الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن الجزء السابع عشر


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

دور الأمراء البُوَيهيين

ومنذ عهد الخليفة التاسع عشر المطيع لله 946-974م أمسك بزمام الحكم فعلياً الأمير مُعز الدولة البويهي الشيعي بعد انتصاره على ناصر الدولة الحمداني السني والي الموصل والقطاع الشرقي من بغداد عام 946م، ونتيجة هذا الصراع يقول إبن العبري (التاريخ السرياني ص 181-182) طال المسيحين المتواجدين في كلا جانبي بغداد الشرقي والغربي حيفٌ كبير، فقد كان مقر بطريركهم عمانوئيل الأول في منطقة الشماسية في الشمال من بغداد، وللكنيسة مراكز اخرى في الجنوب وفي سوق الثلاثاء، ويُضيف المصدر وفي ذات الفترة حَلَّت كوارث اخرى ببغداد ومنها: مجاعة مروعة، حريق هائل إندلع في حيِّ سوق الثلاثاء عام 952م زُهقت فيه حياة الكثير مِن المسيحيين والمسلمين، وتلاه عام 954م هجومُ الجراد الكاسح حيث التهم كُلَّ شيءٍ في مقاطعتي بغداد والموصل.

 

وبادر البطريرك عمانوئيل الأول عام 953م بعد أن استحصل له السماحَ الطبيبُ المسيحي إبنُ علي سعيد بنُ داود الى ترميم كنيسة دارالروم في الشماسية بالشمال الشرقي مِن بغداد وكنيسة ديرحيِّ العتيقة في الجنوب الغربي مِنها. وكان المسيحيُّ ابوعيسى المنذر العبادي الذي مّرَّ ذكرُه لدوره في إعادة مطران الموصل وهو في طريق الهروب ليتملَّص مِن رسامة البطريرك عمانوئيل قد اشترى أبواباً للهيكل بمبلغ مِئة دينار. وبوحي خفي شعر به البطريرك عمانوئيل، دفعه للإسراع بجلب هذه الأبواب قبل اندلاع الحريق الذي شَبَّ في اليوم التالي في سوق النجارين والتهم النار كُلَّ شيءٍ. أما نفقات الترميم فقد دفعها المسيحي أبو علي بن غسان كاتبُ البُويهي ركن الدولة.

 

ولم يتردَّد الكُتّابُ والأطباءُ المسيحيون الكلدان في مواصلة  تقديم  خدماتهم لأسياد البلاد  وحكّامها البُويهيين الجُدُد، وحتى مُرافقتهم في الذهاب الى المقاطعات الإيرانية  والإياب الى بغداد، وحذا حذوَهم مسيحيون آخرون مِن شيراز ومناطق شرقية اخرى، كما إنضمَّ إليهم عددٌ مِن أبناء المدائن والحيرة وكُشكر.  وقد أسند الأميرُ الديلمي روزبيهان خورشيد قائدُ معز الدولة الى المسيحي البارز إبن سنجلا عام 948م وظيفة تمثيله كوكيل على ممتلكات سواد بغداد. ومِمّا يذكره ماري في(المجدل ص 96 – 98) هو أنَّ روزبيهان ثار على سيده معز الدولة عام 956م فساورَالأخيرَالقلقُ، وأوعزَ الى خازنه المسيحي إبن علي الحسن بن إبراهيم الشيرازي، أن يُهيِّءَ زوارق لإخلاء أولاده وأمواله والتوجُّه نحو البصرة. وقبل أن يبدأَ الرحيل، أوفد الخازن أبا الحسن علي بن عون المسيحي، الى البطريرك طالباً مشورته، فقال البطريرك للخازن متنبئاً <سيأتيكم الخيرُ في مطلع الشهر، وسيكون النصر> وتمَّ قول البطريرك بالفعل، فقد حالف النصرُ معزالدولة واندحر خصومُه. وحدث أنَّ معزالدولة صار يشكو مِن ألَم ٍ بسبب حصى في المثانة، فقلق الخازن بشأن صحة سيده، وأبلغ ذلك الى البطريرك مار عمانوئيل مستطلعاً، فقال البطريرك: <كلا، لن يموت،  بل سيموت البطريرك قبل الأمير>.

 

وقد شاهد البطريرك في أواخر عهده عِدة مصائب حَلَّت بالبلاد، فهنالك الوباء الذي ضرب البلاد عام 957م، وحالة الشغب والفِتَن التي عَمَّت أحياء بغداد عام 959م إضافة ً الى الجفاف وأسراب الجراد. وفي شهر نيسان لعام 960م وافت المنيَّة البطريرك عمانوئيل الأول. وكان مقدار الثروة التي تركها سبعة آلاف مثقال مِن الذهب و 600 الف درهم. ويقول ماري في (المجدل ص 98) بأنَّ البطريرك كان قد هيّأَ تابوتاً لنفسه مِن خشب الجوز مِن غير مسمار ولا حديد، وأنَّ يدَ البطريرك قبضت على الصولجان بعد موته، ولكنَّ ستارَ الصمت أُسدِلَ على هذا الأمر، تجَنُّباً للفوضى وتفاقم الخصام بين المدائنيين والحيريين.

ويتحدَّث إبن العبري (التاريخ السرياني ص 184) عن أنَّ مجاعة ً اخرى حدثت عام 961م هاجرمِن جرّائهاعددٌ مِن المسيحيين متوجهين نحو الغرب وجُلُّهم مِن المونوفيزيين الذين قصدوا المدن الواقعة على ساحل البحر المتوسط، واتخذوا مِن طرابلس السورية مقاماً لهم وبنوا فيها كنيسة على اسم مار بهنام الشهيد.

 

51 – البطريرك اسرائيل الأول 961 – 962م

يقول المؤرخون عنه (إبن العبري/ التاريخ الكنسي ص 248 – 250 والمجدليان صليبا ص 91 – 93 وماري ص 98 – 99)  كان اسرائيل مِن كرخ جدان، بعد تخرُّجه عُـيِّن معـلماً في مدرسة مار ماري، ثمَّ اختار الحياة الرهبانية فقصد دير مارسبريشوع في واسط، وبعد فترة رسمه البطريرك عمانوئيل الأول اسقفاً على كُشكر. ويُضفيان عليه المجدليان في(المجدل: عمرو ص 93 وماري ص 98) صفتا الزهد والطهارة. في عام 947م مَرَّ به في كُشكرالخليفة المُطيع بالله ومِعزالدولة وهما في طريقهما الى البصرة لقتال أبي الحسين البريدي، فاصطحبَ اسرائيلُ الخليفة َ دون الأمير الى المذبح، حيث لا يدخل إلا الكاهن الصائم. وحينما احتـجَّ الأميرُ مِعز الدولة، أجابه الاسقف: <إنَّ هذا مالك الأرض والإمام>  وعند توديعهما دعا لهما بالإنتصار وتنبّاَ به لهما.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      عِقبَ وفاة البطريرك عمانوئيل الأول تدخَّل المتنفذون مِن المسيحيين العلمانيين كالعادة في أمر اتخاب بطريرك خلفٍ له، واتفق أبو علي الخازن وأبو عمر بن عدي كاتب الحاجب سوبكتكين، في أول الأمر على انتخاب مطران جنديسابور. ولم يلبث أن غيَّر أبو علي الخازن رأيه واجداً اسرائيلَ اسقف كُشكُرالأحقَّ بالمنصب، متذكراً المعروفَ الذي صنعه مع الخليفة والأمير يوم مَرَّا به كما أسلفنا، فأراد مكافأته. وحين أعرب الآباءُ وأبوعمر عن رفضهم لهذا الإقتراح لكون اسرائيل في عمر التسعين عاماً، عزم الخازن على فرضه بأمر الخليفة ومعز الدولة. وأمام هذا الإصرار فضَّل البعض مِن الأساقفة الفِرارَ على الإشتراك في انتخاب ورسامة اسرائيل. ولم يتدخل إبن سنجلا في أمر هذا الإنتخاب، ولكنه قال لجرجيس مطران الموصل الشاب الذي قاطع الإنـتخاب”الى المرة القادمة” أما الخازن فرتَّبَ كُلَّ شيءٍ وتمَّت الرسامة في 30 / 5 / 961م ونُقل البطريرك الى بغـداد بالزوارق، ولم تمض ِعلى اسرائيل البطريرك سوى110أيام على رسامته حـتى وافته المنيَّة في السابع عشر مِن أيلول للعام ذاته. ولحق به الخازن الى القبر بعد ستة أيام. ويقول ماري (المجدل ص 101) وقد رأى البعضُ في موته عقاباً مِن الله. يقول بطرس نصري في (ذخيرة الأذهان ج1 ص 426 – 427) كان شيخاً جليلاً تَمَيزَ بالطهر والذكاء، أميناً على أموال الكنيسة، حافظ عليها في خِزانة القلاية البطريركية لم يمسَّها بل تَركها مَختومة ً للذي سيجلس على الكرسي الرئاسي مِن بعده.

أصعب وأغرب انتخاب بطريركي

 

52 – البطريرك عبديشوع الأول 963 – 986م

وما إن تُوفي البطريرك اسرائيل حتى ترك الأساقفة ُمخابئَهم ليستعدوا لإجراء انتخابٍ قانونيٍّ جديد. وتقول المصادر (إبن العبري/ التاريخ الكنسي2 ص 250 – 256  ــ  وفي المجدل صليبا ص 93 – 94 ماري ص 94 – 104) بأن انتخاب عبديشوع الأول كان الأصعبَ والأغربَ بين الإنتخابات. أما أبرز هذه المصادر التي تروي عن حياة عبديشوع وظروف انتخابه بشيءً مِن التفصيل فهو المؤرخ ماري. أما الباقون فيتحدَّثون عنه بايجاز ولا سيما صليبا. فبحسب ماري كان عبديشوع مِن كرخ جدان التابعة لبيث كَرماي”باجرمي” إضطرَّ والداه للهرب الى الموصل وهو لم يَزل صغيراً، وبعد موتهما، إهتمَّت بتربيته خالتُه. دخل الدير الأعلى وتلقى علومَه فيه، أما علم المنطق فقد تعلَّمه على أيدي نْصيحا تلميذ موسى بن كيفا. وبعد نيله الدرجة الكهنوتية تَعيَّنَ للخدمة في كنيسة البواري بالموصل، وما لبث أن رُسم اسقفاً على مْعَلثا وبيث نوهدرا.

قلنا بأن الأساقفة خرجوا مِن مخابئهم بعد موت اسرائيل، وبدأوا السعيَ لإنتخاب بطريركٍ جديد، ويبدو أنَّ الإختيار وقع على جرجيس مطران جنديسابور، وبينما الإستعدادات تجري على قدم وساق، وأخذ الناس يستأجرون القوارب للذهاب الى كنيسة كوخي بالمدائن لحضور الإحتفال بالرسامة، وهارون بن حنون كاتب سوبكتكين منهمك بالإشراف على تنظيم كُلِّ شيء، وإذا بهم يُـفاجأوا بأمر ٍ صادر مِن الخليفة المطيع والأمير مِعـَزالدولة ليوقفَ كُلَّ شيء. وكان وراء هذا الأمر كاهن طبيبٌ مِن دارالروم يُدعى فثيون كثيرُ الغِنى حاول شراء المنصب البطريركي بـ 300الف درهم عن طريق”اسكورخ الديلمي” وعَزم أيضاً للإستيلاء على أموال الكنائس. فتبعثرَ الآباء، حيث اختفى مطرانُ جنديسابور والأساقفة، وفَرَّ مطرانُ الموصل بصحبة العرب الحمدانيين الى مقرِّ كُرسيِّه. وأمر الوزير المهلبي بوضع المقرالبطريركي تحت الحراسة. وبعد إجراء مفاوضات عديدة، خرج الوزيرُ المهلبي باقتراح داعياً الناسَ الى دفع مبـلغ يُعادل المبلغ الذي دفعه فِثيون إذا أرادوا انتخاب شخص آخر للرئاسة.  وطلب مِعزالدولة مِن أبي مخلد عبدالله بن يحيى النائب عن ركن الدولة، أن يقوم بتفتيش المقر البطريركي. والجدير بالإشارة بأنَّ أبا مخلد هذا كان مسيحياً وأسلم ومع ذلك كان يُراعي المسيحيين. فأجرى اتفاقاُ مع مسؤولي المقر على دفع مبلغ زهيد قدره 12 الف درهم، وصرف النظر عن التفتيش. فجلب المبلغ الى معزالدولة وقال له: <إنَّها صدقات النصارى على الضعفاء والأيتام، فما كان مِن مِعَزالدولة إلا رفضه أن يمُسَّ هذا المبلغ، وأصدر أمراً برفع الحراسة عن المقر البطريركي وبعدم مضايقة المسيحيين .

وطالت فترة انتخاب بطريرك جديد، فظلَّ الكرسي البطريركي شاغراً سنة وسبعة أشهر. أخيراً دعا الوزير المهلبي المسيحيين الى إجراء المصالحة فيما بينهم والإتفاق على مُرشح، وإثر مشادةٍ كلامية حادة جرت بين المهلبي وابن سنجلا، إنتابت الأخيرَ نوبة ٌ قلبية أودت بحياته. وبدأت جولة ٌمِن المُساومات المالية لإنهاء هذه القضية، واتّفقَ على أن يُدفعَ مبلغ 100الف دينار لكي يُوزَّع على الشخصيات المتعدِّدة، وعلى مبلغ 30 الف درهم يُدفع للوزير، وإذ لم يتيسَّر للمسيحيين هذا المبلغ إضطروا لبيع أواني الكنائس وأكملوه مِن تركة البطريرك الراحل عمانوئيل الأول. وعندذاك أعلن أربعة مِن الآباء عن ترشيح أنفسهم وهم: كيوركيس مطران جَنديسابور، كيوركيس مطران الموصل، وإثنان آخران، وبسبب أسلمة أخي مَـطران فارس فمُنع هو مِن الترشيح. وقبل قيام الآباء باجراء الإنتخاب، تقدمَ أبو الحسن بن بهلول صاحب القاموس الشهير بذكر اسم عبديشوع اسقف مْعَلثا، ليُضافَ الى أسماء المُرشَّحين، ونال اقتراحُه تأييد عمانوئيل الشهّار، فأُضيفَ اسمُ عبديشوع الى أسماء المُرشَّحين، وعندما جرى الإقتراع فاز عبديشوع ثلاث مرّاتٍ متتالية. فاضطروا الى استدعاء عبديشوع بأسرع ما يُمكن، وبما أنَّ معلثا كانت خاضعة للموصل، فقد  كتب مِعزالدولة الى ناصر الدولة الحمداني بشأنه، كما كتب الوزيرُالمهلبي الى دِنحا الوزيرالمسيحي لناصرالـدولة الحمداني،وكتـب المتنفذون المسيحيون الى مطران الموصل، وجميع هذه الكُتُب قد حرَّرها أبو الحسن بن بهلول بناءً الى ايعاز مِن الكاتب المسيحي أبو العلاء صاعد، وتمَّ تسليمُها الى سُعاةٍ وصلوا الى الموصل في مدة أربعـة أيام. وجلبوا معهم عبديشوع اسقف معلثا الى بغداد رغم إرادته، حيث كان قبل وقتٍ وجيز مِن هذه التقلبات قـد التمس الإستعفاء عن منصبه.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              ولدى وصول عبديشوع المُنتخَب الى بغداد حَلَّ اولاً في دار إبن زهمان المسيحي الواقعة  في العتيقة، ثمَّ انتقل الى دار طازاد في الضفة الشرقية، ثمَّ الى دارابي العلاء صاعد.  وفكَّر عبديشوع بالهرب، ولكنَّ محاولتَه اكتُشِفت. وأُجريت له الرسامة في 22 / 4 / 963م. وقيل بأنَّه إتَّصف بالضعف إدارياً رغم كونه ذا سيرةٍ قـدسية، إذ أفسح المجال لتلاميذه ومرافقيه أن يستولوا على أموال الكنيسة، ممّا حدا بالمؤمنين أن يتمرَّدوا عليه، فانتقل مِن دارالروم هرباً الى دير مار فثيون في الضفة الغربية مِن بغداد. ولكنَّ المؤمنين ذهبوا إليه وقدَّموا له الإعتذار والطاعة، مُحتملين مِنه ذلك إجلالاً لقداسته. يذكر بطرس نصري في (ذخيرة الأذهان ج1 ص 427 و 429) <كان عبديشوع الأول شديد الحزم، مُحِباً للطقس، ودفعـه ذلك الى تَرتيب صلوات المَوتى، وعُزيَ إليه قيامُه برسامة أربعةٍ وثلاثيـن اسقفاً ومَطراناً خلال رئاسته البـطريركية. نظَّمَ رسومَ الكـنيسة وحدَّدَ أحكامَها، كانت له مَواعِظ وتَراجم في شرح الإنجيل، تُوفي عام 986م ودُفِنَ في كنيسة دارالروم .

 

وشهد عهدُ البطريرك مارعبديشوع الأول أحداثاً كثيرة، إرتقى أثناءَها البعضُ مِن المسيحيين وتعرَّض البعضُ الآخر للقتل بسبب تصرُّفهم المُشين واستعلائهم أحياناً. فمثلاً وبحسب رواية إبن أبي أُصيبعة في (عيون الأنباء . . . ص 320) <كان بين أطباء معزالدولة، طبيب مسيحي  يُدعى دانيال، وقد أساءَ الجوابَ يوماً، فلكمه الأمير، فمات متأثراً بتلك اللكمة> ويُضيف المصدر السابق في (الصفحة 321) <أما الخليفة المطيع، فكان مُحاطاً، خاصة ً بأطباء مِن الصابئة الحرانيين، وبينهم مسيحي يُدعى اسحق بن شليطا الذي كان مُشاركاً في طب المطيع لثابت بـن سنان بن ثابت بن قره الحرَّاني، ولكنَّه سبق مولاه الى اللحد> وفي حلب قتل هِبة ُالله وهو إبن أخي ناصر الدولة الحمداني، كاتباً مسيحياً هو أبو الحسين بن دِنحا بسبب قضيةٍ أخلاقية. وقد رقـَّى الوزيرُ المهلبي المسيحيَّ أبا العلاء صاعد بن ثابت الذي أتينا الى ذكره في انتخاب عبديشوع، الى رُتبة نائبٍ له لثقته الكبيرة به. وفي الميدان السياسي كان الصراعُ يحتدم في بغداد بين الشيعة والسنة، أدّى الى الإقتتال بين الطرفين عام 964م، أسفر عن سقوط عددٍ كبير مِن القتلى والجرحى.

وفي نيسان مِن عام 967م وافت المَنيَّة ُالأميرَ البُـويهي الكبير معزالدولة في العاصمة بغداد. وقال عنه المؤرخ ماري في (المجدل ص 102 – 103) <إنَّه كان يُحبُّ النـصارى، وإنَّه حين بنى بَلاطه في الدور غربيِّ الشماسية على دجلة بين سنتَي 961 – 962م، أدخـل فيه عدة مساجد، ولكنَّه امتنع مِن إدخال بِيعة الدور الصغيرة باسم مار اسطيفانوس>. ويُضيفُ ماري، <إنَّ الأمرَ يُعزى الى رؤيا  ظهر فيها هذا الشهيدُ للأمير وحذره مِن التعرُّض لكنيسته>. والمعلوم، إنَّه كان لمثل هذه     “الرؤى” تأثير قوي في نفوس الملوك والأمراء. ويقول إبن أبي أُصيبعة (عيون الأنباء . . . ص 321) تولّى منصبّ معزالدولة إبنُه بختيار”عز الدولة” وكان المسيحي أبو نصر فنّون طبيبَه، ويستخدمُه الأميرُ أيضاً كواسطة وصل ٍ بينه وبين الخليفة.

وكانت تصدر أحياناً مِن بعض المسيحيين تَصَرُّفاتٌ خرقاء تجلب عليهم وعلى بني جنسهم مصائب وويلات. حيث يقول ماري(المجدل ص 102) بأن الكاتب اليعقوبي “المونوفيزي” بِشر بن هارون بن جملا، كان انتقادُه لبعض الوزراء شديداً، فكان رَدُّ فعل أحدهم ضِدَّ المسيحيين قاسياً جداً، وهو “الشيرازي”  حين عودته عام 971م الى منصبه مُجدَّداً، حيـث فرض عليهم جزيةً إضافية ولا سيما على البطريرك الذي دفع الجزية على دفعتين: الاولى ومبلغها 200 الف درهم  والثانية 100الف درهم. وأدَّت هذه الجزية المضافة الى الجزية والخراخ الى اضطرار الكثير مِن المسيحيين التخلّيَ عن دينهم. وهنالك حالة اخرى يختلف في روايتها المؤرخان إبن العبري في (التاريخ السرياني ص 192)  وماري في (المجدل ص 104 – 105) على موقع وقوعها. وفحواها أنَّ عربيين وجدا مقتولين بالقرب مِن أحد الأديُرة في أطراف الموصل (إبن العبري يدَّعي “دير ميخائيل” بينما يَدَّعي ماري “دير سعيد”)  فاستغلَّ أبو تغلب بن ناصرالدولة هذه الحادثة ليتهمَ علناً المسيحيين بهذه الجريمة. ففرض عليهم ليدفعوا فدية ًمالية قدرها 120 الف درهم. وقد عرض ماري بن طوبي ــ الذي سيتولى البطريركية لاحقاً ــ وأبنُ سلامة الكاتب نفسيهما كرهينتين لهذه القضية، وعرَّضهما عملهُما هذا للإهانة حيث ضُربا وقُيِّدا بالأغلال .

جاء في (تاريخ الرهاوي المجهول2 ص 58) بأنَّ القلق مشوباً بالهلع أخذ مأخذَه مِن المسيحيين لدى سماعهم بخبر اقتحام الإمبراطور البيزنطي “يوانيس شوموشكي” ويُطلق العرب عليه اسم “إبن الشمشقيق” الحدود الإسلامية. وقد أحدثَ دخولُ العاهل البيزنطي الى نصيبين عام 972م  ثورة ً في بغداد، أدَّت الى قيام الرعاع الفوضويين بغزو بَلاط الأمير عزالدولة بختيار، وعلى اثر ذلك نشبت معركة بين الشيعة والسنة. ولم يجر اعتداءٌ على المسيحيين مِن قبل المُسلمين، إذ رأى المسلمون بأنَّ الروم لم يستثنوا المسيحيين مِن السلب والنهب،  فقد سلبوهم ونهبوا كنائسهم وأديرتهم في نصيبين تماماً كما فعلوا بالمسلمين وجوامعهم، حيث كان الروم ينظرون الى النساطرة والمونوفيزيين نظرة احتقار معتبرينهم هراطقة. ويقول ماري (المجدل ص 103) <وإذ ذاك أخذ البيزنطيون جسد القديس يعقوب مِن نصيبين>.

 

وأخيراً أفلحَ الأميرُ أبو تغلب الحمداني الملقب”عدة الدولة”وهو إبن ناصرالدولة، في التفاوض مع الروم بصدد انسحابهم. واستغلَّ البعضُ غيابَ الأمير عزالدولة عن بغداد، فسطوا على بَلاطه ونهبوه. ولم تمضِ على هذه الحادثة إلا أشهرٌ،  حتى قامت فتنة في القطاع الغربي مِن بغداد، فسارع الوزيرُ الشيرازي الى إضرام النار في القطاع عام 973م مِمّا أدّى الى وقـوع ضحايا كثيرة، واضطرَّ الناسُ للفرار الى الضفة الشرقية.  أمّا الحيّان المسيحيان في الضفة الغربية، أي الحي اليعقوبي “باب المحول” في الجنـوب الغربي،  والحي النسطوري “العتيقة” في الجنوب الشرقي فلم يتعرّضا للحريق. وبسبب هذه الأحداث تدَنّى وضعُ الدولة المالي الى الحضيض، واضطرَّ عزالدولة للحصول على المال بأية وسيلة، ومِن كافة فئات الشعب مسلمين ومسيحيين، حتى أنَّ الخليفة المطيع لم يسلم مِن هذا الإجراء، فباع أثاثه وحتى ملابسه، ودفع لعزالدولة 400 الف درهم.

 

وفي عام 974م نشب قتالٌ في بغداد بين الشيعة المسنودين مِن عزالدولة وبين السنة الأتراك الموالين للحاجب سوبكتكين. ويقول السيوطي في (تاريخ الدول ص 404)  وكان النصرُ للأتراك حيث نهبوا القطاع الغربي مِن بغداد وأضرموا النار فيه.  وأجبروا الخليفة المطيع الضعيف والمريض أيضاً على التخلي عن الخلافة لإبنه الطائع في 10 / 8 /974م. وانزوى المطيعُ المعزول في دير العاقول ولم يُذكرأيٌّ مِن العاقولَين: الواقع في أطراف الدجيل أو الواقع بالقرب مِن دير قوني، ولم تمض إلا مدة قصيرة حتى توفيَ. والى الجزء الثامن عشر عشر قريباً.

 

الشماس د. كوركيس مردو

في 22/3/2015

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى