الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن/ الجزء الرابع


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

عانَت كنيسة المشرق الكلدانية أصلاً ومَنشأً الأَمَرَّين مِن هَول المِحَن والمَصائِب التي ألَمَّت بِها خلال القَرنَين الرابع والخامس، بسببِ الخِلافات العَميقة والإنقسامات المُتفاقمة بين رئاسَتِها العُليا المُتمَثِّلة بالجاثاليق والأساقفة المؤَيِّدين له مِن جِهة وبين الأساقفة المُناوئين مِن جِهةٍ ثانية، مِمّا أَثَّرَ تأثيراً سَلبياً بالغاً على مسيرَتِها لم يَقِلَّ عن تأثير اضطهاد الدولة الفارسية المجوسية لَها، إذ لم يَخلُ عَهدُ كُلٍّ مِن الجثالقة ( بابا – اسحق – داديشوع – بابوي – وأقّاق) مِن مِحنةِ الإنشقاق الداخلي الخَطير واضطِهاد الدولة الكبير، وبالرغم مِن ثِقل وهَولِ الإنشقاق والإضطهاد. إستطاعت كنيسة المشرق الكلدانية النسطورية تَشريعَ قوانين وأنظمةً كثيرة ومُتنَوِّعة أهمُّها: إختيارُها لكُرسي ساليق في المدائن عاصمة الدولة الفارسية مَركزاً لرئاستها العُليا وتثبيتُه مَقَرّاً لسُدَّةِ الجثلقة (السُدّة البطريركية) التي أُصطِلِحَ على تَسمِيَتِها وأُقِرَّت لاحقاً في المَملكةِ الفارسية. وبعد أن أفـلَحَ بَرصوما مطرانُ نصيبين بفَرضَ المَذهبِ النسطوري على كنيسةِ المشرق الكلدانية بفضلِ الدَعم القوي مِن الملكِ الفارسي فيروز لُقِّبَت بـ (الكنيسة الكلدانية النسطورية) وقد غَلَبَت عليها الصفةُ المذهبية”النسطورية” ولاسيما بعد قطعِها لِصِلَتِها وانفِصالِها شُبهِ الكامل عن الكنائس المسيحية الاخرى المُتحِدة ايمانياً مع كنيسة الغربِ الجامعة لكُلِّ الكنائس، فاعتُبِرَت في نظرها كنيسة هَرطوقية مُنشَقة، في حين أنَّ كنيسة المشرق الكلدانية في حقيقة الأمر لم تَتَخَلّ عن مُعتقدِها الأَصلي وإنما أسبغَت عليه المُصطلح النسطوري لسبَبَين أوَّلُهما: الوقوف بِحَزمٍ ضِدَّ تَيّار البِدعةِ المونوفيزية التي أخَذَ شَرُّها يَستفحل ولا بُدَّ مِن صَدِّه والحَد مِن تَوَغُّلِ تَعليمِها المُخالفِ للإيمان الحق الى الكنائس الكلدانية في المَملكة الفارسية، وثانيهُما : لقطع دابِر شكوكِ ملوكِ الفرس بِعَدَم وَلاءِ  مسيحيي بلادِهم وإخلاصِهم للمملكة الفارسية منذ إعتِناقِ ملوكِ الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية .

 

إن المَحظورَ قد وَقَعَ وتَمَّ الإنفصالُ بين أكبر كنيستَين، كنيسة الغرب الرومانية الجامعة وكنيسة الشرق الفارسية، وكأَنَّ هذه القطيعة التي لم تَرغَب الكنيستان بحدوثِها بينهما جاءَت بصالحِهما، لتكون حافزا لِكِلتَيهما كي تخوضا مُباراةً ثَورية في نَشر بشارة الخلاص المسيحية في كافة بِقاع الكرة الأرضية، فبعد أن تَنَفست الكنيسة الكلدانية النسطورية الصُعَداءَ إثرَ زوال شكوكِ الفرس بعدم ولائِها وأبنائِها للتاج الفارسي وتَمَتُّعِها بقِسطٍ لا بأسَ به مِن الحَرِّية، إستطاعت تَضميدَ الجروح التي مَزَّقَت جَسَدَها الصِراعاتُ الداخلية المُفزِعة والإضطهاداتُ المُرَوِّعة التي أودَت بحياة آلافِ الشهداءِ مِن أبنائها، فكان أن إزدادَت قوَّةً ومَنعَةً واتِّساعاً ومِمّا ساهمَ في ذلك عواملُ عِدّة إستَغَلَّتها رئاستُها  بِحِذقٍ وحِكمة بالتعاون مع أبنائها بكُلِّ عَزمِ وثِقة، ومِن أبرَز هذه العوامل : –

                                                                                                                                                                                                                                                 أ – إجماع الآباء الأساقفة على جَعلِ كُرسي ساليق الرئاسي (الكُرسي الجاثاليقي= البطريركي لاحقاً) الأكبرَ والأعلى للكنيسة الفارسية أي الكنيسة الكلدانية النسطورية، ولشِدّة تَعَلُّقِهم بالكُرسي الجاثاليقي وافتخارهم به، أرادوا له أن يَرتقيَ الى مكانة كُرسي روما أرفع كراسي الكنيسة الجامعة وأن يَتَفَوَّقَ على كُرسِيَي أنطاكية وبيزنطة لكونِه أوسعَ منهما رُقعةً بمساحةِ أرضِه وتَعدادِ نفوس أبنائِه، وبالفعل تَمَّ لهم ما أرادوا، فقد ازداد عَدَدُ أبرشياتِه وأساقفتِه حيث تَعَدّت أبرشياته المِئة بينما كان عَدَدُهم في القرن الرابع  أقَلَّ مِن الأربعين وقد وُزِّعَ هؤلاء الأساقفة على عَشر أبرَشياتٍ ميطرابوليطِية طِبقاً لِما ورد في تاريخَي الأب شابو والسِمعاني، ولِكُلِّ أبرشيةٍ عَدَدٌ مِن الكراسي الاسقفية تَخضَعُ لِسُلطةِ ميطرابوليط الأبرشية .

ب – عُمقُ الايمان برسالة المسيح له المجد والحَماسُ المُنقطعُ النظير لنشر هذه الرسالة الخلاصية، جَعَلا العامِلينَ في كَرمِ الرب أن يستَغِلُّوا الأراضي القاحلة فعَملوا فيها حَرثاً وزَرعاً لبذور الايمان الحق، وكان أن أثمَرَت وأينَعَت وأعطَت مِن الغِلال غزيراً ومِن الأثمار وفيراً في كُلِّ صَقعٍ ودِيرة مِن مَناطق المَعمورة .

ت – إهتمامُ البطاركة البالغ بإصدار القوانين والأنظمة الضرورية عن طريق عقدِهم المَجامِعَ لِتَبادُل الآراء والمُقتَرحات التي  يتداوَلُها الأساقفة وتَبَنِّي ما يعودُ مِنها بالفائدة  لِرَفع مُستوى أفراد الإكليروس خاصة والمؤمِنين عامة الى دَرَجاتٍ أعلى مِن التهذيبِ والثقافة .

ث – النجاحُ الكبير الذي أحرزَه البطاركة والأساقفة بإتِّباعِهم اسلوباً حكيماً وحَذِراً في عَلاقاتِهم وتعامُلِهم مع ملوكِ الفرس، كَقبولِهم بِمَذهب نسطور المُخالف لمَذهبِ كنيسة الغرب الجامعة مِمّا أحدَثَ ارتياحاً لدى هؤلاء الملوك .

ج – إيلاءُ آبائِنا وأجدادِنا اهتماماً فائِقاً لناحيةِ العِلم والأدَبِ والفنون، حيث فَتَحوا المَدارسَ والمَعاهِدَ في جميع المدن والقرى، وعَهدوا إدارَتَها الى مُعَلِّمينَ أكِفّاء لهم الباعُ الطويل في العلوم الدينية والدُنيَوية، وقد تَطَوَّرَ البعض مِنها، وتَحَوَّلَ الى جُمعِياتٍ مُنَظَّمة شُرِّعَت لها قوانينُ وضوابِطُ تسيرُ على ضَوئِها تَنفيذاً وتطبيقاً بإشرافِ مسؤولين قديرين وغُيارى .

 

الجاثاليق شيلا 505 – 523 م

وفيما كانت الحربُ سجالاً بين الفرس والروم داهم الموتُ باباي الجاثاليق عام 503م، ونظراً لإنشغال الملك الفارسي قبّاذ في الحرب تأخر انتخاب خلفٍ لباباي حتى عام 505 م، وكما جرى تدخل المُقرَّبين النصارى مِن الملك في انتخاب باباي، حدث الشيء ذاته في انتخاب خلفٍ لباباي، حيث تدخل طبيب الملك قبّاذ الخاص “بوزاق” الذي كان في الوقت نفسه اسقفاً على منطقة الأهواز، وكان قد أبرأَ قَبّاذ وابنتَه فنال حظوة كبيرة لديه، ونزولاً عِندَ رَغبتِه أصدَرَ الملكُ قَبّاذ عام505م أمراً الى الأساقفة الكلدان بإنتخاب “شيلاّ ” جاثاليقاً  لكُرسي المدائن خلفاً لِباباي، وكان  شيلاّ أركِذياقوناً لدى الجاثاليق الراحل باباي ووقع عنه قرارات مجمع ساليق السادس عام 497م كما مَرَّ ذِكرُه، ويَعمَلُ سكرتيراً لدى الاسقفِ بوزاق نفسِه، مُتزَوِّجاً وله بِنتٌ بِحسَبِ ما ورد في كتاب(التاريخ السعردي ج2ص 43 -46 وفي المجدل / ماري ص 47 -48 وعمرو ص 37) وتُضيف هذه المصادرُ بأن شيلا  يُطرى عليه لتمَكُّنِه مِن ناصية العِلم وغزارته، ولكنَّه يُذمُّ لجَشِعِه وبُخلِه المُفرطين، ويُنحى باللائمة بذلك على زوجته الدافعةِ إيّاه الى حُبِّ الغنى وجمع المال.

 

 وبينما كان الملك الفارسي قبّاذ يغزو بلاد الروم وينهبُها، كان شيلا يستَولي على أموال الكنائس ويسطو على مُمتلكاتِها مِن الأواني الذهبية والزينةِ، ويَتَصَرَّفُ بإستعلاءٍ وكُبرياء مع شعبِهِ المسيحي، فمالَ عنه الشعبُ وانتفَضَ ضِدَّه الإكليروس، وأبرز الذين بحسب قول شمعون الأرشامي (السمعاني1 ص358) اعترضوا على تَصَرُّفاتِه الرديئة كان ماري تَحلايا المَلفانُ والمُستشارُ المُعتمَدُ للجاثاليق باباي وموضع ثِقَتِه. إنتَقَدَ سيرة الجاثاليق شيلاَّ السَيِّئة وغير اللائقة بِمَنصبِه. غيرَ أنَّ كُلَّ المُحاولات التي مورسَت ضِدَّ الجاثاليق شيلاَّ باءَت بالفشل ولم تَنَل مِنه قيدَ شعرة، لكونه مسنوداً مِن قبل الملكِ إكراماً للاسقفِ بوزاق الذي بِفَضلِه اعتلى كُرسيَ الجثلقة (كُرسي البطريركية). وبفضل بوزاق أيضاً تمتع المسيحيون في العيش بسلام وأمان في عهد الجاثاليق شيلا، وتمَّ تشييد الكنائس والمدارس في مُختلف أرجاء المملكة الفارسية .

 

ورَغم كُلِّ ما عُزيَ الى الجاثاليق شيلاَّ مِن نَواقص وخصائل غير حميدة، إلاّ أنَّ حِرصَهُ البالغ وغَيرَتَهُ الشديدة على حِمايةِ مَذهبِ كنيستِه وصيانَتِه كانا كبيرَين جداً، فلم يَبخَل بِجُهدٍ ولم يتقاعَس أبداً عن مُحاربةِ مُتَبَنّي البدعةِ الاوطاخية المونوفيزية الذين تَعَدَّدَت تسمياتُهم العشرينَ تسمية كما يقولُ العَلاّمة المطران أدي شير في (حاشية الصفحة 132 مِن كتابه/تاريخ كلدو وآثور / الجزء الثاني) نُدرج الأهمَّ منها:< فقد دُعَوا بالاوطاخيين نسبَةً الى مُبتَدِعِها اوطاخي، وبالمونوفيزيين وتعني المُعتَقِدين بالطبيعة الواحدة للمسيح، وبالديوسقوريين نسبَةً الى بطريرك الإسكندرية ديوسقورس، وبالساوِريانيين نسبةً الى ساويرا بطريرك أنطاكيا المونوفيزي الذي على عَهدِه تَمَّ انشِقاقُهم في سوريا، وبالتثوباسخيقيين وتعني “مُلحقي الأَلَم باللاهوت”، وبـاليعقـوبيين أو اليعاقبة نسبةً الى أعتى وأشهر بطريركهم يعقوب البرادعي وكانت أطول التسميات استخداماً إمتدَّت حتى أواسط ستينات القرن العشرين، حيث استُبدِلَت تحت ضغط انتقادات شعبية ورسمية ولا سيما في العراقبـ”السريان الأرثوذكس” >.

 

انقلاب الملك الروماني زينون

يقول المؤَرخ الأب (لابور في تاريخه ص 138) بأن الملك الروماني البيزنطي زينون في أواخر عَهدِه تَخَلّى عن مُناصرة الخَلقيدونيين وانحازَ الى جانبِ المونوفيزيين اليعاقبة بتحريضٍ مِن(أقّاق) البطريرك البيزَنطي المونوفيزي صاحب الصحيفة السيئة الصيت المعروفة باسم (هنوتيكون) حيث بدأَ عام 482م بالترويج عن طريقِها للبِدعة المونوفيزية دون أن يلقى مُعارضة مِن داخل المملكة الرومانية البيزنطية، ولذلك انتشرت فيها التعاليمُ المونوفيزية، ونتيجة لعمله المُخَرِّب هذا رشقه البابا فيليكس بالحرم عام 484م. وفي هذه الأثناء كانت الكنيسة الكلدانية النسطورية في المَملكة الفارسية تخوضُ صِراعاً داخلياً مريراً بين الجاثاليق بابوي وأساقفته المُوالين مِن جانبٍ والأساقفة المُناوئين بقيادة برصوما مطران نصيبين مِن جانبٍ آخر كما مَرَّ ذِكرُه في حديثنا عن بابوي، فانتهزَ المونوفيزيون هذه الفرصة الى جانبِ استغلالهم لدعم الملك الروماني زينون وخَلَفِه انسطاس الذي تَوَلّى العرشَ عام 491 – 515م لينشروا تعليمَهم في كنائس الكلدان النساطرة بالمملكة الفارسية، إذ مَدَّ الأخيرُ يدَ العون الى زُعمائِهم البارزين آنذاك وهم الكلدان المُنشقِّون: رئيس الرهبان”أخِسنايا” الذي كان زميلاً لبَرصوما في مدرسةِ الرها الكلدانية، يعقوب السروجي، شمعون الأرشامي، ويعقوب البراذعي، وكان كُلٌّ مِن هؤلاء يَبذُلُ جُهداً مُستَميتاً مِن أجل نشر تعليم البِدعة المونوفيزية، فأخِسنايا هو الذي حَرَّضَ (قورا) الذي رُسِمَ اسقفاً مِن قبلهم على (مَنبَج) ليقومَ بِهدم مدرسةِ الرُّها الشهيرة التابعة للكلدان النساطرة بعد حصولِه على الإذن بذلك مِن الملك الروماني البيزنطي زينون، وهو الذي سَعى لدى أنسطاس الملكِ الروماني البيزنطي خَليفة زينون، ليأمُرَ بنفيِ البطريرك الأنطاكي فلافيانوس وإِجلاسِ”ساويرا” المونوفيزي على كُرسيِّه. ويقول المؤرخ الأب دوفال في كتابه (الآداب السريانية ص 360) بأن شمعون الارشامي ورغم كُلِّ ما بذلَه مِن جُهدٍ وإغراءاتٍ لنشر بِدعتِه في مَنطقةِ كلدو إلاّ أنه لم يُفلح وأصيبَ بالخيبةِ والخُذلان، أما يعقوبُ البراذعي فكان أعتى المنادين بالبِدعةِ المونوفيزية القائلة بالطبيعةِ الواحدة للمسيح له المجد، فاستماتَ وبذلَ المُستحيلَ لبَثِّ تعليمِها المُخالف للايمان المسيحي الحق بإنتقاصِه للآلوهية في كُلٍّ مِن بلاد ما بين النهرين ومصر وسوريا، وتقديراً لجُهدِه المُمَيَّز، لُقِّبَ أتباعُ هذه البِدعة نِسبةً الى اسمه بـ (اليعاقِبة أو اليعقوبيين) هؤلاء كانوا الذين قهرَهم ودَحَرَهم وطَرَدَهم مِن البلاد الفارسية الأساقفةُ الكلدان برئاسةِ المطران الشهير بَرصوما، وعادوا ثانيةً بدعم مِن الملكِ الروماني البيزنطي زينون وخليفتِه أنسطاس وكان لهم بالمِرصاد الجاثاليقُ النسطوري شيلاَّ الذي حاربَهم بقسوةٍ وطردَهم مِن الديار الفارسية. وقد وافت المنية شيلا عام 523م بعد جلوسِه على كُرسيَ المدائن ثمانية عشر عاماً، وكان مِن نتائج تَعلُّقِه الكبير بأفراد عائلتِه بروزُ شقاق مرير في الكنيسة كما سيأتي.

 

الرئاسة المُزدوجة

الجاثاليق ايليشاع 524 – 537 م

 لقد واجهت الكنيسة الكلدانية بموت شيلا صعوبة أكبر مِن الصعوبات التي واجهتها في حياتِه، فقد إختَلَفَت الرواياتُ حولَ مَن كان صِهراً للجاثاليق شيلاَّ، فَمَن يقول بأن الجاثاليق  شيلاَّ  زَوَّجَ إبنَتَه  لإيليشاع الطبيب الذي كان قد دَرَسَ الطبَّ في بلادِ الروم، ولَدى رجوعِه اُختيرَ طبيباً للملكِ الفارسي وكِبار رجال دولَتِه، وإن شيلاَّ قد أوصى بأن يجلسَ على كُرسي الرئاسة مِن بعدِه. بينما يذكر إيليا النصيبيني في تاريخه بأن نَرساي كان صِهراً للجاثاليق شيلاَّ، وإليشاع كان كاهناً، ومَهما كان الأمر، فإن الشعبَ المسيحي إنقَسَمَ الى فريقَين يَقِفُ كُلُّ واحدٍ مِنهما وراءَ قائدٍ مُتنَفِّذٍ في الدولةِ الفارسية، والمُتنَفِّذان هُما بوزاق اسقف الأهواز المار ذِكرُه وهو يَرمي بثِقلِه لصالح نَرساي الكاهن، أما بيرون الطبيب فيدعَم بقوَّةٍ إيليشاع الطبيب، واستَمَرَّ التنافُسُ بين الإثنَين مَدّاً وجَزراً لِمُدَّةٍ تَقرُبُ مِن السنة وبالتحديد منذ حزيران عام 523م وحتى نيسان عام 524م بِحَسَبِ ما جاء في كتاب (التاريخ السعردي2 ص 55 – 60) حيث بقي كُرسيُّ الجثلقة شاغرا. لقد فازَ أخيراً بيرون الطبيب بعد بَذل جُهدٍ كبير ومالٍ وفير بإستحصالِه أمراً ملكياً عَن طريق مَعارفِه المُقَرَّبين مِن الملك يقضي بإختيار إيليشاع جاثاليقاً، فحَضِرَمطران “مرو” وعَدَدٌ مِن الأساقفة ورسموا إليشاع جاثاليقاً في كنيسة اسبانير مُخالفين بذلك التقليد الذي أَقَرَّته المَجامِعُ الكنسية والقاضي بأن تجري رسامة الجثالقة في كنيسةِ كوخي الكُبرى بالمدائن فقط. أغاظ هذا الأمرُ الفريقَ الآخر جداً وحدا به الى الإسراع برسامةِ نَرساي جاثاليقاً في كنيسةِ كوخي طِبقاً للتقليدِ الكنسي، وقد جَرَت رسامَتُه مِن قبل جَوهَر مطران نصيبين بمُشاركة ثلاثةِ مطارنة وخمسةِ أساقفة.

 

الجاثاليق نَرساي 524 – 537 م

عندئذٍ إندلَعَ نارُالصِراع بين الغريمَين إيليشاع ونَرساي بشكل مُرعِبٍ، وتَسابَقَ كُلٌّ مِنهما بِرَسم أساقفةٍ مِن المؤَيِّدين له، وراحَ يتقاسَمُ كُلَّ كنيسةٍ اسقفان وكاهنان في مَذبَحَين مُنفصلَين. وبينما كانت الامور تسير بهذا الشكل المرير والمُثير، وافَت المَنِيَّة بوزاقَ مطران الأهواز المُسانِدَ القويَّ لِنرساي، فتأرجَحَت كَفَّة ميزان القوةِ بين إليشاع ونَرساي، حيث إتَّجَهَ وَضعُ نرساي نحو الهبوط ووَضعُ إيليشاعَ نَحو الصعود، إذ تَمَكَّنَ إيليشاعُ مِن الايقاع بِنرساي وزَجِّه في السجن مع عَدَدٍ مِن مُناصريه، إلاّ أنهم لم يلبثوا طويلاً في السجن، فقد أُطلِقَ سِراحُهم مِن قبل نَجل الملكِ  كِسرى أنوشِروان. إنتشى إيليشاعُ بإنتصاره على غَريمِه، ودَبَّت في نفسه الكُبرياءُ بأبغَضِ صُوَرها وشرورها، حيث بَدأَ مِشوارَه الجديد بالتجوال في مُختلفِ مناطق المَملكة، راسِماً مطارنة وأساقفة حسبَ هواه، وحارماً كُلَّ مُعارضٍ له، للحَد الذي لم يَسَع يعقوبُ مطران نصيبين إلاّ أن يَستَهجِنَ تَصَرُّفاتِ إيليشاع، فبادرَالى نَشر كتابٍ بِعِنوان (واجِبات الرؤَساء) تَطرَّقَ الى الكيفية التي يَجب أن يُدَبِّرَ الرُعاة شؤونَ الكنيسةِ،مُشيراً ومُنَدِّداً بإنتهاكات إليشاع غيرالقانونية التي جَلَبَت على الكنيسة المصائبَ والوَيلات، ويقول (ماري في   المجدل ص 49 وكتاب المجامع ص 81 / ت ص334 ) بأنَّ فترة الشقاق هذا إستمَرَّت مدة 15 عاماً.

 

الملك كِسرى الأول أنوشِروان 531 – 579 م

                                                                                                                                                                                                                                               كان يَجري كُلُّ ذلك على عَهد الملكِ كِسرى الأول أنوشِروان الذي إعتلى العَرش عام 531م خَلفاً لوالدِه قَبّاذ. يقول يوحنان اسقفُ آسيا في(تاريخه ط . كورتون ص288) عن الملكِ كِسرى أنوشِروان، بأنه  كان داهياً  وسياسياً مُحَنَّكاً صَقَلَتهُ التجاربُ التي مَرَّ بها والدُه قَبّاذ فاتَّخَذَ مِنها عِبرةً لتعبيدِ طريقِ حُكمِه ليكون خالياً مِن الثغرات، فقَرَّرَ تَصفية كافةِ المُتمَلِّقين والمُتمَرِّسين على الخيانةِ والتآمُر بَدءاً بإخوتِه وقادة جيشِه. ويقول عنه(التاريخ السعردي2 ص 54-55) بأنه تلقى دراسة الفلسفة على برصوما اسقف قردو وكذلك على بولس الفيلسوف الفارسي الذي أعلن عن جحودِه بسبب عدم إقامته مطراناً على كُرسيِّ فارس. لقد أظهَرَ هذا الملكُ السياسيُّ الداهية، الكثيرَ مِن اللُطفِ نحو مسيحيي مَملَكتِه في باكورةِ حُكمِه، مانحاً إياهم حُرية كاملة للتَصَرُّفِ بشؤونهم الخاصة، وتلك كانت عاملاً مُساعداً على إستِمرارية الرئاسة الكنسية العُليا المُزدَوَجة ومُواصلةِ إيليشاع لنَهجِه السَيِّ في تأزيم أمور الكنيسة التي كانت تنظر إليها الجماهيرُ الكلدانية المسيحية نظرةً امتعاضية وتَتوَقع لهذه الفوضى البغيضة نهاية قريبة، مُعتبِرة إياها نكبة للكنيسة أُفتِقدَت فيها كُلُّ المقاييس وضاعت القِيمُ والتقاليدُ الأصيلة. ومِن الآباء الذين وقفوا على الحياد مِن هذا النزاع كان: مطران بيث لاباط واسقف كشكر واسقف الأهواز الذي تولّى منصب الجثلقة، فانتهَت برئاستِه الرئاسة المُزدوجة.

جاءَ في كتاب(التاريخ السعردي2 ص 61 والمجدل / ماري ص 49 عمرو ص 39) بأن الملكَ كِسرى الأول أنوشِروان قَرَّرَ عام 534م القيام بحملة عسكرية فغادر فارسَ على رأس جيشٍ كبير وكان الحَرُّ شديداً جداً، وما إن عَلِمَ بولسُ اسقفُ الأهواز خليفة بوزاق بِرحلَةِ الملك حتى خَرَجَ للقائه، وقد حَمَّلَ ظهورَالبِغال بزُقاقاتٍ جِلدية كبيرة وكثيرة مِن المياه، فارتوى مِنها الملكُ وعساكِرُه في تلكَ المناطق القفراء الجرداء. سُرَّ الملكُ بمُبادرةِ  بولس وأخَذهُ العَجَبُ مِن يقظتِه وشدَّةِ اهتمامه به ومَحَبَّتِه الصادقة له، وقَدَّرَ عَمَلَه هذا ونَوى رَدَّ الجميل إليه في أول فرصةٍ سانحة، فعندما تُوُّفِيَ نَرساي الجاثاليق عام 537م، فَرحَ إيليشاعُ كثيراً ظَنّاً مِنه، أن الساحة الكنسية خَلَت له ولم يَعُد هناك مُنافِسٌ، فتَقَدَّمَ داعِمُه بيرون الطبيب بِطَلَبٍ الى الملك لتثبيتِ إيليشاع جاثاليقاً وحيداً للكنيسة، فكانت المُفاجأة التي لم يكن يتوَقعُها، إذ لم يَرفض الملكُ طَلَبَه فَحَسْب، بل أمَرَ بتنحية إيليشاع فوراً وتَنصيب بولسَ اسقفِ الأهواز جاثاليقاً بدلاً عنه.

 

الجاثاليق بولس 537 – 539م

 

وتنفيذاً لأمرالملك كسرى الأول أنوشيروان حضرالأساقفة الى المدائن العاصمة وتَمَّ رسمُ بولس اسقفِ الأهواز جاثاليقاً، فانتهَت الرئاسة البطريركية المُزدوجة التي إستَمَرَّت خمسة عشرعاماً بحَسَبِ ما ذكره مجمع ساليق السابع(مجمع الجاثاليق آبا الكبير) وعانى منها الكلدان كثيراً.

جاءَ في كتابِ(المجامع ص 81  والمجدل/ماري ص49  وإِلِيّا الدِمشقي/ السمعاني3 ص 78) بأن بولسَ اسقفَ الأهواز وحالَ تنصيبِه (جاثاليقاً) بَدَلاً مِن إيليشاع المعزول بأمر الملكِ كِسرى أنوشِروان الأول أظهَرَ كفاءَةً عالية جديرة بمنصبه الرفيع مَشوبَةً بالغيرةِ والجَرأَةِ والقوَّة، وللفَور باشَرَ وبحزمٍ سَعيَه الحثيث لإيقاف التَدَهوُرالذي أحدَثَ شَرخاً كبيراً في هَيكَلِ الكنيسة الكلدانية النسطورية (كنيسة المشرق قبل النسطرة) وأوصَلَها الى درجةِ الحضيض ولاسيما على عهدِ الرئاسة المُزدَوجة لنَرساي وإيليشاع، فبادَرَ الى حَرم الأساقفة اللاشرعيين الذين رُسِموا مِن قبلهما أثناء فترةِ صِراعِهما الطويل نسبياً، ورَسَمَ بَدلاً مِنهم أساقفة ذَوي أهليةٍ عِلمية وغَيرةٍ روحية لخِدمة أبناء الكنيسة، تَسَنَّموا كراسي اولئك المُبعَدين المَحرومين، ثمَّ ألغى كُلَّ الكُتُبِ والحُروم المتبادَلةِ بين الجاثاليقَين الغريمَين نَرساي وإيليشاع، ولكِنَّ قُصرَ زَمَن رئاستِه لم يُسعِفهُ للقيام بالمَزيدِ مِن الإصلاحاتِ والتنظيماتِ لإعلاءِ شأن الكنيسة الى المُستَوى اللائق بِها، حيث وافاهُ الأَجَل في عيد الشعانين عام 537م بعد سنتَين مِن جلوسِه على كُرسيِّ الجَثلقة بِحَسَبِ ما ذَكَرَ إِلِيّا الدِمَشقي في (تاريخه ص 78). وكأنّي بالكنيسة الكلدانية النسطورية على موعدٍ مع رئيس قادرٍ على رَفعِها مِن كبوتِها وتضميد جراحها التي أصابتها مِن جرّاء إزدواجية الرئاسة، وكان للتدخل الربّاني دورٌ في مَنح الكنيسة هذا الرئيس بشخص الجاثاليق مارآبا الكبير. والى الجزء الخامس قريباً

 

الشماس د. كوركيس مردو

في 13 / 12 / 2014

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى