الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمن/ الجزء الثالث


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

الصراع الداخلي بين بابوي وبَرصوما

 

تروي المصادرالتاريخية التالية: في كتاب (المجدل: ماري ص 41 – 43 وعمرو ص 29 – 31 والتاريخ السعردي ج2 ص 7 – 10 و سير الشهداء والقديسين2 ص 631 – 634) بأنَّ بابوي جلس على كُرسيِّ الجثلقة خلفاً للجاثاليق الراحل مارداديشوع عام 457 م وهو العام ذاتُه الذي فيه تسلطَ الكلدان المونوفيزيون على مدرسة الكلدان النساطرة في الرُّها. وكان مِن قرية التل (تقع بمنطقة كشكربالقرب من واسط وتُعرف اليوم بـ تل فخار) على نهـر صرصر، مجوسياً واعتنق المسيحية على يَد راهبٍ مِن دير مارعبدا بدير قوني، ثمَّ تَرَهَّبَ وانكبَّ على اكتساب العِلم فمَلَكَ ناصيتَه، ويقول عنه المؤرخ المونوفيزي إبن العبري(التاريخ الكنسي ج2 ص 59 وسير الشهداء والقديسين2 ص 631 / ح 1) <بأنَّ بابوي كان مجوسيَّ الأصل تأثَّرَ بالدين المسيحي وآمن به فاعتنقه، ولما إتَّصل خبرُه بالملك الفارسي بنبذه للديانة المجوسية، إستاءَ مِنه جداً وأمر بسجنه لمدة سبع سنين تحت طائلة العذاب لإجباره على الكفر بالمسيح، ولكن عزيمتَه كانت أقوى مِن تعذيب المجوس، وما إن إستَتَبَّ السلامُ بين الفرس والروم بعقد معاهدةٍ صُلح، حتى أُطلق سراحُه، وإذ رأى الأساقفة فيه رسوخ الإيمان إنتخبوه لمنصب الجثلقة وأقاموه جاثاليقاً لكنيسة الشرق الكلدانية>.

تميَّزَ بابوي بجشعِه الكبير وحُبِّه المُفـرط للمال،فأهمل القوانين الكنسية، كما قام بعزل الكثير من الأساقفة الذين وجهوا إليه اللوم في فترة سجنه، وقاد الكنيسة وفق أهوائه الشخصية، مِمّا أدّى الى انتشار الفساد الأخلاقي بين الشعب المسيحي وضعف الإيمان وارتكاب أعمال السوء، وسرى هذا الشر الى بعض الأساقفة والكهنة والرهبان (التاريخ السعردي ج2 ص 7-9). ونتيجة لذلك جلب عليه سُخط  العديد مِن الأساقفة وأعلنوا عليه العصيان بزعامة برصوما مطران نصيبين، فاشتدَّ الصراع بينهم وبين بابوي والأساقفة المُوالين له، فتسارع كُلٌّ مِن الفريقين الى عقد مجمع للتنديد بخصمِه. وفي نيسان عام 484 م عقد برصوما وأقرانُه مجمعاً في بيث لاباط عاصمة الأهواز برئاستِه وبمعاونة ناني اسقف براث ميشان، وتراوح عددُهم بنحو 14 مطراناً واسقفاً بحسب كتاب (المجامع الشرقية ص 526 – 532).

وأصدر المجمع عدة قرارات أهمّها:

1- عزل الجاثاليق بابوي وشجب تَصرُّفاته، ومِن الأعمال التي أشاروا الى شجبهـا بحسب المصدر السابق “تَـشَكِّيات ومَذمّات وافـترءات وشهادات على مار بابوي” ووفق ما أشارت إليه أيضاً إحدى رسائل برصوما المُوجَّهة الى الجاثاليق أقّاق. 

2- تحريم تعليم هرطقة المونوفـيزيين وحرم كُل رافضٍ لكُتُبَ تِئودوروس المصيصي المُفـسِّر المُمتلئة حِكمة وصواباً ” ومِن غرائب الصُّدف أن يتوافق هذا التحريم مع تحريم مجمع عُقد في روما برئاسة البابا فيلكس في السنة ذاتها 484 م لأقّاق بطريرك القسطنطينية المونوفيزي الذي دفع الملك الروماني “زينون” للوقوف الى جانب المونوفيزيين ونصرة هرطقتهم.                                  

3- ومِمّا لم يكن في الحسبان هو قرارالمجـمع بالسماح للرهبان والكهنة والأساقفـة بالزواج في حالة عدم قدرتهم على ضبط أنفسهم.                                                                                                                                      4 – إتخذ المجمع قراراً بمنع السيمونية (شراء المراتب الاسقفية بالمادة) والزواج بامرأة الأب والأخ وبامرأَتين كما كانت عادة المجوس وغيرها مِن الامور . . .

 

وإزاء هذا الموقف الذي اعتبره الجاثاليق بابوي مُخالفاً وغيرَ مسبوق، دعا الأساقفة المُوالين له وكلّهم مِن أبرشية الجاثاليق الكبرى وعقدوا مجمعاً قرَّروا فيه حَرم برصوما وأقرانه.                                                                 يروي لنا (التاريخ السعردي2 ص 8 – 9) وباختصار تلك الأحداث الأليمة التي ألَمَّت بكنـيسة الشرق الكلدانية حـيث جاء فيه: “لما رأى الآباءُ ما يجري{مِن تصرفات بابوي} إجتمعوا في السنة الخامسة والعشرين وبالأحرى(السابعة والعشرين) لفيروز لمُعاتبة بابوي على ما يستعمله. وعملوا قوانين حظروا فيها الـتزويج مِـن إمرأة الأب والأخ وبامرأَتين وأشياء كثيرة. فقاومهم بابوي والموالون له من الأساقفة وقثرسهم(حرمهم) وفعلوا هم مثل ذلك وحرموا كل مَن يُخالف ذلك وما وضعوه ورسموه. وكتب برصوما مطران نصيبين كتاباً أطلق فيه أن يتزوج الديرانيون والكهنة الذين لا يمكنهم ضبط أنفسهم. واحتج بقول بولس الرسول”التزويج خير للإنسان مِن الإحتراق بالشهوة” (1 كور 7 / 9) ورضي بذلك الأساقفة الـمُجتمعون معه ” .

مقتل بابوي الجاثاليق

ولم يقتصر جُهدُ برصوما بهذا القدر على مُعاداة بابوي الجاثاليق، بل راح يتحيَّن أيَّة فرصة مؤاتية للإيقاع بالجاثاليق والتخلُّص مِنه بأيِّ شكل كان، وتروي الكثيرُ مِن المصادر التاريخية ومِنها (المجدل/ماري ص 41 – 43 صليبا ص 29 – 31 تاريخ ميخائيل اليعـقـوبي/ الترجمة2 ص 123 و437 وسير الشهـداء والقديسين2 ص 631 – 634 وكذلك التاريخ السعردي2 ص 7 – 10 وروايته هي الأقرب الى الواقع والحقيقة) حيث تقول: <في خِضمِّ الإضطهاد الذي إنحصرت حوادثُه المريرة في منطقة بيث أرمايي أي ابرشية الجاثاليق الكبرى، وثِقل الهـموم الذي وقع على الجاثاليق مِن جرّاء عصيان برصوما ومؤَيِّديه مِن المطارنة والأساقفة . . . إغتمَّ بابوي بذلك غمّاً شديداً، وكتب الى زينون ملك الروم كتاباً يشكو إليه فيه ما جرى لرعيته، ويسألُه مُكاتبة ملك الفرس فيروز في تخفيف الأذى. وأنفذه مع رسول وجعله في جوف عصاه. فلما وصل نصيبين، وقف أصحابُ برصوما عليه. فأخذوا الكتاب وأنفذوه الى فيروز، ويُقال أنَّ برصوما ذاته فعل ذلك. فأُحضر بابوي وعُرض عليه الكتاب مختوماً بخاتمِه. فاعترف بصحة الختم. وكان قد ضَمَّنَه ما قاله بنو حننيا في أمر بختنصَّر. وأسلمَه الله الى(المملكة الأثيمة ܡܠܟܘܬܐ ܪܫܝܥܬܐ) التي هي أشَرٌّ مِـن سائر ممالك الأرض(سفـر دانيال 3 / 32) فلما قريءَ الكتاب بحضرة فـيروز وفُـسِّرَ الى الفارسية. إغتاظ وقال أنت مُستحق القتل لأنكَ سَمّيتَ مملكتي الجبارة أثيمة. وقد كنتُ في سبيلي أن أقتلك منذ وقت خالفت أمري وأسَمتَ الأساقفة. ولكني تغافلت عنك فـتجاوزتَ ذلك الى غيره. فقال مَن حضر مِن النصارى، إنما أراد بالمملكة الأثيمة أي المُخالفة للنصارى. ولو عَدِل عن ذلك لظنَّ الروم أنك نصراني وفيه انتقاص مِـن مُلككَ >.                                                                            

 

واعتذر بابوي وقال أنا أدعو للملك دائماً وأُصلي مِن أجله وأُحب مملكتَه. فقال له فيروز خطأُكَ أعظم مِن أن يُغفر فإن كان ما ذكرتَه مِن محبتك صحيحاً فاسجد للشمس لأعلم حقيقة ذلك. فامتنع. فأمر أن يُعَلَّق على خشبةٍ بإصبعه التي فيها الخاتم المختوم فيه الكتاب. فعُلِّق بخنصره خارج المدائن الى أن مات. وأخذ جسدَه قوم مِن الحيرة ودفنوه فيها وكُتِب اسمُه مع الشهداء ” وهنالك إضافة في قصة حياته المنشورة في كتاب( سير الشهـداء والقديسين2  ص 631 -634 )” لأنه صُلبَ بدافع بُغض ِالمجوس وبني شعـبِه ” وعبارة بني شعبه يُرادُ بها برصوما مطران نصيبين ومؤازروه في تحَدّيه للجاثاليق بابوي، وقـد جرى هذا الحدَث بعد المجمع البيثلاباطي الاسقفي  بشهرين أي في حزيران عام 484 م وقبل موت فيروز في نهاية صيف نفس العام. وكانت مدة رئاسة مار بابوي سبعاً وعشرين سنة مليئة بالهموم والمصائب.

 

التصدّي لأتباع المونوفيزية

بعد صفاء الجو لبرصوما بمقتل الجاثاليق بابوي خصمه الكبير، أخذ يستعد ورفاقه لصدِّ خطر البدعة المونوفيزية التخريبية وإبعاده عن الكنائس الكلدانية الفارسية. وإزاء إستفحال أمرالمُنادين بها، بدأَ برصوما يُطارد زُعماءَهم ويبطش بهم، مستخدماً نفوذه المدعوم من قبل الملك الفارسي فيروز الى الحد الذي وضع تحت إمرته قوة عسكرية لتنقية الأرض الفارسية من شرورهم! حتى إنَّه تَعَرَّض لتَجَنّيهم واتهامهم المُبالَغ فيه جداً، بأنه قتل مِنهم ما يربو على السبعة آلاف نفس. لا ريبَ أنَّه أبدى قساوة ضِدَّ خصومِه، وهذا ما يشهد عليه المؤرخون الشرقيون، فقد قال (ماري في المجدل ص 45) < طلب فيروز الملكُ اليعاقـبة وقتلهم، وقُتل مِنهم بتكريت خَلق وتَـمَجَّس (أصبحوا مجوساً) الباقون . . . وقُتل مِن اليعاقبة في شرقيِّ الموصل خلق > أما (صليبا في المجدل ص 34) فيقول < . . وجرى لأجل ذلك أشياء يطول شرحُها بين برصوما وأهلِ مذهب جبرائيل أُريق فيها الدماء > ويقصد صليبا بأهل مذهب جبرائيل المونوفيزيين اليعاقبة، وقـد قالها بغير أوانها  ناسباً إيّاها الى جبرائيل السنجاري المونوفيزي طبيب الملك كسرى الثاني الذي حكم في مُستهلِّ القرن السابع .

                                                                                                                                                    وغالبية المونوفيزيين اليعاقبة كانوا رهباناً قدموا الى بلاد الفرس كما أشار إليهم مجمع ساليق الخامس المنعقد برئاسة الجاثاليق أقّاق في (سير الشهداء والقديسين4 والتاريخ السعـردي2 ص 31) وكان على رأسهم أَخِسنايا زميل برصوما ورفاقه في مدرسة الرُّها، والذي إستغلَّ مُساندة الملك الروماني زينون برجوعه الى هذه البلاد ثانية، لكي ينشر البدعة المونوفيزية ليُضِلَّ بها بني قـومه كما ضَلَّ هو نفسه بها، انظر(كتاب الإتحاد لباباي الكبير الفصل التاسع) وكذلك ورد في المصدر نـفسه(ص 320) بأنَّ أخاه أدّي وبابا البـيثلاباطي وبنيامين الآرامي وبرحذبشبا القردوي، قد إنخدعوا بهذه البِدعة، وقدموا معه الى هذه البلاد، والذي شَجَّعهم على هذا القدوم يعقوب السروجي وأبدى لهم كُلَّ مُساعدة مُمكنة بفضل شهرته العلمية ومؤَلفاتِه، وجاء في كتاب(ساهدونا ط. بيجان ص 605 – 612) بأن السروجي هذا كَتَبَ رسالة الى أهل أرزون يُحذِّرُهم فيها مِن الوقوع في فَخِّ نسطور، ويُضيف المصدرُ نفسه (ص709) بأنَّ يعقوب السروجي ذاتَه قد أتى الى نصيبين والدليل على ذلك عناوين بعض ميامره.

 

وقد قال شمعون الأرشامي في (السمعاني 1  ص 354 والمجامع الشرقية ص 61 – 63) < فلما رأى أساقفة الكلدان تلامذة مدرسة اورهاي”الرُّها” الخطر العظيم المُحيق بكنائسهم مِن جراء بَثِّ البدعة المونوفيستية(المونوفيزية) أفرغوا كُلَّ ما بوسعِهم في مقاومتِها، فجاهروا علانية بالنسطرة في مجمع عقدوه في بيث لاباط سنة 484 > ومِن الغرابة أنَّ سمعان الأرشامي الذي زامن هذه الأحداث وعاش قريباً مِنها، لم يذكر شيئاً في رسالته الاولى في (المجامع الشرقية1 ص 354 – 356) عن اضطهاد برصوما لأبناء مذهبه. وبالرغم مِن الشقاق المرير المُستحكم بينهم وبين بابوي الجاثاليق إستطاعوا إلحاقَ الهزيمة بأخِسنايا ورفاقِه وطردَهم مِن البلاد الفارسية. جَرَت هذه الأحداث في المنطقة المُمتدة ما بين المدائن حتى شمالي الموصل، ولا صحة البتة لِما قيل عن مقاومة تكريت لبرصوما، وإنما أُضيف ذلك في الزمن المتأخر مِن قبل بعض اليعقوبيين، لإضفاء بعض الأهمية لتكريت التي غدت حِصناً مونوفيزياً وبخاصةٍ بعد مُنتصف القرن السادس. وقد حاك المونوفيزيون اليعاقـبة حكاياتٍ كثيرة مُلفقة حول برصوما تكشف بذاتِها عن بطلانها ولسنا هنا بصدد ذكرها وتفنيدها.

 

استمرارية الصراع الكنسي

  وبالرغم من كون مارأقّاق زميلاً قديماً لبرصوما واقرانه رفاق الدراسة في مدرسة الرُّها الذين أصبحوا لاحقاً أساقفة كما نوَّهنا، ومع ذلك فإنَّ انتخابَه جاثاليقاً لم يُنهي الصراع الكنسي الداخلي المُحزن والمُزمِن لأنَّ برصوما مطران نصيبين ومناصريه الخصوم التقليديين لكرسي المدائن الرئاسي الأعلى، ناصبوا أقّاق الجاثاليق الجديد العِداء، وحاولوا الطعن في سيرته وإظهارَه بصورةٍ سيِّئة أمام المؤمنين مُلصقين به تُهَماً شتّى، ويقول بصدد ذلك (التاريخ السعردي ج2 ص 21)بأنَّهم أوقعوا به لدى المجوس فسجنوه زمناً وآذوه، بيدَ أنَّ أقّاق فنَّدَ مزاعِمَ برصوما ورفاقِه ودحضها ببراهين قاطعة تنفي عنه أيَّ شكٍّ بفضائله، حيث يروي المؤرخ (ماري في المجدل ص 43) قائلاً <فخزي برصوما ولم يسعه إذ ذاك إلا التقرُّب من الجاثاليق والإقرار بسوءِ تصرُّفه تُجاه سلفه الراحل الجاثاليق بابوي.وهكذا وكما ذكر كتاب (المجامع الشرقية ص 535) بأنَّ هذا الوضع المُؤلم لم يستمر طويلاً بين تلامذة الأمس وأساقفة اليوم. ولقيام برصوما ومناصريه باتخاذ موقفٍ مُسالِم عِدَّة أسبابٍ أهمُّها:

1 – شعور برصوما ومناصروه بتضعضع موقفهم بعد وفاة الملك فيروز الداعم القوي لهم.

2 – عِلمُهم اليقين بعمق ثقافة الجاثاليق أقّاق وسعتها الى جانب معرفتهم بسيرته الفاضلة، وإنَّ مقاومته غير مُجدية.

3 – وصولهم الى نتيجة حاسمة بأنَّ الصراعَ مهما طال ليس من ورائه فائدة، بل هو مجلبة للضرَر في الظروف العسيرة الراهنة التي تمر فيها كنيسة المشرق، وبخاصة في الوقت الذي يتزايد فيه نفوذ المونوفيزيين وتتسرَّب تعاليم بِدعتِهم المخالفة للإيمان الحق القويم الى مناطق الشرق، وأمام هذا الخطر الداهم لا يُعقل أن يقوم برصوما بالعمل على استمرار الفرقة المؤدية الى إعطاء زخم للعدوِّ المشترك وهو واثق تماماً بأنَّ الخطر المونوفيزي يُهدِّد مركزه  في المقام الأول وهذا ما ألمح إليه في رسالته الإعتذارية الثالثة الى الجاثاليق أقّاق (المجامع الشرقية ص 535) وأمام العون والتأييد الكبيرَين اللذين يلقاهما المونوفيزيون من الدولة البيزنطية آنذاك، وجد برصوما ذاتَه في مأزق وبأشَدِّ الحاجة الى نجدته من قبل الجاثاليق ونيل تأييده للوقوف في وجه المَدِّ المونوفيزي المتصاعِد والذي كاد يغزو مدينته نصيبين ايضاً.

 

أبدى مارأقّاق الجاثاليق تجاوباً ايجابياً مع رغبةٍ بَـرصوما في نبذ الخصام والعودة الى التفاهم للوصول الى الصلح التام، وأبلغ استعدادَه لإجراء المُناقشات، واتفق الطرفان(مجمع أقّاق ص 53) على الإجتماع في بلدة  بيث عذرايي (باعذري الحالية) الواقعة  شمالي الموصل بالقـرب مِن ألقوش، ودارت هـنالك مُداولات مطوَّلة جادة وشاقة معاً في شهر آيلول لعام 485 م،أسفرت عن نتائج ايجابية، حيث قدَّم برصوما وأقرانُه الطاعة للجاثاليق واستنكروا كُلَّ مأ أصدروه مِن قرارات في مجمع بيث لاباط عام 484 م وألغوها. ثمَّ طلب برصوما مِن مارأقّاق أن يدعو الى عقد مجمع عام في ساليق، لدراسة قـضايا الكنيسة وإضفاء الصيغة الرسمية إليها، وقوبل إقـتراحُه  بإستحسان مِن قـبل الجميع .

 

لا شَكَّ أبداً أن الأمجادَ الدُنيوية لها تأثيرٌ قوي على سلوكِ بني البشر، لا يُستَثنى مِنه أصحابُ السُلطةِ الروحية، فبعد خَمسةِ أعوام مِن عقدِ المَجمَع الكنسي”مَجمَع ساليق الخامس” إستَعَرَ نارُ الخِلاف بين مار أقّاق الجاثاليق وبَرصوما اسقفِ نصيبين ثانية، وطِبقاً لِما أورده المؤرخان في (المجدل:عَمرو ص 35  وماري ص 43  والتاريخ السعردي ص 21) < كانت أسبابُه شخصية ودُنيوية أكثر مِمّا كانت كَنسية ورئاسية، إذ إنَّ مارأقّاق لم ينسَ عِنادَ بَرصوما وتَصميمَه على عَدَم حضور مَجمَعِه، فتَجاهَلَ رَغبة بَرصوما في مُرافقتِه عام 487 م بسفارتِه الى ملكِ الروم زينون مبعوثاً مِن قبل الملك والاش بحسب ما ذكرته (المجامع الشرقية ص 527) وتُضيف هذه المصادر بأنَّ الملك الروماني زينون رَحَّب بحرارةٍ بالجاثاليق أقّاق وأكرم وفادتَه، ولبّى طلبَه بخصوص عودة الأساقفة المنفيين الى كراسيهم. وعلى عكس ما لقيه مارأقّاق مِن ترحيب الملك وإكرامِه، أسمَعه البطريرك البيزنطي كلمات عتابٍ وتأنيب عند استقباله له، مُنتقداً موقفه بسكوتِه على برصوما مع علمه بدوره في مقتل سلفه الجاثاليق بابوي، وأبدى تَحَفظه على صحة مُعتقده، وطالبه بحرم برصوما الذي بلغتهم عنه امور رديئة كثيرة، فاضطرَّ الجاثاليق أقّاق الى تلبية رغبة البطريرك الروماني وأساقفته  لكي يتسنّى له مُشاركتهم بالأسرار.

 

ولدى عودة مارأقّاق الى بلاده مَرَّ في نصيبين، ووجد أهاليها حانقين على برصوما مطرانِهم، فطالبوا الجاثاليق بإبداله، إلاّ أنَّه تَمَكَّنَ مِن تهدئة خواطرهم وإقناعهم بضرورة إستمرار برصوما على رأس أبرشـيتهم، تقديراً لشخصيته وللنفوذ الذي لا يزال يتمتع به نوعاً ما لدى البلاط الفارسي لقاء خدماتِه السابقة. ورغم كُـلِّ ذلك فإن الخصام طفى على السطح بين الجاثاليق أقّاق وبرصوما، فقد جاء في أعمال مجمع باباي(المجامع الشرقية ص 63 / ت 312) بأن الخصومات بدأَت مِن جديد بين الجاثاليق وبرصوما وأتباعهما منذ السنة الرابعة لحُكم الملك قبّاذ أي (سنة 491 م) وحتى السنة الثانية  لظماسب أي (سنة 497 م) ولكن الواقع ينفي ذلك لأن وفاة برصوما تَمَّت في نهاية عام 495 أو أوائل عام 496 م بدليل شغل كُرسيِّ نصيبين مِن قبل شخصٍ آخر عام 496 هو المطران”هوشاع” حيث يقول ايليا النصيبيني أن قوانين جديدة لمدرسة نصيبين تَمَّ وضعها في 21 تشرين الأول مِن تلك السنة ذاتها مِن قبل المطران الجديد هوشاع. وبعد وفاة برصوما بمدةٍ قليلة، تُوفّي مارأقّاق أيضاً بعد أن جلس على كُرسيِّ ساليق إحدى عشرة سنة وبضعة أشهر.

 

ورَغمَ كُلِّ ما قيلَ عن بَرصوما مطران نصيبين الشهير، يُؤَكِّدُ المؤَرخون الكنسيون، بأنه كان أنشطَ أساقفةِ كنيسة المشرق الكلدانية وأشجَعَهم، ثاقِبَ الفِكر، قويَّ العزيمة، إليه يعودُ الفضلُ الأكبرُ بِدَحر بِدعةِ المونوفيزيين (اليعاقبة لاحقاً) التي إبتدَعَها الراهبُ الهَرطوقي اوطاخي، والتي كادَت تُفـسِدُ الكنائس الكلدانية، ونتيجةً لِدَوره الكبير والمُشَرِّف لم يَتَوَرَّع اليعاقبة ولا سيما إبنُ العِبري عن نشر أضاليل حِقدِهم وتلفيقاتِهم الكاذبة عنه، وإطلاقهم عليه أوصافاً مُبـتذلة إن دَلَّت على شيء، فإنها تَدُلُّ على عُمق مَهانتِهم وانحِدارهم الى أدنى مُستوى أخلاقي وضيع، يَعكِسُ بشكل واضح ضُعفَهم وخطأ مذهبِهم المُنتَقِص مِن عظمةِ الآلوهية، وإن التقليدَ اليعقوبي المُتوارَث الذي قام بِحِفظِـه البطريرك المونوفيزي اليعقـوبي ميخائيل وابن العبري عن بَرصوما مطران نصيبين الكبير مُفتَعَلٌ ومُلَفَّقٌ بالكامل.                                                             

ومع كُلِّ عنف عواصف الخصام والإضطراب التي هَبَّت على كنيسة المشرق، فإنَّها لم توقِفها عن نشر رسالتها المسيحية بين الأكراد وسُكّان هضبات ايران حيث يقول كتاب(سيرالشهدء والقديسين2 ص 635 – 680) بأن المسيحيين ويعني الكلدان النساطرة لم تَحُل الصعوباتُ والإضطراباتُ وحتى الإضطهاداتُ دون تسابقهم الى بذل دمائهم في سبيل المسيح، ولكن هذه المصائب كانت للمونوفيزيين فوائدَ إستغَلّوا ظروفها لصالحهم بكُلِّ ما أُوتوا مِن القوة، فبعد أن وسَّعوا نفوذهم بقوةٍ في المنطقة الخاضعة للسُلطة الرومانية وبدعمها، تسَلَّلوا نحو المنطقة الفارسية، مِمّا حدا ببرصوما مطران نصيبين كما ذكرتْ (المجامع الشرقية  ص 528 / ت ص 574 – 576) بأن يتناسى خلافَه مع الجاثاليق أوعلى الأقل يتحَفَّظ عليه فيطلب مُساعدتَه، فيُبادر الجاثاليق الى حرمهم وهو أحد الأسلحة لدرءِ خطرهم حيث داهمه في عُقر داره أي في مركز أبرشيته. وقد وَجَّه المونوفيزيون نشاطهم نحوالقبائل العربية المُحاددة للمملكة الفارسية، وقَدَّمَ لهم أُمراءُ بني لخم التأييد والمُساعدة، ويعود الفضلُ بذلك الى عميد المونوفيزية وقتذاك شمعون الأرشامي الذي كان حلقة وَصل ٍبين الشرق والغرب، وقد تلقّى المونوفيزيون الـدعمَ والمُساعدة مِن بعض ملوك الرومان ولاسيما الملك زينون الذي أصدر مرسومَ المُصالحة (هينوتيكون) الذي أراد فرضَه على الكلدان النساطرة لصالح الكلدان المونوفيزيين. وقد ورد في (المجامع الشرقية ص 65 / ت ص 314) بأن أسقفين شرقيين مِن بين أساقفة مجمع باباي الجاثاليق عام 497 م جاهرا بتأييدهما للبدعة المونوفيزية هما: يزيداد اسقف روارداشير وبابا اسقف بيث لاباط زميل فيلوكسينوس(أخسنايا) المنبجي في الدراسة.                                                                            

لولم يكن برصوما مطران نصيبين العقلَ المُدبِّر لدرءِ خطر البدعة المونوفيزية ودَحر مُرَوِّجيها، لكانت قد غزت الكنائس الكلدانية، لذلك نرى غلاة المونوفيزيين اليعاقبة يصفونه بأبشع الألقاب البذيئة، تَـنِمُّ عن نقصٍ في خُلقِهم ومدى بُغضهم له وحِقدِهم عليه، حيث ينعته الـمونوفيزي غريغوريوس الملقب بإبن العِبري (بتاريخه الكنسي 2 ص 69) “ܒܪܨܘܠܐوتعني إبن النعل وشمعون الأرشامي (السمعاني1 ص 353) بـ “ܡܣܝܒܐ وتعني النجس ܛܘܦܢܐ ܕܥܘܠܐ وتعنيطوفان الإثم وميخائيل في(تاريخه ص 425)  بـ ” ܣܟܝܢܐ ܕܐܟܠܩܪܨܐ وتعني سكّين الشيطان وقد كتب عنه (إبن العبري ج2 ص 63 – 78) مُطوَّلاً ناسباً إليه شتّى التُّهم وواصفاً إياه بصفات غير لائقة. والى الجزء الرابع قريباً.

 

الشماس د. كوركيس مردو

في 6 / 12 / 2014

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى