة سوف تَحدُث في حالة الإعتداء على حياة الجاثاليق مِن قبل زعماء المجوس حيث قال:” أيها الملكُ العظيم، لا يَخفى عليكم أن نصارى مَملكتِكم شعبٌ عظيم ذو بأسٍ وشُجاع وعددُه كبير جداً، معروفٌ بإخلاصه للملك والوقوف بثباتٍ الى جانبِه، فإذا اغتيلَ هذا الرَجُل وهو رئيسُهم الأعلى، فليس مُستبعَداُ أن يأتيَ رَدُّ فِعلِهم عنيفاً، تنشأُ عنه فتنة وتَعُمُّ الفوضى في المملكة ” كان لهذا الكلام وقعٌ حَسّاس وتأثير كبير على الملك، فأمر بعدم الإعتداء على حياتِه، ويُكتفى بسجنه، واودِع مارآبا السجنَ مُكَبَّلاً، وفي الحال أحاط بالسجن جمهورٌ كبير مِن المسيحيين وعَزَموا على كَسر باب السجن وانتزاع رئيسهم مِنه، ولكن مارآبا أومأَ إليهم وطلبَ مِنهم الهدوء وعدم القيام بذلك العمل فانصاعوا لطلَبِه .

 

وما إن بدأَت حرارة فصل الصيف بالتصاعد عام 549 م حتى أوعَزَ الملكُ كِسرى الأول أنوشِروان لحاشيتِه ليَحزموا أمرَهم ويَستَعِدّوا للقيام بسفرةٍ الى أذربيجان لتَمضية فترة الصيف في مَصيفِها، ولم ينسَ أنوشِروان أن يكون برفقتِه الجاثاليق مارآبا وهو على وَضعِه سجيناً مُقَيَّد اليَدَين، وكان النصارى في تلك المناطق يُبالغون بإكرام الجاثاليق والتعبير عن حُبِّهم الكبير له كُلَّما التقوا به أثناء هذه السفرة الصيفية، وعندما أطَلَّ موسمُ الخريف عاد الملكُ وحاشيتُه الى المدائن وعاد معه الجاثاليق مارآبا أيضاً، وأمر الملكُ أن يُخَصَّصَ لمارآبا مَنزلٌ ليشغله مع تلاميذه ويبقى فيه كسِجن، وبالرغم مِن كُلِّ هذه المُعَوِّقات المعنوية والنفسية لم يتوانَ عن القيام بإدارةِ شؤون الكنيسة. وفي مَطلع فصل ربيع عام 550 م تَهَيّأَ الملكُ للذهابِ الى جبال ماداي وفَكَّر بإطلاق سِراح الجاثاليق مارآبا قبل مُغادرتِه، ولكنَّ كُهّان النار المجوس حالوا دون ذلك، فاضطرَّ الملك أن يستصحِبَه معه ولدى عودتِه عاد الجاثاليق بمعيَّتِه أيضاً. وتذكر المصادر التاريخية (قصة مار آبا ص 263 ، التاريخ السعردي2 ص 70 – 72 ماري ص 50 – 51 لابور ص 189) لدى وصول الملك الى المدائن تفاجأَ بما لم يكن يتوَقَّعه، فقد كان له إبنٌ مِن زوجتِه المسيحية إسمه أنوشازاد وبسببِ خلافاتٍ عائلية نَفاه الى بيث لاباط، وفي المَنفى لَقِيَ أنوشازاد تَرحيباً ودَعماً مِن أهالي المنطقة ولا سيما مِن النصارى الأكثر عدداً فيها، ولما عَلِمَ الملك بإنحياز نصارى المنطقة الى جانب إبنِه تَمَلَّكَه الغيظ جداً وفي فورة غضبِه فَكَّرَ بقتل الجاثاليق مارآبا لترويع المسيحيين الذين وقفوا الى جانب إبنه بعصيانه عليه، فبعث إليه كبيرَ أُمنائه “دزاداغو” ليُبلِغَه رأيَ الملك به مِن حيث تَمَرُّدِ إبنه ويقول له:”،تَأَكَّدَ لنا أنَّكَ عَدُوُّنا، وبتحريضٍ مِنكَ قد تَجَرّأَ النصارى وأقدموا على مُهاجمَةِ المجوس وضَربِهم ونَهبِ مُمتلكاتِهم، والآن أراهم مُعلنين عليَّ العصيان! فهَل قَدَّرتَ عواقبَ هذا العمل؟ ألا تَرى أنَّكَ قد عَرَّضتَ ذاتَكَ لنُصدِرَ أمراً بهَدر دَمِكَ؟ “ولكنَّ الملكَ وبعد تَرَوٍّ وتفكيرعميقَين عَدِلَ عن تهديدِه ورأى أنه مِن الحِكمة مُلاطفة الجاثاليق وأن يُبديَ له إكراماً ويستَغِلَّ مكانتَه الكبيرة لدى النصارى لأنه رئيسُهم الأعلى وبمقدوره أن يأمُرَ المُوالين مِنهم لإبنه ليعدِلوا عن مُساندتِه، وبالفعل تَمَّ للملك ما تَوَقَّعه، فأمر بإخلاء سبيل الجاثاليق وجعلَه أحدَ جُلسائه المُواظبين .

مارآبا جليس الملك

ويذكر المؤرخ الكلداني (ماري في المجدل ص49 – 50  والتاريخ السعردي ج2 ص 76 – 77

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى