الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن / الجزء الرابع والعشرون


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

 

الكنيسة في العهد المغولي

 

72- البطريرك يَهبَلاها الثالث المغولي 1281 – 1317م

في كتاب (خلاصة تاريخية للكـنيسة الكـلـدانية / ترجمة القس سليمان الصائغ ص 85 – 90) لَخَّصَ الكاردينال تيسيران قـصَّة ماريَهبَلاها الثالث التي نشرها الأب بولس بيجان بنصِّها الكلداني في باريس عام 1895م وقد إستعان كاتب القصة بكتابات “الربان صوما” رفيق البطريرك يَهبَلاها، حيث استندَ إليها بالقسم الأعظم مِن معلوماته. وسنقوم بدورنا بسرد أهمِّ الأحداث التي رافقت حياة هذا البطريرك العظيم ومدى تأثيرها على مسيرة الكنيسة الكلدانية النسطورية وذلك نقلاً بتصرُّف عن قصة حياتِه. كان توسُّعُ المَد المسيحي ووصوله الى بلاد الشرق القصِيَّة، هو الذي نتجَ عَنه قدومُ يوم يتسَلمَ فيه رجلٌ قادمٌ مِن تلك الأصقاع الرئاسة َالعليا للكنيسة الكلدانية النسطورية، وكان هذا الرجُلُ أحدَ مُتلمذي مُرسَلي هذه الكنيسة العِملاقة واسمُه “مرقس الاونغوتي” وهو الإبن الأصغر والرابع للأركِذياقون “بينيثيل”أحدِ مُواطني مدينة “كوسنغ” القريبة مِن “خان بالاق” وُلدَ مرقس في هذه المدينة عام 1245م، ومنذ سِني صباه الأولى أظهرَ مَيلاً كبيراً نحو الثقافة والعِلم، فعكفَ على دراسة العلوم الكنسية، ثمَّ أعلن عَن عَزمِه الإنخراط في السِلك الرهباني، وقرَن هذه الرغبة بالتنفيذ العـملي، وقصدَ الربّان “صوما” المُنزوي في مَغارةٍ بجَبل ٍ قريبٍ مِن مدينة مَولدِه “خان بالاق” فمَن هو الربّان صوما؟ .

 

كان والدُ الربان صوما رَجلاً مؤمناً وفاضلاً  مِن مدينة  خان بالاق “بكين” مُنحَ رُتبة َ زائر كنسي “برياذوطـ”، يُدعى إسمه ” شيبان “واسم زوجَته” قيَمتا “لم يُرزقا بمَولودٍ زَمَناً طويلاً، ولكنَّ رحمة الله كبيرة، فأنعمَ عليهما أخيراً بولدٍ أسمَياه “صوما” فكان سرورُهما به عظيماً، ولم يَذخرا وِسعاً وجُهداً في توفير كُلِّ ما مِن شأنه يَلعبُ دوراً في إقبال إبنهما على نيل الثقافة والعلم والسلوك الحسن في الحياة. وقد أثبت الفتى صوما وبجـدارةٍ ما كان يرغب به والداه ويتمَنيانه له، حيث نال درجة الكهنوت وهو في عامه العشرين. ولكنَّ طـُموحَه بالحياة الرهبانية واعتزال العالم دَفعه لإقتبال الإسكيم الرهباني فمَنحه ذلك الميطرابوليطـ مار كيوركيس، فاختلى في إحدى الصوامع لمدة سبعة أعوام ، ثمَّ انزوى في مَغارةٍ بالجبل بعيداً عن الناس، ولكنَّ الناس لم يدعوه إذ كانوا يُقبلون إليه لسماع حَديثه والإقتداء بمُثُله.

 

الى الربّان صوما هذا، قـَدِمَ الفتى مرقس وكان استقبال صوما لـه بمُنتهى الفـرح والإبتهاج. وأعـرَبَ مرقس لصوما عَن رغبتِه العارمة في الحياة الرهبانية. فـسُرَّ صوما وقبَّله وشرع في تعليمه، وما إن مَرَّت عليه ثلاثة أعوام حتى مَنحَه الميطرابوليط نسطوريس الإسكيم الرهباني . إختَمَرَت فكرة زيارة مَنطقة الغرب التي كانت تُراودُ ذِهـنَي الراهبَين مرقس وصوما شوقاً مِنهـما للتبَرُّك بأضرحة القديسين والآباء البطاركة، ثمَّ التوجه الى ارشليم لزيارة الأماكن المقدسة. فقدِما الى مدينة كوسنغ، ولدى عِلم مسؤولَي المدينة “كونبوغا ووايبوغا” وهما مِن أصهار الخان الأكبر بنيَتِهـما، إستَقدماهـما الى المُعسكر، وسألاهما: ما الذي دعاكُما لمغادرة الوطن الى الغـرب، في الوقت الذي يأتي إلينا الآباءُ والرهبان مِن الغـرب؟ كان جَوابُهـما بأن لا رجوع عن تَصميمهما، وإزاءَ هذا الإصرار، أمر المسؤولان بتخصيص مطيَتين للراهِبين، وزوَّداهـما بالمال والثياب وودَّعاهـما مُتمنيين لهما السلامة.

 

رحلة الرفيقَين

غادر الراهبان مرقس وصوما المعسكر مُتوَجهَين الى مدينة “تنكوت” وحظيا باستقبال حار مِن قبل مؤمني المدينة، ثمَّ وَدَّعا مُستقبليهما وذهبا الى مدينة لوطون أو “كوتان” ووصلا إليها بعد مسار طويل وشاق أخذ مِنهما شهرَين. ونتية نشوب خِلافٍ في تلك المنطقـة بين الملك “اوقو” و “قوبلاي خان” أدَّى الى قتال بينهما زُهقت فيه آلاف الأرواح وغدَت الطرق مُخيفة وغير سالكة. فاضطرَّ الراهبان للمكوث في المدينة لمدة ستة أشهر. ثمَّ غادراها الى منطقةٍ مِن بلاد كشغـر تُحادِد سَمرقند وبخاري ومِن هناك استطاعا الـوصول الى الملك “قيدو” إبن أخي قوبلاي خان. زوَّدهما بأمر يحميهما مِن عوارض الطريق، وأخيراً وصلا الى خُرَسان بعد جُهدٍ كبير وفقدِ كُلِّ ما كان معهـما. وكان في المنطقة القريبة مِن مدينة”طوس” ديرمار صهيون فدخلا إليه، ونالا بركة الأسقف حيث رحَّبَ بهما هو ورهبان الدير.

 

مكثا في ضيافـة الدير بضعة أيام، ثمَّ شدّا الرحال الى بغـداد عَن طريق أذربيجان للقاء البطـريرك دنحا الأول، ومِن حسن حظِّهما وجود البطريرك في هذه الأثناء في مراغا ، فحظيا بمُقابلتِه، فجَثيا أمامَه وكادَ قلباهما يطيران مِن الفـرح، ثمَّ أبلغـاه بقصدِهما الذي مِن أجله قدِما وهو زيارة الأماكن المقدسة في اورشليم. إستبقاهم البطريرك بضيافته وبعد أيام قليلة إستأذناه للذهاب الى بغـداد وبعض الأماكن الأخرى للتبرُّك بمراقد القديسين والآباء هناك، فمنحهما بركتَه وأوفد معهما رجُلاً يُرافقهـما في الطريق . فـزارا أولاً ما في بغـداد ومِنها ذهبا الى كنيسة كوخي الكبرى ودير مارماري، ثمَّ غادرا الى باجَرمي وأربيل والموصل، وبعد ذلك واصلا الرحلة الى سنجار فنصيبين فـماردين فجزيرة بيث زبداي، وكانت محَطتهم الأخيرة العودة الى ديرمارميخائيـل ترعيل الواقع بالقرب مِن أربيل حيث اشتريا فيه صومعـة وشاركا الرهبان العيش هناك .

لم يَطل بهما المُقامُ في الدير كثيراً، حيث إستدعاهما البطريرك ماردنحا وأبلغهما رَغـبته ببقأئهما الى جانبه في القلاية البطريركية لأنَّ في ذلك فائدة عامة، ثمَّ طلبَ مِنهما أن يُقابلا الملك أباقا خان مِن أجل شـؤون تتعَلق بالبطريركية، فلبَّيا طلبَه وحصلا مِن الملك أباقا خان على كُلِّ مطاليب البطريرك. وبعد هذه المقابلة قصدا اورشليم لإكمال قصدهـما فوصلا الى مدينة آني الأرمنية، فأدهشهما جمالُ الأديرة وروعـة الكنائس التي شاهداها فيها، ولدى وصولهما الى حدود جورجيا لم يتمكنا مِن الترحال الى أبعد بسبب الأحوال المضطربة في تلك المناطق. فرَجعا الى البطريرك دنحا عام 1280م وكان سرورُه برجوعهما عـظيماً جداً، فأفـصحَ لهما عـمّا في نيته أن يـفعل، وهو أن يـَرسُمَ مرقس ميطـرابوليطاً وصوما زائراً عاماً ويرسلهـما الى بلادهما. فامتنعا في باديء الأمر، إلا أنهما إضطرّا للخضوع لأوامر البطريرك.  فـرُسمَ مرقس في السنة نفسها 1280م ميطرابوليطاً باسم يَهبَلاها وله مِن العمر خمسٌ وثلاثون سنة، وعُينَ لأبرشية خطاي، وأعطِيَت لصوما مسؤولية الزائر الرسولي العام للمناطق الصينية. ولم تمض ِ إلا أيام حتى انتشرت أخبارٌ تُفيد بإنقطاع الطرق بسبب نشوب الحروب بين الملوك، فتعَذرَ سفرُ يَهبَلاها وصوما الى بلادهما، وعادا الى صومعـتهما في دير مارميخائيل ترعيل وامتدَّت إقامتُهما فيها ما يَقرب مِن سنتين .

يَهبَلاها والرئاسة البطريركية

ذكر المؤرخ صليبا في (المجـدل ص 123 – 124) بأن البطريرك مار دنحا الأول لم يفارقه المرضُ الذي داهمه وهو في طريق عودتِه مِن أذربيجان الى بغداد في مطلع عام 1281م فظلَّ طريح الفراش في بغداد، وفي هذه الأثناء أراد الميطرابوليط يَهبَلاها أن يقوم بزيارةٍ للبطريرك لكي ينالَ مِنه البيرون والصولجان قبل عودته الى بلاده. ولدى وصوله الى أطراف بغداد أخبرَ بأن البطريرك قد تُوفيَ، وقد تصل الى الكنيسة قبل دفنه إذا أسرعت، فأسرع ووصل وارتمى على جُثمان البطريرك باكياً متنهداً. وبعد الإنتهاءِ مِن مراسيم الدفن، رَجع الآباءُ الى القلاية البطريركية واتَفقوا على الإجتماع في اليوم التالي، وفي الغداة عقدوا اجتماعاً ليختاروا خلفاً للبطريرك الراحل، ووقع اختيارُهم على يَهبَلاها ليتولى المنصبَ البطريركي، وكان نِعمَ الإختيار إذ مِن مصلحة الكنيسة في تلك الأوضاع الصعبة يومذاك أن يُقام لها بطريرك يروق بعين السلطة المغولية الحاكمة، ولم يكن هناك أجدر مِن يَهبَلاها المغولي حيث هو واحد مِنهم يُحسن لُغتهم ويعرف أخلاقهم وطبائعَهم وعوائدهم. لقد رفض اختيارَه بذريعة قلة تضَلعه مِن اللغة الكلدانية وعدم إلمامِه بالتعاليم الكنسية وأنه لا يرى في نفسه كفاءة ً إدارية، ولكنَّ إصرار الآباء الأساقفة جَعله يرضخ للأمر واعتبَروا ما ساقه مِن الأعذار كان نابعاً مِن روح التواضع .

 

بعد ذلك رجع يَهبَلاها الى ديرمارميخائيل ترعيل حيث كان رفيٌقه ومُعلـِّمُه صوما يـنتظره، فاختلى به وحَدَّثه بما جَرى له، ثمَّ إتفقا على القيام بمقابلة أباقا خان للحصول على مُوافقته، فرتَبا أمرَهما وانضَمّا الى جماعةٍ كبيرة مِن الأساقفة والرهبان وتوَجهوا الى أذربيجان حيث كان أباقا خان يُمضي الصيفَ هناك بقرب الجَبل الأسود، فدخلوا الى الملك أباقا خان وكان مسروراً جداً منذ أن علِمَ أن رؤساءَ إكليروس الكنيسة الكلدانية النسطورية قـد أختاروا رئيساً لكنيستهم رَجلاً مِن قومه، فلم يقتصر على إبداء مُوافقته فحسب، بل ألبسه مِعطف الشرف، وأهداه عرشاً فخِماً وأنعم عليه بـ “الغاشية” وهي دليل على سُموِّ مَنزلتِه، كما مَنحَه مَرسوماً ذهبياً يُعطيه مقاماً في السُلطة المغولية، بالإضافةِ الى فيضٍ مِن الهدايا والهِبات، وخوَّله باستعمال الختم الكبير وبنفقاتٍ باهضة للرسامة.

 

وعاد الوفدُ الى بغداد، ثمَّ نزل يَهبَلاها الى ساليق لإقتبال الرسامة وكان برفقتِه الآباءُ المطارنة والأساقفـة وجَمعٌ كبير من المؤمنين، وجَرت رسامَته في كنيسة كوخي الكبرى في 2 تشرين الثاني سنة 1281م المُصادف للأحد الأول مِن تقديس البيعة وكان عمره سبعة ً وثلاثين عاماً، ولم يذكر المؤرخ السمعاني عن يَهبَلاها سوى شيء يَسير لم يتعدَّ قوله < كان يَهبَلاها مِن أصل ٍ تركي ووُلدَ في بلَد قاناي > (المكتبة الشرقية ج3 ص 120) وكان واضَعُ اليد في رسامتِه “مارامـّه” مطران عيلام. وبعد إتمام الزيارات التقليدية التي تعقب الرسامة عاد البطريرك الى بغداد. ولدى عودة الملك أباقا خان في الشتاء الى بغداد قام ماريَهبَلاها البطريرك الجديد بزيارته، وأطلعَه على شـؤون المسيحيين ونفحه أباقا بهباتٍ وافرة. و تُوفيَ أباقا خان في الأول مِن نيسان 1282م.

 

2 – تاكودار ــ احمد  1282 – 1284م

إنَّه إبنُ هولاكو مِن زوجته “قوتاي خاتون” وأخو اباقا خان، كانت امُّه مسيحية نسطورية وسمَّته لدى ولادته “نيكولاس تاكودار” فنشأ مسيحياً نسطورياً. وبعد وفاة اباقا جرى التنافسُ على خلافته بين أخيه تاكودار وابنه اراغون، واحتار الامراءُ في اختيار خلفٍ لأباقا الراحل، وساد الترَدُّدُ فيما بينهم، لكنَّهم أخيراً توصَّلوا الى قرار تفضيل تاكودار على ارغون. فأصبح تاكودار سلطاناً وكان أول مغولي وقع في شرك المُسلمين وأول مَن أسلمَ مِن أبناء هولاكو على مذهب السنة والجماعة واتخذ له اسم “أحمد” وأعطى لنفسه لقب سُلطان بدل الآيلخان. لم يرضخ إبنُ اباقا ارغون للأمر الواقع الذي فرض عمَّه سلطاناً، حيث تفاقمَ الخلافُ بينهما وأدّى الى نشوب معارك، وكان يسعى احمد للتخلص مِن ارغون للإنفراد بالسلطة، بيدَ أنَّ تدخل القائد الأمير بوقا أفلح في عقد الصلح بينهما، وارتاح احمد بهذا الصلح وأمر باقامة الحفلات والأفراح لمدة ثلاثة أيام، وعلى حين غرَّةٍ تغيَّر موقف أحمد في اليوم الثالث مِن ارغون ونوى على قتله، وامر بالحِرز عليه حيناً. ثمَّ غادر الى اذربيجان لزيارة امِّه “قوتاي خاتون” وأمَرَ أن يُساق إليه ارغون. وما إن بلغ الأمرُ الى سمع القائد بوقا، حتى اجتمع بالأمراء وأطلعهم على نوايا أحمد، فقرَّروا تولية ارغون المُلكَ وتنحية احمد، وعِقبَ هذا الإتفاق توجَّه بوقا ليلاً بصحبة بعض الأمراء، وألقوا القبضَ على أصحاب علي ناق “اليناخ” الموالين لأحمد، وحرَّروا ارغون مِن قبضتهم وأطلعوه على قرارهم، فتوجَّه ارغون على رأس جماعةٍ مِن العسكر قاصدين علي ناق فقتلوه هو وأصحابه. وفي الصباح الباكر، أمر القائد بوقا بالمناداة بارغون سلطاناً. وبعد ذلك في عام 1284م تمَّ قتل السلطان احمد وهو السلطان الثاني للدولة الإيلخانية .

 

البطريرك وتاكودار

ومنذ تَوَلّي تاكودار السُلطة أسلَم واتخذ اسم أحمد ولقب نفسه بالسلطان بدل الإيلخان، كان ذلك ايذاناً للمسيحييين ببداية مِحَنِهم، فقد أعلَنَ أحمَد اضطهاداً على المسيحيين، وقطع المخصصات التي كان قـد أقرَّها أباقا خان للبطريرط. واستغلَّ مَوقف السلطان أحمد المعادي للمسيحيين اسقفان هما”يشوعسبران ميطرابوليطـ تنكوت” و”شمعون اسقف ارني” دفعتهما الغيرة القاتلة مِن البطريرك يَهبَلاها الى الوشاية به، مُتَّهِمينَه بالولاء لأرغون بن أباقا خان ضِدَّ عَمِّه أحمد، ولقيَت هذه الوشاية صدىً لدى أحمد، فاستدعِيَ البطريرك والربان صوما والأمير اشموط المسيحي الى المحكمة، ورغـم انكشاف كذب الواشيَين إلا أنَّ مار يَهبَلاها لم يُفرج عَنه لمدة أربعين يوماً، كان خلالها يُعاني مِن الحزن والألم، فتدخَّلت “قوتاي خاتون” أم السلطان والأمراء وأنقذوا البطريرك، فأطلق أحمد سراحَه وأعادَ إليه كرامَتَه.

 

بعد هذه الحادثة ذهبَ البطريرك يَهبَلاها الى مدينة اورمية، وبينما كان في كنيسة العذراء رأى حُلماً يُنبئُه بأنَّه لن يَرى المَلكَ مِن بعد. وكان الملكُ قد ذهب على رأس جَيشه الى خرَسان لتعَقُب أرغون والقبضِ عَليه، لكنَّ الأمورَ انقلبت ضِدَّ أحمد لصالح أرغون، حيث أفلحَ أرغون بالإستيلاء على السلطة والقبض على زمام الأمور في المملكة. عِندذاك قام البطريرك بالتوجُّه الى القصر الملكي يَصحَبُه الأساقفة والرهبان لتقديم التهاني للملك الجَديد، فأعربَ أرغون للبطريرك عن سروره البالغ به وغمَرَه بالعطايا والهٍبات، وعبَّر عن أسفه لِما عاناه مِن الظلم والقـساوة في عَهد عَمِّه أحمد المُسلِم بناءً الى وشاية الأسقفين الكاذبة، وأمر بمعاقبة الأسقفين بالقتل، لكنَّ البطريرك إلتمس العفوَ لهما مِن الملك فاستجاب الملكُ مُندهشاً. وفي اجتماع ٍ خاص للأساقفة لدى البطريرك وبرئاستِه، تمَّ الإتفاقُ بالإجماع على تجريد الأسقفَين الواشيَين مِن دَرجَتَيهما الاسقفية والكهنوتية ورشقِهـِما بالحَرم.

 

3 – ارَغون 1284 – 1291م

إنَّه حفيدُ هولاكو وابنُ اباقا خان، يدين بالبوذية، وهـو الإيلخان أو السلطان الثالث، نافسَ عمَّه السلطان احمد تاكودار على الحكم. وبعد أن خذله الامراءُ وأولوا المُلكَ عمَّه، عادوا وناصروه على عمِّه عندما وقفوا على نوايا العم السيئة ضِدَّه وكما مَرَّ ذكرُه. تمَّ تنصيبُه ايلخاناً على ايران عام 1284م. وجاء في (تاريخ العراق بين احتلالين1 ص 323) ما مفاده: <وما إن استقرَّت امورُ الحكم بيد ارغون حتى بادرَ الى وضع كُلِّ ولدٍ مِن أولاده على رأس عسكر مِن عساكر مملكته، وقد خَصَّ القائدَ الأمير بوقا بلقبٍ كبيرٍ هو “حينك سانك” ويعني”أمير الأمراء” بالإضافة الى عَهدِه إليه تدبيرَ ممالكِه. هنالك روايات  متناقضة قيلت عن “ارغون” يقول عنه إبن خلدون بأنه كان قد عدل عن الإسلام ومال الى دين البراهمة، إلا أنه في الحقيقة كان بوذياً واستطاع القضاء على عَمِّه لوقوعه في شرك الإسلام وجَلبَ عليه نقمة َ امراء المغول فتخلَّصوا مِنه. أما عبد السلام فهمي (تاريخ الدولة المغـوليى في ايران / دار المعارف – القاهرة 1981م ص 171 – 181) وعباس اقبال (تاريخ المغول منذ حملة جنكيزخان حتى قيام الدولة التيمورية / ترجمة د. عبد الوهاب علوب/ أبو ظبي 2000 م ص 243 – 245) فيقولان عنه: <يُعَدُّ ارغون بن اباقا خان واحداً مِن أكثر سلاطين الإيلخانيين عِداءً للإسلام وحقداً على المُسلمين، ومِن أشدِّهم جبروتاً وظلماً وسفكاً لدماء المُسلمين>. أما إبن الفوطي فإنه يُثني عليه قائلاً: <كان عادلاً محمودَ السيرة رؤوفاً بالرعية، وهذه الأقوال تفضح أقوال المتزمتَين السابقَين. خانه وزيرُه بوقا المار ذكرُه فأمر بقتله عام 1289م.

 

وكانت سنة 1289م سنة شؤم على المسيحيين، حيث يذكر غريغوريوس الملقب بإبن العبري(التاريخ السرياني ص565-566) <تعرَّض للقتل في ذات السنة القس شمعون والذي كان طبيباً أيضاً وكاتبٌ مسيحي أربيلي يُسمَى بأبي الكرَم. كما إنَّ العتاة المسلمين أثاروا اضطهاداً كبيراً على المسيحيين في الموصل بعد مقتل أمير الأمراء بوقا، ومن بين قتلى الإضطهاد المسؤول المسيحي الكبير مسعود برقوطي الذي كان يتمتع بحظوة كبرى لدى بوقا. وفي شهر نيسان دَبَّر المسلمون اتِّهاماً لشابٍّ مسيحي بممارسة الزنى مع المُسلمات، فقتلوه ومثَّلوا بجثته شَرَّ تمثيل، ثم قطعوا رأسَه وراحوا يعرضونه أمام أبواب الكنائس ساخرين بالمسيحيين وموجهين إليهم مختلف الإهانات. ويُضيف إبن العبري: في السنة ذاتها، اقتحم عددٌ من العصاة السوريين يقرب من ألفين حدودَ سنجار وبيث عربايي دون أن يُلحقوا الأذى بالمنطقة، ولما وصلوا الى قرية فيشخابور باتوا فيها، وتحركوا خلال الليل وعبروا دجلة وقصدوا قرية “وسطه” سكّانها من النساطرة، وفي فجر الأحد الرابع عشر من آب هجموا عليها، فقاومهم أهلُها ظانينهم عصابة من اللصوص، ولكنهم حين شاهدوا عددَهم الكبير، تقهقروا وعادوا مُدبرين الى القرية، فتخفّى بعضُهم في البساتين، ولجأ قسم منهم الى الكنيسة فلم يصِبهم الأذى. أما العصاة فانقضوا على القرية وتوزعوا في  سبع قرى مجاورة وعملوا فيها نهباً وسلباً، وقاربَ عددُ القتلى الخمسمائة والأسرى نحو الألف ما بين النساء والصبيان والصبايا، وهَمّوا بالعودة في نفس النهار، وكان على نهر الخابور جسرٌ صغير سبَّبَ تأخيرا في عبورهم، وفي هذه الأثناء كان الخبرُ قد إتَّصل بأمير الموصل المغولي، حيث أقبل برجاله فهجموا على العصاةِ الذين تأخر عبورُهم وقتلوا عدداً منهم، وانقذوا حوالي 300 أسير وأعادوهم الى أهلهم> وقد أشار الى هذه الأحداث القس سليمان الصائغ”المطران” في كتابه (تاريخ الموصل ج1 ص 242-243).

 

ولما مَرُضَ ارغون خان واشتدَّ عليه المرضُ، إتَّهم الامراءُ وزيرَه اليهودي سعد الـدولة بتسميمِه، فألقوا القبض عليه، وقادوه الى منزل الأمير “طغا جاد” وكان أشدَّ الناقمين عليه، فأمروا بقتله وكان ذلك في شباط عام 1291م. ولم يُمهل المرضُ أرغون إلا أياماً قليلة بعد مقتل سعد الدولة، حيث توفي في التاسع مِن آذار لنفس العام 1291م. كان أرغون متسامحاً وذا شعور طيبٍ نحو المسيحيين، وكان مستمراً بالمفاوضات التي بدأَها والدُه مع الدول الغربية لتُبديَ له المساعدة على مُحاربة دولة مماليك مصر. والى الجزء الخامس والعشرين قريباً.

 

الشماس د. كوركيس مردو

في 8/5/2015

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى