الإنشقاقات والنكبات التي عصفت بالأمة الكلدانية وكنيستها والمآسي التي حَلَّت بها عِبرَ الزمَن / الجزء الثاني عشر


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

صفات طيمثاوس الأول ومواهبُه

رئيس حازم وحكيم

إنَّ أهمَّ مصدر ثَريٍّ بالمعلومات حول البطريرك العظيم طيمثاوس الأول هو كتاب (الكنيسة والإسلام في العصر العباسي/ للأب بوتمان) إقتبستُ مِنه الكثير في معرض حديثي عن هذه الشخصية البارزة في تاريخ كنيسة المشرق الكلدانية النسطورية. إضمحلَّت المُعارضة وخيَّمَ السلامُ في أجواءَ الكنيسة المشرقية النسطورية، ورأى مار طيمثاوس نفسَه حُرّاً، فشمَّرَ عن ساعد الجِد وباشرَ بإدارة شؤون الكنيسة بكُلِّ ما أوتي مِن القوة والحكمة والعِلم دافعاً إيّاها الى الإزدهار والتوسع بالإمتداد نحو الآفاق القصية بشكل لم تعرف له مثيلاً مِن قبل. تميَّزَ عهدُه الطويل بالهدوء والإنسجام بفـضل إقامتِه علاقاتٍ طيبة ً مع المُسلمين، وعمل على تصفية الجو مع الفئات الأقلية المسيحية الاخرى، فنالَ احترام وتقدير الجميع مُنَوِّهين بحسن إدارته وغزارة عِلمه.  وبينما يقول ماري في (المجدل ص 74)  بأنَّ <طيمثاوس لم يكن يقدر أن يخطب في حضرة الناس> فإنه يعود لمناقضة قوله في ذات الصفحة < له رسائل في كُلِّ فنٍّ وكتاب الكوكب>  أما صليبا في (المجدل ص 65) فيُثني على عِلمِه الغزيرعلى مُختلف الأصعدة والمجالات.

 

طَموحٌ الى العِلم ومؤلفٌ

لم يُغر طيمثاوسَ منصبُه الرفيعُ ذو المهام الصعبة أو يُشغِله عن مواصلة توسيع قدراته العلمية على مُختلف الأصعدة،  مؤمناً بأن العِلم لا حدود له، ومهما ازتزاد منه المرء يظل يرنو الى المزيد. كتب بوفرة وفي مواضيع شتى، ومِما كتبه: ما يقرُبُ مِن مِئتي رسالة مُوَجَّهة الى أشخاصٍ ذوي شأن في الكنيسة. ألَّفَ ستة كُتُب. نقل عن اليونانية أربعة كُتُبٍ فلسفية لآرسطو. ولكن للأسف لم يسلم مِنها إلا الغيضُ مِن فيضِها حيث أتى الدهرُ على مُعظمِها. الحصيلة المتبقية مِن نِتاجه الغزير هي (59 رسالة) في مخطوطةٍ لدير السيدة حافظة الزروع المجاور لبلدة القوش، أُعطيَ لها (رقم 509) بحسب الترقيم الجديد. اودعت مؤَخراً في دير الإبتداء للرهبان الكلدان في منطقة الدورة/ بغداد.  يسبق تاريخُها القرنَ الرابعَ عشر. وصلت الى الدير مُبعثرة بدون ترتيب وبدون تاريخ. أهم المواضيع المُتناوَلة فيها هي: فلسفية ، لاهوتية، قانونية، جَدَلية، وراعوية. إهتمَّ بدراستِها كاملة العديدُ مِن الباحثين ونشروها، والبعض الآخر إختصَّ بنشر جزءٍ منها ومِن بين هؤلاء: العالِم الألماني اوسكار براون (جمعية الكتبة الشرقيين في المجلد 56) حيث نشرها كاملة عام 1914م وأرفق بها ترجمتها اللاتينية عام 1915م. وحنا شيخو (رسالة طيمثاوس الأول الى سرجيس ص 1 – 41). وروفائيل بيداويذ (مجموعة دراسات ونصوص العددد 187) .

أما مِن كُتُبِ طيمثاوس الستة فلم يصل مِنها إلا كتابان. الواحدُ بعنوان (المجلدات المجمعية) يعتقد عبديشوع الصوباوي(فهرس المؤلفين / الترجمة العربية ص 194) بأن جَمعَه قد تَمَّ في عهده. والآخرُ (كتاب الأحكام الكنسية) يتناول فيه الشؤون الكنسية الى جانب الزواج والميراث… واختفت كُتُبُهُ التالية: كتاب الكواكب الذي أشار إليه ماري في (المجدل ص 74) وكتاب (الأسئلة) وكتاب (المواعـظ  والأناشيد في أعياد الرب على مدار السنة الليتورجية) وكتاب (التفسير اللاهوتي) ويُعتقَد بكونه تفسيراً لكتابات القـديس فرنسيس النزينزي. وقد اختلفَ المؤرخون على عائدية الانشودة التي يتلوها الشماس في نهاية القداس الكلداني للأيام الإعتيادية (رازي دَنسَون  ܐܪܙܐ ܕܢܣܒܢ – الأسرار التي اقتبلناها) هل هي مِن تأليف البطريرك طيمثاوس الأول أم الثاني؟ يعزوها كتاب الطقس الكلداني الى مار يزدين. ولطيمثاوس الأول الكبير انشودتان أخريان، أورد إحداها الفونس منكنا في (فهرسه ص 72) والاخرى وردت في فهرس (زوتنبرغ ص 9) وهي موجودة في مكتبة باريس كما يذكر (رايت/ الأدب السرياني ص 94).

 

وفي حقل الترجمة، كان العديدُ مِن كتابات اوركَانون آرسطو قد تُرجمت الى الكلدانية منذ دخول الفلسفة اليونانية في القرن الخامس الى المدرسة الكلدانية الكبرى الثانية  “مدرسة الـرُها” التي تلت مدرسة نصيبين الشهيرة في مرحلتها الأولى، وأشهر تلك الكُتُب “طوبيقا” والتحليلات الثانية والفصاحة والشِعر. إلا أنَّ هذه الكُتُب لم تجرِ ترجمتُها الى العربية حتى عهد البطريرك طيمثاوس الأول. حينها طلب الخليفة هارونُ الرشيد مِن البطريرك طيمثاوس أن يُترجمَها الى العربية.  فعرض الأمرَ على عددٍ مِن بني رعيته الذين يُتقنون اللغتين اليونانية والكلدانية أو اليونانية والعربية، فباشر البعضُ مِنهم ينقلُ مِن اليونانية الى العربية مباشرة والبعض الآخر مِن الترجمات الكلدانية الى العربية. ومِمَّن ساهموا في أعمال الترجمة وساعدوا البطريرك طيمثاوس زميلُه أبو نوح الأنباري وبطريركُ الملكيين. ذكر المؤرخ الألماني براون في (رسائل البطريرك النسطوري طيمثاوس الأول ص 4/  والأب جان فيِّه/ المسيحيون السريان في عهد العباسيين ص 38 – 39/ وروفائيل بيداويذ/ رسائل البطريرك طيمثاوس الأول ص 37-38) بأنَّ البطريرك طيمثاوس قال بصدد ترجمة كتاب طوبيقا  <إنَّ كتابَ طوبيقا لآرسطو الفيلسوف، طُلِبَ مِنّا بأمر ملكي بأن نُترجمَه مِن الكلدانية الى لغة العرب. وقد تحقَّقَ الأمرُ بعون الله وبتعاون الاستاذ أبي نوح> وتقول المصادر الآنفة الذكر ذاتُها: بأنَّ طيمثاوس ترجمَ أيضاً كتابَ التحليلات الثانية، كتابَ الشعر، وكتابَ الفصاحة لآرسطو. وإنَّ الخليفة فضَّلَ ترجمة طيمثاوس على غيرها لوضوحها ودِقتِها.  إذاً فكُلُّ الشواهد والدلائل التي أوردها المؤرخون تشهدُ على ثراءِ طيمثاوس العِلمي والأدبي والفلسفي الكبير، وقد ترك لبني قـومه الكلدان ثروة نفيسة بنِتاجه الغزير، وها هو المؤرخ ماري (المجدل ص 71) يُطلقُ عليه صفة “العالِم والملفان” أما المؤرخ صليبا (المجدل ص 64 – 65) فيقول عنه بالنص <إنَّه كان عالِماً فاضلاً حَيولاً في الامور…وكان مُكرَّماً عند الخلفاء والملوك لكثرة عِلمِه وفضائله وحُسن أجوبته عن المسائل التي كانوا يَرمون عليه>.

 

إداريٌّ ثاقبُ الرؤية

في ميدان الإدارة كان طيمثاوسُ عميقَ التفكير واقعيَّ التحليل، فقد رأى بأنَّ الإستقرارَ في الكنيسة المشرقية يعتمدُ على حُسن اختيار رُعاتِها مِمَّن يتمتَّعون بالعِلم والفضيلة، لكي يكونَ بوسعهم تثقيفَ جماعة الإكليروس بكُلِّ مراتبهم مِن كهنةٍ وشمامسةٍ ورهبان وكذلك المؤمنين، وتسليحَهم بالعِلم الذي يـَصقل شخصيتهم ويُوَفِّرُ لهم احترام الناس وتقديرهم، ولذلك لم يَبخَل البطريرك الكبير بشيءٍ في سبيل تحقيق هذا الهدف، لأنَّه الوسيلة المُثلى لنَيل تقدير واعتبار السُّلطات الحاكمة. ألم تكن الحظوة التي نالها هو ذاتُه في البَلاط العباسي نتيجة الإحترام لشخصيته الفذة وعِلمه الغزير وتمكُّنه مِن عِلم الفلك والعلوم اليونانية بصورةٍ خاصة! ويُستشَفُّ اهتمامُه بمجال العِلم مِن خلال رسائله ولا سيما تلك المُوَجَّهة الى صديقه سرجيس مدير مدرسة باشوش، حيث كان يَحُثُّه دوماً على توجيه أقصى اهتمامِه بالطلبة، ليتسلَّحوا بالعِلم والفضيلة، ويُذكِّرُه بأن الهدف الأول مِن جميع الدراسات هو الفوز بملكوت الله!

 

في عام 795م رُقِّيَ سرجيس الى رُتبة ميطرابوليط عيلام، ولكونه إدارياً مدرسياً قديراً، فتح مدرسة في أبرشيته، فكتب إليه طيمثاوس رسالة موصياً إياه بإيلاء المدرسة اهتماماً خاصاً ومِما قاله فيها نَصّاً: <اذكر، أنَّ عليها أن تَلِدَ وتُهذِّبَ أبناءَ الكنيسة> ويُكَرِّرُعليه القول بهذا النص: <إعتن ِبالإخوة الدارسين مِثل َعنايتِكَ بحدقتَي عينَيك، وحَرِّضهم على تلقِّي العِلمَ الصحيح ومخافة الله، وأنتَ ذاتُكَ اعطِ المثلَ في جميع الفضائل>.

 

تَحَلّي الرؤساء بالغيرة والقداسة

وبفضل فكره الإداري الثاقب أدركَ طيمثاوس، بأنَّ غيرة وقداسة رؤساءِ الكنيسة ورُعاتِها في حياتهم وارتباطهم الوثيق بالكُرسيِّ البطريركي، هي مصدر أساسي لنشاطها وحَيويتها. ومِن هذا المُنطلق، حَرِصَ البطريركُ على اختيار رؤساء يتحلَّون بصفاتٍ مُثلى وكفاءاتٍ عالية. ومِن أجل هذه الغاية كان أحياناً يتعدّى الإجراءات الرسمية، وفي كثير من الأحيان يُبادر عند الضرورة الى إناطة مناصب كنسية هامة بأشخاص ذوي جدارةٍ بها وإن تعارضَ ذلك مع رأي المؤمنين. فكان يرى أنَّ رسامة رؤساء الأساقفة (الميطرابوليطين) تكون من صلاحيات البطريرك وعلى العيلاميين تقديم الطاعة لمِيطرابوليطهم سرجيس، وهدَّدَ بأنه لن يتردَّدَ باتخاذ عقوباتٍ كنسية صارمة ضِدَّ كُلِّ كاهن أو مؤمن أو مُدرِّس يخرج عن طاعة رؤسائه المحليين والتمَرُّد على أوامرهم.

ومِن الجدير بالإشارة الى أنَّ أبرشية عيلام ومنذ عهدٍ بعيد يرقى الى عام 410م،  كانت نزعة المُقاومة متفشية فيها، وترى نفسَها نِدّاً مُساوياً لأبرشية المدائن. وحين حصلت أبرشية المدائن على الموقع الأول بين الأبرشيات الاخرى، وطالبت جميع الأبرشيات بالإنضواء والخضوع لسُلطتها الجاثاليقية (البطريركية فيما بعد) رأت أبرشية عيلام في هذا الإجراء إجحافاً بحقِّها، وراحت تسعى الى الإستقلال بذاتها عن الكُرسيِّ الجاثاليقي. ولم يألُ الكثيرُ مِن الجثالقة عن بذل جهودٍ مُضنية في نشر الهدوء بين أوساط أبناء هذه الأبرشية المُضطربة وحملِهم للجنوح نحو الصلح مع السُدة الجاثاليقية، إلا أن ثِمارَ تلك الجهود كانت فجَّة لم تنضج، لكي تحُدَّ مِن التجاوزات العديدة التي كان يُمارسُها أساقفة وكهنة هذه الأبرشية الفارسية. بيد أنَّ طيمثاوس الكبير بالرغم مِن كُلِّ ما جلبته له مِن الإستياء وحمَّلته مِن الهموم حتى كاد اليأسُ ينتابُه أحياناً مِن إصلاح الوضع فيها. لم يتغلَّب عليه اليأس بل إستمرَّ بمواصلة جهوده بملءِ التفاؤل حتى نجح أخيراً في إرضائهم، فعيَّنَ لهم شمعون ميطرابوليطاً، ومنحه نوعاً مِن حرية التصرف مِن حيث أختيار أساقفتِه ورسامتهم حتى إذا لم يأخذ الإذن مِن البطريرك. هذه حالة واحدة مِن حالاتٍ اخرى عديدة دَلَّت البطريركَ العظيم على تجاوزها فطنتـُه وحِنكتـُه الإدارية ، ولا يسعنا الإشارة إلى هذه الحالات تجنُّباً للإطالة.

 

رئيسٌ ومُشَرِّع

وفي مَيدان الرئاسة والتشريع. كان مارطيمثاوس البطل الأولَ المشهودَ له بالثبات وسَدادِ الرأي، يُمارس سُلطتَه إدارياً بحزم يشوبُه الإستفراد بالرأي أحياناً، وقد سبـق لنا أن ذكرنا مثالاً على ذلك، هو إناطتُه مناصب كنسية هامة بأشخاص يتوسم فيهم العِلم والكفاءة، دون أن يُثنيه تعارضُ رأي المؤمنين بهذا الخصوص. ولم يتردَّد يوماً في مواجهة المتنفِّذين مِن المؤمنين لدى ارتكابهم مُخالفاتٍ في سلوكِهم الذي لا يـَليق بالحياة المسيحية، كما حدث له مع الطبيب جبريل بن بخـتيشوع حين رشقه بالحرم لمُمارسته الإستسرار. وتحدّى الأساقفة ومُناصريهم بالوقوف الصلب ضِدَّ أطماعهم غير المشروعة. وكان يحرص على حَلِّ مشاكل المؤمنين بنفسه وليس عن طريق القضاء الإسلامي. أما عقائدياً، فكان يُمارس سُلطتَه بمقتضى ما قرَّرته أحكامُ المجامع والقوانين الكنسية لدى توضيحه عبارة مُبهمة أو تصحيح تفسير يخصُّ المُعتقد. كان بارعاً في توازنه بين المواقف المُتسمة بالشدة وبين المواقف التي تتطلَّب المرونة مِن خلال المعرفة والتجربة اللتين استدلَّ منهما بأنَّ الصرامة المُفرطة تُـفضي عادة الى العِـناد والمُقاومة، فيلجأ الى التحلّي بالفطنة والمرونة كُلَّما دعت الحاجة، وكانت السُلطة لديه تُمثِّل الخدمة ولا بدَّ للصرامة على أن تقترن بالتواضع، ومع استفراده في القرارات التي تؤول بالخير للكنيسة، إلا أنَّه لا يستبعد الآخرين مِن حيث التشاور في تعيين الرؤساء فـيما يتعلَّق بالشؤون الإدارية للكنيسة، وأصدق مثال على ذلك هو توصيتُه بإقامة ايشوع برنون بطريركاً خلفاً له مع كُلِّ ما كان بينه وبين برنون مِن اختلافٍ في وجهات النظر!

ومِن حيث التشريع فكانت حِنكة طيمثاوس القانونية لا تُضاهى، فمِما لاشكَّ فيه بأنَّ تعايُش المسيحيين المُشترك مع المُسلمين تحت سُلطة دولةٍ إسلامية تمزج الدين بالسياسة، سيخلُق لهم مشاكل وصعوبات كثيرة على الصعيد القانوني، ولذلك فإن قادة الكنيسة الروحيين مُلزَمون أن يجدوا حلاًّ لها. وبخاصةٍ أن موقع الجاثاليق البطريرك يُمثِّلُ رئاسة روحية ومدنية لقومِه في آن واحد، وقد تُعهَدُ إليه في بعض الظروف مسؤولية الإشراف على دفع الضرائب. وبما أن البطريرك يُمنَحُ اعترافاً رسمياً مِن الخليفة بشرعية رئاسته، فيُصبحُ تلقائياً هو والأساقفة حُكاماً في الامور الدنيوية أيضاً بالإضافة الى كونهم حُكاماً روحيين بالأصل. ومِن هذا الموقف ترتَّبَ على البطريرك وأساقفتِه تشريعَ قوانين تنظم الأحكامَ بوضوح في الشؤون القضائية. ومن الجدير بالإشارة إليه هو أنَّ ايشوعبخت ميطرابوليط عيلام على عهد البطريرك حنانيشوع الثاني المتوفى عام 779م، كان قد قام بوضع بحثٍ شامل في الحقِّ المدني يُعتبر الأول مِن نوعه. فطلب مارطيمثاوس أن يُترجمَ مِن البَهلوية الى الكلدانية، للإستفادة مِنه في سَنِّ القوانين المدنية.

 

يُشير عبديشوع الصوباوي في (مجموعة القوانين المجمعية 9 – 6 المنشورة مِن قبل “ماي” في روما 1838 م مع ترجمتها اللاتينية التي أنجزها السمعاني) بأن طيمثاوس عقد مَجمَعين عامَين: الأول عام 790م والثاني عام 804م. لم يُوثِّقهما كتاب المجامع الشرقية، لأنهما كانا بمُبادرةٍ شخصية منه. ولكن نصَّيهما أُلحقا بمجموعة المجامع الشرقية التي تبتديء مِن مجمع ساليق الثاني عام 410م برئاسة اسحق الجاثاليق حتى مجمع البطريرك حنانيشوع الثاني عام 775م. وفي مقدمة المجامع التي نشرها الأب يوحنا شابو (الصفحة 13) يقول الناشر، بأن المجموعة كُتبت في أواخر القرن الثامن، فيُمكن تخمين الفترة ما بين عامي 775- 790م، استناداً الى عدم ورود مقرَّرات مجمع طيمثاوس الأول لعام 790م فيها. وهنا يبرُز احتمال كبير بأن طيمثاوس نفسه جمع هذه القوانين  في كتابٍ يُعَد مرجعاً هاماً لدراسة مسيرة الكنيسة المشرقية. ويظهر أن مجمع طيمثاوس لعام 790م لم يصدر عنه سوى إعلان رسمي للتأكيد على مقرَّرات مجمعه لعام 781م والتي أُضيفَ نَصُّها كمُلحقٍ الى المجامع الشرقية (المجامع ص 599 – 603). وكانت هذه المقرّرات قد اُرسلت في ذات العام بهيئة رسالة الى أفرام ميطرابوليط عيلام الذي لم يحضر انتخاب طيمثاوس، بهدف التغلُّبِ على الخلافاتِ الناشبة بين البطريرك الجديد ومُناوئيه تجنُّباً لأيِّ انشقاق يطالُ الكنيسة.

 

ذكر المؤرخ صليبا في (المجدل ص 66) ما نصُّه <إن طيمثاوس وضع باجتماع الآباء ثمانية وتسعين قانوناً في الفرائض والأحكام وفي كُلِّ قانون مِنها مسألة وجواب>.  وورد في (تاريخ الأدب السرياني العربي2 / لغراف ص 115)  <بأنَّ هذه القوانين المنسوبة الى طيماثاوس والتي تضم في الواقع 99 قانوناً، عرفت نجاحاً كبيراً في القرون اللاحقة، بفضل الترجمة العربية التي حَققها أبو الفرج بن الطيِّب في القرن الحادي عشر، حينما شرعت اللغة الكلدانية تفقد مكانتها المرموقة، وجاءت القوانين مُجزّأَة على ثلاثة أقسام: يتناول القسم الأول الرئاسة الكنسية، والثاني الزواج، والثالث الإرث>. (طالع المخطوطتَين رقم 511 و513 / دير الرهبان الكلدان). وهناك قوانين اخرى وضعها طيمثاوس في الحق القانوني الكنسي بصدد انـتخاب البطريرك وسموِّ مكانته.   وحقوق رؤساء الأساقفة (الميطرابوليطين) والأساقفة وواجباتهم، وتطرَّق الى القضاء الكنسي وضرورة لجوء المسيحيين إليه وليس الى القضاء الغريب مِن أجل حَسم النزاع الذي يحدث فيما بينهم. تُرى، أليس كُلُّ ذلك دليلاً ساطعاً بأن أبناء كنيستنا أنعم الله عليهم بشخصية فذةٍ وقائدٍ عظيم عرف كيف يُعالجُ احتياجاتِهم ويُدافع عن كيانِهم ويصون استقلالهم الديني.

 

مساويء التزمُّت

وكثيراً ما يقع العظماءُ في هفوة التزمُّت والعظيمُ طيمثاوس أحدُهم، حيث نظرَ الى أفكار الإنفتاحيين السابقين لعهده أو المُعاصرين له مِن منظور استعلائيٍّ مُنغلق، بحجة الحِفاظ على وحدة الكنيسة التي ترتكز بحسب رأيه على وحدة المُعتقد فيها، رافضاً أيَّ تعديل إصلاحيٍّ له يأتي به المُفكِّرون العظماءُ والعلماءُ الأجلاءُ أمثال حنانا الحِديابي وسهدونا ويوسف حزايا ويوحنا الدالياثي ويوحنا الآفامي وغيرهم فبدلاً مِن قيامِه بدراسةٍ وافية لآرائهم أعاد شجبَهم على غِرار أسلافه البطاركة الذين اعتبروا تعاليمَهم لا تتفق والمُعتقد النسطوري! وقد بّزَّهم بفرض رقابةٍ كنسية مُشدَّدة على المؤلفين والمُفسِّرين للكتاب المقدس. إنَّ الشخص المُتزمِّت يقع في متناقضات، ويظهر التناقضُ في أقوال مارطيمثاوس حول مسألة التجسُّد التي كانت المُعضلة الاولى التي واجهته. فبينما يُؤَكِّد على وجود إتحادٍ حقيقي وطبيعي في المسيح أقوى مِن إتحاد النفس بالجسد، إلا أنَّه يرفض القول بالإتحاد الاقنومي، ولا يقبل أن يُقال بأنَّ الله وُلدَ وتألَّمَ ومات! أو أن يوصفَ بـ (الخادم). ولا أن يُقال: بأنَّ ناسوت المسيح استطاع أن يرى لاهوتَه! ولكن تصدّيه لمقاومة بدعة المُصلّين كان أفضلَ ما قام به للمُحافظة على عقيدة الإيمان! إن ما أشرنا إليه يدخل ضمن الدراسات اللاهوتية، ولسنا نُريد هنا الولوج في التفاصيل، وإنَّما أردنا التذكير بالتدابير التي اعتمدها طيمثاوس الكبير للمُحافظة على وحدة المُعتقد النسطوري في الكنيسة المشرقية ويمنع عنه هبوب رياح الإصلاح ليتحرَّر مِن بودقة التزَمُّت والخروج من دائرة التقَوقع.

 

ويتباهى مارطيمثاوس الأول بكنيسته على كنيسة الغرب في رسالةٍ وَجَّهها الى رهبان ديرمارمارون، مُقِرّاً بأرثوذكسية كنيسته “استقامة كنيسته” مُثبتاً لهؤلاء الكاثوليك بأن كنيسته ليست هرطوقية كما يُنظر إليها واتُّهمت بالهرطقة، حيث يقول: <إنَّ المسيحية عندنا هي قبل أن يكون نسطور بنحو خمسمائة سنة على وجه التقريب، وبنحو عشرين سنة بعد صعود ربِّنا الى السماء> (طيمثاوس ط . بيداويذ ص 42) <وهذا دليل يُقِرُّ به طيمثاوس نافياً خضوع كنيسته لتعاليم نسطور، ولكن التسمية النسطورية لم تُرفع عن الشعب الكلداني رسمياً وظلَّ معروفاً بها> ويُضيف، إن كنيستنا حافظت منذ عهد الرُسُل على”جوهرة الحقيقة” سليمة دون زيادة أو نقصان، لأنها لم تكن تحت سُلطة ملوك مسيحيين كما كانت كنيسة الغرب حيث أخضعوها لطغيانهم الديني. ولكنَّ طيمثاوس أغفل عمدا إن لم نقل بأنَّه انكر حقاً لباباوات روما خلفاء بطرس بأنهم أصحاب “جوهرة الحقيقة” وحدهم دون سواهم، وقد صانوها من محاولات ملوك الروم والبيزنطيين التأثيرعليها على الإطلاق رغم استبدادهم وتعسُّفهم. ويستطرد طيمثاوس بأنَّ كنيسة المشرق، برغم كُلِّ ما واجهته مِن الأزمات والإضطهادات وعدد الشهداء، حافظت على أمانتها تُجاه الحقيقة، ويُثني طيمثاوس على رئاسة كنيسة ساليق، ويصفها كأهمِّ عنصر في صيانة وحدة العقيدة. أجل، لا شكَّ في ذلك وكان الأمرُ لغاية منتصف القرن الخامس، ولكن مار طيمثاوس فاته بل ربَّما تعمَّد ذكر الحقيقة، بأن بعد الخمسمائة سنة التي ذكرها اكتسحت تعاليمُ نسطور كنيسة المشرق تحت ضغط السلطة الفارسية الحاكمة وتواطؤ بعض أحبارها معها، وأجبِرَت على تبنّيها خضوعاً لإرضاء ملوك الفرس الوثنيين! ومن جرّاء ذلك انقسمت الى شطرين نسطوري ومونوفيزي، وابتعدت بشطريها كلياً عن الكنيسة الأم الجامعة باختيارها منعطفاً انفصالياً!!

 

إن ما لم ترغب الكنيستان، كنيسة الغرب الأم الجامعة وكنيسة الشرق الفارسية بوقوعه قد وقع، وحدثت القطيعة بينهما، وكأني بالقطيعة كانت على موعدٍ معهما لكي تخوضا سباقاً ثورياً في نشر بشارة الخلاص المسيحية، وبعد أن استطاعت الكنيسة إزالة شكوك ملوك الفرس بولائها عن طريق اعتناق مذهبٍ مخالف لمذهب الكنيسة الغربية الجامعة، وتمكنت من التغلب على الصراع الداخلي المزمن بين أساقفتها وتمتعت بقسطٍ من الحرية بعد الإيقاف النسبي للإضطهاد الواقع على أبنائها، استعادت قوتها واتَّقدت في قلوب أبنائها غيرة التبشير ليس داخل أرجاء المملكة الفارسية فحسب بل تعَدتها الى الأقطار النائية في الشرق كالهند والتبت والصين بحيث ضاهت كنيسة الغرب باتساع رقعتها وازدياد مؤمنيها.

 

وعمّأ قاله البعضُ بأن طيمثاوس كان يُقرُّ بأولوية الكُرسي الروماني، هو إدِّعاءٌ ليس إلاّ، فإن النصوصَ التي يستندون إليها وينسبونها إليه، يلُفُّها الكثيرُ مِن الغموض، وقد بالغوا في تفسيرها وأعطوها بُعدا ومعنىً لا يتّفقان ومحتواها. فكتاباتُه كُلُّها تنِمُّ عن التعالي وإنَّه هو المسؤول المُباشرالأول والأخير عن كُلِّ المسائل العقائدية والسلوكية! بالإضافة الى تأكيده على استقلالية كُرسيِّه، فكيف يُمكن التكَهُّن بصلته أو إقراره برئاسة اخرى أعلى؟ وهل إنَّ تشَبُّثه بإضفائه صفة الأرثوذكسية (الإستقامة) على كنيسته، كان نابعاً عن فكره حول مفهومه للوحدة في الكنيسة الجامعة؟ وإنَّه يرى التعدُّدية في الكنيسة مُمكنة؟ قد يكون هذا وارداً لأن طاقة طيمثاوس الفكرية كانت خارقة، ومِن خلالها كان يرى الفروقات الحاصلة بين الفئات المسيحية المُختلفة بأنها طفيفة، ولا ينبغي جعلُها عقبة تحول دون اتحاد القلوب حول ما هو ضرورة ماسة للخلاص. وبصرف النظر عمّا قيل عن طيمثاوس الأول الكبير حول إقراره بأولوية الكُـرسي الروماني أو عدمه. فإن كنيسة المشرق منذ تنسطرها في أواخر القرن الخامس وأصبحت تُعرَف بـ (الكنيسة الكلدانية النسطورية أوالكنيسة النسطورية اختصاراً) لم تترك فرصة سانحة إلا ورفعت أنظارها الى كنيسة روما حيث الجالس على كُرسيِّ بطرس نائب المسيح، لتُعربَ عن احترامها وتقديرها لأم الكنائس ولخليفة بطرس الرسول الصخرة بالرغم مِن كُلِّ المصاعب والظروف القاسية التي كادت تعصف بها خلال مسيرتِها الطويلة. والى الجزء الثالث عشر قريباً

 

الشماس د. كوركيس مردو

في 18/2/2015

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى