الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن / الجزء التاسع والعشرون


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

 

 

ومن النكبات الأخرى أيضاً أنَّ فيضانا كبيراً ضرب بغدادعام 1657م فتعرَّضت للتدمير من جرّائه الكثيرُ من المباني. ويستطرد المصدر السابق (تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة ج1 ص 13-14) وفي هذا العام نفسه، قام الوزير محمد باشا الخاصكي باستملاك بعض كنائس نصارى بغداد الواقعة بجوار مساجد المسلمين، والقريبة من ما دعاه أحد اولياء الله الكرام والمشايخ العظام، وحوَّلها الى مسجدٍ ومعبَدٍ لأهل الهِداية وشيَّد في أعلاها قبَّة جعل منها قبلة للناظرين، وعُرف بجامع نورسلحدار محمد باشا. شُيِّد عام 1658م.

ويذكر المؤرخ لونكريك (اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ص113) بأنَّ حالة الطوائف النصرانية كانت الحالة ذاتها التي وجدت عليها في المدى اللاحق. فقد كان الكلدان النساطرة يمتلكون كنيسة خاصة بهم. اما الرهبنات فيُمثِّلُها الكبوشيون والكرمليون، ولم يكن العثمانيون يتدخَّلون في ارتيادهم الى الكنيسة ولا في ادائهم لشعائرهم النصرانية ما عدا استيفائهم منهم رسم الدخول الى كنائسهم، أو كان تدخُّلُهم اضطرارياً لشراء اطفالهم عبيداً لأيَّة عائلة تُفقرها نفقات مأتم الى حَدٍّ لا يُطاق. ولكنَّ الحِمل الأثقل الذي كان يُحني كاهلهم جداً، كان يضطرُّهم على حمله ويشترك في تحميله عليهم القس والمسلم العامي والزائر الإيراني مع الراعي او الحمّال، هو اضطرارُهم الى استجداء عطف الحكّام الجهلة العابثين اللاهثين وراء جمع المال بطريقة التعصُّب الديني المُمارَس ضِدَّ المكوِّنات السكانية القليلة عددياً.

 

في عام 1733م توجَّهَ الصفوي نادرشاه نحو العراق، وضرب الحصار على بغداد، ودارت معركة طاحنة بين الفرس والعثمانيين في19 تموز، خلَّفت ستين الفاً من الضحايا بنسبة متساوية بين الطرفين وكان العثمانيون الطرف المنتصر، إلا أنَّ معركة ثانية كبيرة اندلعت بينهما في26 تشرين الأول انتصر فيها نادر الصفوي، وإثر ذلك بويع نادرُ شاهاً على الفرس، وكُلٌّ من الخصمَين الإيراني والعثماني عاد الى حدوده المحدَّدة. ولكنَّ الهدنة التي تمَّت بينهما كانت هشَّة ولم تستقِم طويلاً، لأنَّ نادرشاه كان قد طالب السلطان العثماني بعدة مطاليب منها: ” أن يتخلّى له عن دياربكر وارمينيا والإعتراف رسمياً بالمذهب الشيعي كمذهبٍ خامس، ويبدو أنَّ السلطان لم يُلبي هذه المطاليب

 

حصار الموصل

فتحرَّك نادرشاه بجيوشه التي توزَّعت في أطراف الموصل، واقتحمت قراها فعملت فيها نهباً وسلباً، وقتلت الكثير من سكانها المسيحيين واليزيديين، كما اقتحمت الأديُرة فنهبتها وقتلت الرُّهبان، ومن هذه الأديُرة ديرماراوراها العائد للكلدان الكاثوليك الواقع بالقرب من قرية باطنايا في سهل الموصل. فأخذ الهلعُ من أهالي القرى مأخذَه، وهرعوا الى الموصل مستجارين فيها، وقد استقبلهم الحاج حسين باشا الجليلي وآواهم باثاً فيهم الشجاعة، كما زوَّدهم بالمؤن والسلاح. لقد تعهَّد أهلُ الموصل بالدفاع عن مدينتهم بكُلِّ ما اوتوا من القوة، واستعدوا لمقاومة الحصار. وتصدَّ جنود حماية الموصل للقوات الإيرانية الغازية، وجرت مُناوشات بينهما خارج المدينة، لكنَّ القيادة العسكرية ارتأت سحب جنودها الى داخل الموصل، ثمَّ اغلقت ابوابَها، وصعدت الجماهير الى القلعة، وتمركز بعضُ الجنود على الأسوار. وتقدَّمت قوات نادرشاه وعددُها نحو 300 الف مقاتل وأحاطوا بالقلعة والأسوار، وطالبوا الأهالي بالإستسلام منذرينهم بالويل والثبور، وما إن جوبهوا بالرفض حتى نشبت الحرب، وانهالت القذائف من مدافع القوات الإيرانية المئتين، صوبَ المدينة ومن كافة الإتجاهات، ويُقال بأنَّ عدد القذائف التي اطلِقَت خلال مدة قصيرة زاد عن 50 الف قذيفة، ولإستمرارية القصف الكثيف تعرَّض جزء من اسوار المدينة للهدم ولمثل ذلك تعرَّضت قلعة باشطابية المنيعة.

إلا أنَّ سكّان المدينة كانوا يُصلحون في الليل ما تهدَّم، ويتفرَّغون للقتال في النهار، ولما طال القتال وأخد اليأسُ من نادر شاه والتملمُلُ من جيشه، تفتَّقَ ذِهنُه عن طريقةٍ يخدع بها أهالي الموصل متظاهراً برفع الحصار والإبتعاد عنها، فتوجَّهَ بجيشه الى جزيرة إبن عمر فدخلها وعاث فيها فساداً وأحدث دماراً. ثمَّ اقتحم كنيسة للكلدان وكان يوم الأحد وقد احتشد فيها الناس خوفاً من الجيش الصفوي الغازي، ولم يحترم الجيش حرمة الكنيسة بل اقترف مجزرة دنيئة قتل داخلها عدداً كبيراً من المُصلّين. ثمَّ رجع نادرشاه بجيشه الى الموصل ثانيةً وحاصرها، عاقداً العزم على اقتحامها، فباشر جنودُه قتالاً ضارياً مع المُدافعين الشجعان الرابضين على الأسوار ودام الكَرُّ والفرُّ لمدة ثمان ساعات، ارتدَّ بعدها جنود الغازي خائبين مرعوبين ومتكبِّدين حوالي 5400 من القتلى بينما كانت خسائر المدافعين لم تتجاوز المائة قتيل وقليلاً من الجرحى. وإزاء الفشل الذريع الذي منيَ به نادرشاه وجيشه، جنح الطاغية نادرشاه الى الصلح، فاستجاب زعماء الموصل، واسفرت النتيجة عن رحيل الجيوش الفارسية من الموصل الى غير رجعة. وبذلك سُرَّ أهالي الموصل واللاجئون إليها بهذا الإنتصار الكبير!

 

وجاء في كتاب (تاريخ الموصل ج1 ط. مصر 1923 ص 278-290) قد عزا الناسُ آنذاك بأنَّ هذا النصر المؤزر كان اعجوبة من أعاجيب العذراء مريم في حماية المدينة وأهلها، وكانت كنيستها “كنيسة الطاهرة” تقع عند السور من ناحية قلعة باشطابية، وما زال سكان الموصل الى اليوم نقلاً عن آبائهم واجدادهم، بأن السكّان شاهدوا عند احتدام القتال اشخاصاً من على سطح كنيسة العذراء الطاهرة يُدافعون عن المدينة رادِّين عنها القذائف ومصوِّبينها نحو العدوِّ. والمشهد هذا الذي أكَّده أهل الموصل دفع الوالي الحاج حسين باشا الجليلي للقيام بتجديد هذه الكنيسة التي نال منها دمار كبير أثناء ذلك القتال الإعتدائي الشرس. ولم ينسَ التاريخ ذِكر مآثر الحاج حسين باشا لقيامه بتجديد وترميم ثمان كنائس في الموصل من ماله الخاص ومن بينها: كنيستا العذراء الطاهرة العليا والسفلى. ولمَن يجهل شيئاً عن كنيسة الطاهرة نقول: بأنها كانت كنيسة الدير الأعلى المُطلق عليه أحياناً ديرماركبرئيل وأحياناً ديرمارابراهيم، وكان وقتذاك غاصاً بالرهبان.

 

وهنا أودُّ أن اسجِّلَ عتبي لأقول، ما أشدَّ الأسف والعجب للإغفال المُتعمَّد الذي تبنّاه المؤرخون المُسلِمون المُعاصرون بعدم ذِكرهم لمعجزة ظهور العذراء مريم فوق أسوار باش طابيا استجابة لتضرُّع واستغاثة أهالي الموصل بمختلف طوائفهم ومذاهبهم الذين طلبوا حمايتها لمدينتهم من السقوط بأيدي قوات نادرشاه الصفوي الفارسي، فردَّتهم على أعقابهم خائبين. إنَّ إغفال ذكرهذه الأعجوبة والكثيرمن البطولات التي ابداها المسيحيون خلال التاريخ الإسلامي لا يعدو بتصوُّري إلا تجاهلاً بل انتقاصاً من مواقف المسيحيين الوطنية المُخلصة والمُشرفة، فإنَّهم لم يكونوا يوماً أقلَّ حرصاً على حياض الوطن من مواطنيه المُسلمين دفاعاً عنه وإخلاصاً له ورُوّاداً لنهضته الثقافية والعِلمية والعمرانية و… رغم كُلِّ الصعوبات والمُضايقات التي كانوا يتعرَّضون لها نتيجة الغيرة والحسد!

 

ولكَم يؤسفني أن يكون الكاتب والمؤرخ الأستاذ د. سيَّار الجميِّل من بين هؤلاء المؤرخين، وهو صاحب الفكر التقدُّمي النيِّر، فكيف أغفل ذكر هذه المعجزة في كتابه “حصار الموصل/ الصراع الإقليمي واندحار نادرشاه” وليس هذه فحسب بل عدم تطرُّقِه لأيِّ ضرر طال المسيحيين داخل الموصل وخارجها. سنُشير الى بعض الفقرات التي وردت في كتابه الذي أتينا الى ذِكره: ففي (الصفحة 155) يقول: <وقد أقام نادرشاه جسراً ثانياً على دجلة… وهو الجسر الذي ارتبط بحاوي الكنيسة شمالي شرقيِّ الموصل>. تُرى، ألم يدرٍالأستاذ سيّار، بأن حاوي الكنيسة كان المرج التابع لدير مارميخائيل رئيس الملائكة، المتميِّز بموقعه الجميل وهوائه العليل، والذي كان الموصليون يتنزَّهون فيه، ولا زالوا حتى اليوم، فهل سلم الدير من عبث قوات نادرشاه؟ هذه القوات الغازية التي لا تعرف غير منطق السيف! أما في (الصفحة 157) فيقول: <ومع انصباب القذائف ونيرانها على الشوارع والبيوت، الجوامع، القلاع، الخانات، الأسوار، دوائر الدولة والباشوية، الأزقة، المساجد، المدارس، الأسواق والحارات>. تُرى، هل كانت الكنائس وأماكن العبادة المسيحية في مأمن لم تصلها القذائف ونيرانها حتى أغفل الأستاذ سيّار ذِكرَها؟ وفي (الصفحة 160) يذكر: <عادت المدافع والآليات والهاونات هذه المرة لتصبَّ قذائفها على شمال المدينة وسورها الشمالي المتصل بقلعة باش طابيا العالية التي تجثم قاعدتها في جرف الهاوية على دجلة> ولكنَّه نسي أن يذكر كنيسة الطاهرة الكلدانية التي تقع في هذه المنطقة، وكأن حمم القذائف قد أخطأتها فبقيت سالمة! إذاً ما الذي دفع الوالي حسين باشا الجليلي لترميمها، والدليل على ذلك هو القطعة الحجرية المنصوبة على بابها والمنقورة بما يلي: <فلتكن صلاة البتول ام المسيح سوراً لنا، وتحفظنا من الشرير. تجدَّدت هذه الكنيسة سنة 2055 لليونان – 1744م>. وجاء في (غزو طهمازب/ بهنام دانيال/ مجلة بين النهرين 10، 1982 العدد 37-38 ص 138/ ح 35) بأن شاهد عيان هو المطران عيسى الموصلي السرياني وثَّق اجتراح العذراء مريم لمعجزة انقاذ الموصل من العدوِّ الفارسي إذ ورد في ارجوزته:

 

مريم العذراء كسرت الأعــــــــجام              وانهزم منها عسكر طهمازخان

توبوا يا مؤمنين وأدّوا لها السلام              لأنها خلَّصتكم من ظلم الأعجام

 

كانت القرى المسيحية مسرحاً لفظائع نادر شاه الصفوي حيث يقول فتح الله العمري القادري في ارجوزته < قرى النصارى فتكوا بها. أما ياسين العمري في (مُنية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء ط . الموصل ص 261) جرى ذلك في تلكيف وباطنايا ثم تللسقف بينما القس سليمان الصائغ في (تاريخ الموصل ج1 ط .مصر 1923م ص 278) يذكر عدداً اكبر منها وهي: كرمليس، قره قوش، برطلّة، تلكيف، باطنايا، تللسقف والقوش. ويقول بهنام دانيال في (وثيقة سريانية/ مجلة بين النهرين 10 العدد 37-38 ص 132) <ولكنَّ الحالة كانت أفظع وأقسى لدى دخول عساكر نادر شاه قرية كرمليس، حيث نهبوا المقتنيات وخطفوا الأطفال والفتيات، ثمَّ احتلّوا برطلة ففتكوا بالمدافعين الأقوياء من الرجال، وبعد نهبها سبوا فتيانها وأطفالها ونساءَها وهنَّ يصرخن وينوحنَّ على مُصابهنَّ الأليم، ومنها انتقلوا الى قريتي تلكيف والقوش، فكان معظم أهاليهما قد غادروهما ملتجئين الى دير الربّان هرمزد في الجبل، بيد أنَّ العساكر لاحقتهم واقتحمت الدير وهاجمت المُحتمين فيه بمنتهى القساوة والوقاحة، فالعديد منهم ذبِحوا كالخراف وقضوا على الآخرين بأقسى أنواع العذاب التي يعجز القلم عن وصفها، وتعرَّضت النساء والصبايا للهتك والسبي. كما دُمِّرت كنائس تلك القرى بعد سلبهم لكتبها ومقتنياتها، ولا يُستبعد أن تكون الكنائس السبع التي شاهد آثارها المؤرخ ريج لدى زيارته المنطقة عام 1820م. (المُقيمون في كُردستان المجلد2 ص 104) ويذكر بهنام دانيال في (مجلة بين النهرين10 لعام 1982 العددان 37-38 ص 140/غزو طهماسب) بأنَّ حسين باشا الجليلي والى الموصل إبّان غزو نادرشاه الفارسي لها، وبعد فشل هذا الغازي باحتلالها، فاتح الباب العالي العثماني بشأن ترميم ما خلَّفه التدمير الفارسي فيها وفي القرى التابعة لها، فاستحصل موافقته وأمر بترميم وتجديد كُلِّ ما لحقه الخراب والتدمير، وشمل ذلك جميع كنائس القرى المسيحية التي طاها الأذى والتخريب.

أحوال الكنيسة في ما بين النَهرين

بالعودة الى مصير الكنيسة الكلدانية النسطورية فيما بين النهرين وبلدان الجوار في القرن الرابع عشر، فإن أخبارها شحيحة وغامضة، وحتى أنَّ المؤرخين لم يتَّفقوا بشكل واضح على تسلسُل البطاركة في تعاقبهم على الكُرسيِّ البطريركي ومُدَدِ رئاستهم ومدى نشاط كُلٍّ منهم في إدارة شؤون الكنيسة، وكان أبناؤها المؤمنون يعيشون في دائرة الخوف والإنعزال مُرغمين من جرّاء الإضطرابات والأهوال التي كانت تعصف بالمنطقة وما أكثر تعرُّضهم لشتى الممارسات التعسُّفية من قبل الحكّام المحلِّيين، مستغلّين انهماك الملوك والسلاطين بمحاربة بعضهم البعض. يذكر المؤرخ يوسف رزق الله غنيمة في كتابه (نزهة المُشتاق في تاريخ يهود العراق ص 151-152) والمؤرخ القس بطرس نصري في كتابه (ذخيرة الأذهان ج2 ص 82 و 84 و 115 – 116) بأن الجزية كانت تُستَوفى في عهد الدولة الجلائرية من النصارى واليهود والأرمَن قياساً بحالتهم المادية وعلى الترتيب التالي: يدفع الأثرياء 8 دنانير ومتوسطو الحال 6 دنانير والفقراء 4 دنانير.

 

وفي أواخر عهد الدولة الإيلخانية تناقص الوارد الضريبي بشكل كبيرفي بغداد بسبب تناقص عددِ دافعي الضرائب نتيجة تحوُّل الكثير منهم الى الإسلام تفادياً للمضايقات وتخلُّصاً من الضرائب، والذين استنكفوا التحوُّل الى الإسلام فَرّوا الى مناطق بعيدة كمنطقة الجزيرة. إذ في عام 1333م على عهد الإيلخان ابي سعيد بهادر أثيرَ اضطهاد هائل ضِدَّ النصارى واليهود والأرمَن، أُلزم النصارى بلبس الغيار واليهود بربط الشارة وتعرَّضت للهدم والتدمير الكنائس والأديُرة. ولذلك فإن وارد الضريبة في بداية العهد الجلائري المدفوع من قبل النصارى في بغداد كان 500 دينار فقط، ولم يُعرَف ما دفعه اليهود.

 

البطاركة المتحَدِّرون من العائلة الأبوية

74 – البطريرك دِنحا الثاني 1333- 1364م

هو البطريرك الثاني المتحدِّر من العائلة الأبوية كما ورد ذكرُه في مقال المطران ايليا أبونا بالكلدانية والمُعَرَّب والمنشور في (مجلة بين النهرين بعددَيها 75-76 يسنة 1992م ص 46) وقد جاء انتخابُه عرضياً وكما سنرى بأن الصدفة ستلعب دورها في انتخاب البطاركة اللاحقين من المتحدرين مِن عائلة آل أبونا حتى مجيء البطريرك (شمعون الرابع الباصيدي 1437-1476م) الذي اعتمد هذه الصدفة واتخذ منها منطلقاً ليَسُنَّ قانوناً رئاسياً يقضي بحصر المنصب البطريركي بأفرادٍ من عائلة أبونا دون غيرهم، فينتقل المنصب البطريركي من البطريرك الى إبن شقيقه أو الى حفيد شقيقه أو الى إبن عمِّه ومهما كان سِنُّه. وبذلك أصبحت البطريركية وراثية في الكنيسة الكلدانية النسطورية.

يقول بطرس نصري(ذخيرة الأذهان ج2 ص 77) بأن عهد دِنحا الثاني كان عصيباً، فقد حَلَّت بالبلاد مصائب جمة نال المسيحيون من ويلاتها القسم الأوفر، وأجبرت البطريرك لنقل مقرِّه الى بلدة كرمليس حيث وجد الأمان أكثر استتباباً فيها. وكما ذكرنا بأن أخبار الكنيسة يلفها الغموض في عهود البطاركة الذين خلفوا طيمثاوس الثاني. كانت علاقات البطريرك دنحا الثاني جيدة مع حكّام البلاد ومع المونوفيزيين سُكّان برطلي والقرى المجاورة، وكان لهؤلاء ديرمارمتي، جعلوا منه مركزاً دينياً وثقافياً واتخذه مفريان الشرق فترةً من الزمن مقراً له، وكثيراً ما كان يزور هذا الدير ومركزه مطارنة وشخصيات كنسية كبرى، ويلقون ترحاباً كبيراً من قبل البطريرك لدى استقباله لهم.

 

75 – البطريرك ايليا الرابع 1380-1437م

يُخبرنا المؤرخ المونوفيزي غريغوريوس بن العبري، بأن البلاد اجتاحتها الكثير من النكبات منها المجاعة والأوبئة وتكاثر فيها اللصوص يقومون بسلب الناس على الطُرُق، وأشهر عصابة ظهرت كانت بزعامة المدعو”سارون شاه” حيث عاثت فساداً في كُلِّ مناحي الحياة من قتل وسلب ونهب، فكانت الكنائس والأديُرة عُرضةً للسرقة والنهب، وتعرَّضت كنيسة أربيل العريقة للسلب والتدمير وقد أشار الى ذلك المطران ايليا أبونا في مقاله المنشور في (مجلة بين النهرين بعدديها 75-76 لسنة 1992ص 50).

76 – البطريرك شمعون الثاني 1365- 1392م

يُؤكد جلوسه على الكرسي البطريركي المطران ايليا أبونا في مقاله المنشور في(مجلة بين النهرين بعدديها 75-76 لسنة 1992) ونقل مقرَّه الى الموصل. وجاء في كتاب (جنة المؤلفين/فهرست البطاركة) بأنَّ ايشوعياب بن مقدم مطران أربيل كان معاصراً لعهد البطريرك شمعون الثاني وعَمَّت شهرتُه كمؤلف قدير، حيث أخرج كتاباً في نحو اللغة الكلدانية، وكتب قصائد بفضائل القديسين وفي سِرِّ التوبة. الَّف العديد من المداريش وكتب رسائل كثيرة ومتنوعة. وعاصر هذا العهد اسحق السندي أيضاً، كتب قصائد في الصليب والتوبة والتدبير الرباني تطرَّق فيها الى خَلق العالَم ومهام الأنبياء وحياة المسيح المخلِّص.  وبوفاة شمعون الثاني شغر الكرسي البطريركي لأكثر من تسع سنوات.

 

77 – البطريرك شمعون الثالث 1403 – 1437م

خلف سلفه شمعون الثاني، وأبقى مقرَّه في الموصل، وتعدَّت رئاسته الثلاثين عاماً، ولم تتوفَّر معلومات وافية عن عهده الطويل.

78– البطريرك شمعون الرابع الباصيدي 1437- 1477م

تحدَّث عنه المطران ايليا أبونا الذي ينتمي بدوره الى العائلة الأبوية في مقاله الذي كتبه قبل وفاته عام 1956م باللغة الكلدانية وترجمه السيد بنيامين حداد الى العربية ونشره في (مجلة بين النهرين بعدديها 77-87 لسنة 1992م ص 43) بأنَّ شمعون الرابع الباصيدي هو خامس بطريرك من العائلة الأبوية الذي تولّى منصب بطريرك الكنيسة الكلدانية النسطورية وكان مقرُّه في الموصل أيضاً. لُقِّب بالباصيدي لأنَّ مسقط رأسه كانت قرية باصيدا أوطبيث صيدا” القريبة من حصن أربيل التي هاجر إليها أجدادُه قادمين من دهوك “نوهدرا”.

في معرض حديثنا عن البطريرك دِنحا الثاني أوردنا اسم البطريرك شمعون الرابع الباصيدي الذي شَرَّع قانوناً رئاسياً يقضي بجعل الرئاسة البطريركية حكراً على أبناء عائلته “العائلة الأبوية” دون غيرها، منطلقاً من مغزى الإنتخابات العفوية التي لعبت الصدفة دورها في اختيار الآباء المُنتَخِبين لأحد آلآباء المتحَدِّر من هذه العائلة للرئاسة الكنسية العليا، معتبراً ذلك دافعاً له لحصر الرئاسة في أبناء عائلته، ملغياً بذلك القانون الكنسي التقليدي الذي دأب أحبارُ الكنيسة من مطارنة وأساقفة على تطبيقه منذ القرن الرابع في اختيارهم لقائد روحي يجدون فيه مؤهلات القيادة ليرعى شؤون كنيستهم وشعبهم، وإن حدث أحيانا تدخُّل من السلطة العليا الحاكمة بتأثير داخلي أو خارجي لفرض مُرشَّح مُعيَّن خارج إرادة الآباء، فيرضخون لإنتخابه امتثالاً للأمر! ولكن في الغالب كان يجري انتخاب الجاثاليق أو البطريرك بحسب القانون الذي أصدره عدد من مجامع الكنيسة وأكَّدت عليه مجامع لاحقة، مُشدِّدة على أن يُراعى الإعتبار والأولوية للآباء الذين يتمتعون بروحانية مسيحانية حقيقية وتتوفَّر فيهم الكفاءة والمقدرة الإدارية للقيام بأعباء الرئاسة العليا للكنيسة، بصرف النظرعن أصلهم وفصلهم.

ففي الرسالة السادسة للجاثاليق العظيم مارآبا الكبير كما أشار إليها في تاريخه (الأب لابور ص 187) يُبيِّن مارآبا بوضوح تام كيفية تطبيق القوانين الخاصة بانتخاب الجاثاليق بعد وفاته، حيث يَستبعِد من هذا المنصب كُلَّ مِن رُشق بالحرم، ومَن كان مذنباً أومُحباً للمال بجشع، أنانياً مَيّالاً الى اللذة. أما عملية الإنتخاب فتتم كالتالي: بعد وفاة الجاثاليق يجتمع أساقفة الأبرشية الكبرى “أبرشية الجاثاليق” ويدعون مطارنة الأبرشيات الأربع الكبرى آنذاك أو على الأقل ثلاثة منهم على أن يُرافق كُلَّ مطران ثلاثة من أساقفته، ثم يبدأون المشاورات للإتفاق على واحدٍ من بينهم يتحلّى بصفاتٍ حميدة، يكون خالياً من الخبث والأنانية، ثابتاً على الإيمان الحق، دائم السهر عليه، غيوراً متقيِّداً بالقوانين، ويجب أن ينال غالبية أصوات الآباء الناخبين.

 

إن شمعون الباصيدي لم يُعط أية أهمية للقوانين الكنسية، ولا فَكَّر بما سيُسفرُعنه قانون توريث المنصب البطريركي من تبعيات خطيرة لهذا الإجراء التعسُّفي، ولم يعبأ باعتراضات آباء الكنيسة من المطارنة والأساقفة الذين توقعوا مُسبقاً ما سيُلحقه بالكنيسة من تداعيات سلبية إذ سيزيدها انحساراً وتخلُّفاً، وهو بالنسبة إليهم يُمثِّل ضربة قاصمة ومصادرة لحقوقهم الشرعية. وقد تحقَّقت مخاوف الآباء، باحتلال أفرادِ للمنصب البطريركي بدون استحقاق ولا أهلية! العنصران الواجب توفُّرُهما في شخص القائد العام للكنيسة! وللأسف فقد تعَهَّدَ البطاركة خلفاء الباصيدي بتطبيق نهجه والتمسك بقانونه الوراثي، ومن أجل ضمان سريانه، أقدموا على خفض عدد الميطرابوليطين (رؤساء الأساقفة) في الكنيسة الكلدانية النسطورية بصورة تدريجية مدروسة. وفي آخر المطاف ولدى تولّي المنصب البطريركي ايشوعياب “ناطور الكرسي أي ولي العهد” باسم البطريرك (شمعون السادس بَرماما) قام بمنح درجة رئيس الأساقفة لفردٍ واحدٍ من أبناء عائلتِه لا يتجاوز عُمرُه الثماني سنوات دون أحدٍ غيره، فبقيت الدرجة حكراً عليه لكي لا يُحاول أحدٌ آخر القيام برسم بطريركٍ من خارج أبناء هذه العائلة! عِلماً بأن رسامة البطريرك لا يمكن أن يُجريها إلا رئيس أساقفة! وسنعود الى تَبِعات هذا الإجراء الذي أدّى الى انشطار الكنيسة في منتصف القرن السادس عشر في حينه.

 

يتحدَّث القس بطرس نصري في (ذخيرة الأذهان ج2 الصفحات 83، 84، 85، 86) بأن البطريرك شمعون الرابع الباصيدي غلب عليه المجد الدنيوي على حساب المجد الروحي، سعياً منه لإثراء أبناء عائلته وعشيرته، فشمَّر عن ساعِد الجِد وراح يشتري الأراضي والمنازل والممتلكات كمحلات البيع والشراء والطواحين وغيرها، ويُسجلها وقفاً للأمة وللأديُرة التي يؤمُّها الرهبان باسم البطريرك وتحت مسؤوليته ومن بعده تنتقل الى أسماء البطاركة المتحدِّرين من عائلته الأبوية الحاصلين على المنصب البطريركي بالوراثة وتحت إدارتهم. وتمكن من استحصال سندات رسمية لإثبات عائدية هذه الأراضي والممتلكات إبان حكم الدولة التركمانية لبلاد ما بين النهرين والمعروفة بـ “آق قوينلو أي دولة الخروف الأبيض 1497-1508م” وكان موقع هذه الأراضي والممتلكات في كُلٍّ من الموصل ودهوك والقوش واربيل وجزيرة بني عمر. إنَّ أكثر من نصف هذه الممتلكات المسجلة باسم الأوقاف تَمَّ شراؤها من قبل شمعون الباصيدي منذ عام 1496م والدليل على ذلك، السندات التي وجدت في خزانة البطريركية الكلدانية في الموصل. وكان الباصيدي قد أوكل القس هرمز بن القس جمال الدين بن شوريس للقيام بمثل هذه الأعمال، وبواسطته انتقل الكثير من ممتلكات الأوقاف عن طريق الإرث الى أشخاصٍ عديدين وردت أسماؤهم في السندات المُشار إليها. وكثيرة هي موارد الرزق التي اشتراها الباصيدي مثل الرُّحى وعيون المياه والمزارع المحيطة بالأديُرة.

إنَّ قانون الوراثة الجائر الذي جعل المنصب البطريركي حَكْراً على أبناء العائلة الأبوية التي تحوَّلت الى عشيرة كبيرة، تغلغل الفسادُ بين أفرادها من جشع وبغضٍ وكراهيةٍ وشجار، وصودرت أهلية وجدارة الأشخاص المستحقين لتوَلّي المناصب العليا في الكنيسة لمجرَّد عدم انتمائهم الى جذور العائلة الأبوية. دامت بطريركية شمعون الرابع الباصيدي إثنتَين وعشرين سنة، وكانت وفاته عام 1502م ودُفن في دير الراهب اوجين. كانت علاقات الباصيدي بالسلاطين قوية وعن طريقها حصل على براءَتَين سثلطانيتين، إحداهما منحها له السلطان التركي يعقوب عام 1491م والثانية السلطان التركماني قاسم عام 1494م. وُجدتا في خزانة البطريركية الكلدانية بالموصل. والى الجزء الثلاثين قريباً.

 

الشماس د. كوركيس مردو

في 13/6/2015

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى