الإصحاح الرابع عشر من انجيل متَّى البشير مجموعة من أعمال يسوع ومعجزاته رأي هيرودس في يسوع ( 1 )


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

هيرودس، إنَّهُ أنتيباس بن هيرودس الكبير وأُمُّهُ ملثاسي، وَرِثَ الحُكمَ بعد موت والده وشَمَلَ حُكمُه مناطقَ الجليل والسامـرة وبيرية، تَـزوَّج بنتَ الحارث ملك دمشق الذي ورد ذِكرُه في(2قورنتوس11: 32)، ولما رأى هـيرودية زوجة أخـيه فيـلبُّس وهي بنت أخـيه أَرستوبولس بن هيرودس الكبير، راقت بعَـينَـيه وساعدَها على تركِها لِـزوجِها وتزوَّجها، ولأجل ذلك طَلَّـقَ زوجتَهُ بنت الحارث، فلقيَ مِن يوحنا المعمذان توبيخاً على ارتكابه الزنا، إذْ لم تكن الشريعة اليهودية تسمح بمثل هذا العمل أولاً: لكون هـيرودية بنتَ أخـيه وثانياً: لكون أخيه زوجها لا زال حَـيّاً، ولم يقـتصِر توبـيخُ يوحنا له على فعل الـزنا هذا بل على خطايا اخرى(لو3: 9)، وبسبب هذا التوبـيخ والخوف مِنْ تأثيـر كِـرازة يوحنا في الشعـب، زَجَّـه في السجن وبعد مدةٍ قطع رأسه وفاءً بوعـده لإبنة هـيرودية التي أعجَبَـته برِقصِها في الإحتـفال الذي أقامَه في ذِكرى مولـده. وبعد مقـتل يوحنا بفترةٍ قليلة قام الحارث بالثأر من هـيرودس فجَرتْ حربٌ بَـينهما فانـدحر هيرودس وكاد يُقـتَـل لولا تدخُّـل الرومان، فـعـزا اليهودُ مصائبَ هيرودس الى قَـتله يوحنا المعمذان بحسب ما ذكره المؤرخ يوسيفوس. ثمَّ ذهب الى روما طالباً مَنحَـه لقب ملكٍ، لكنَّ الجوابَ كان نفيُه الى ليون في فرنسا، فالتحقـت به هـيرودية وغادرا الى اسبانيا ومكـثا فـيها حتى موتهـما.وورد  في الإنجيل بأنَّه كان ظالماً ومُخادِعاً وقد رأى المسيحَ يوم أرسله إليه بيلاطس (لوقا3: 19 و13: 31-32 و23: 6-11).

في ذلك الوقتِ سَمِعَ أميرُ الرُّبْع هيرودُسُ بذِكْر يسوع، فقال لحاشيتِه: ” هذا يوحنا المَعمَذان، إنَّه قامَ مِن بَين الأموات، ولذلك تَعمَل ُفيه القُدرةُ على إجراءِ المُعْجِزات > (متّى14: 1 – 2) (مرقس6: 7 – 13). ما ذكره متّى أعلاه، يذكره مرقس بعد عودة التلاميذ الإثني عشر الذين أرسلهم يسوع الى بني اسرائيل مزوداً إياهم بسلطان لطرد الأرواح النجسة وشفاء المرضى، ويبدو أنَّ مهمتهم لم تَطُل كثيراً لبؤس أحوال بني اسرائيل آنذاك، ولكنَّهم طردوا الكثيرَ    من الشياطين ومسحوا بالزيت كثيراً من المرضى فشفوهم.

وسَمِعَ هيرودس بأخبار يسوع لأنَّ اسمَه أصبح مشهوراً فاحتارَ الناسُ في عدم معرفتهم مَنْ هو ولذلك تعدَّدَت الآراءُ  بشأن مَنْ يكون (متّى16: 13-14) وهذا يدل على عدم وجود ايمان لديهم، فـراحت كُلُّ جَـماعةٍ منهم تجتهِـد بما ترتأيه من لـقبٍ < فـلما سَمِعَ هيرودس قال: “هذا هو يوحنا الذي قطعتُ أنا رأسَه قد قام ” (مر6: 16). فـقال لحاشيته: < هذا هو يوحنا المعـمذان، إنَّه قام من بين الأموات، ولذلك تعـملُ فيه الـقدرة على إجـراء المُعجزات > (متّى14: 1-2)، بهذه الأقـوال التي ذكرها البشيـران مرقس ومتّى عبَّر هيرودس عن رأيه في يوحنا المعمذان، بيدأنَّ المعمذان وعلى مدى رسالته لم يُجرِ آيةً واحدة. فقد ورد على لسان البشير يوحنا بأنَّ يسوع <عَبَرَ الأردن مرة اخرى فذهبَ الى حيث عَمَّذ يوحنا في أول الأمر، فأقام هناك. فأقبل إليه خلقٌ كثير وقالوا: ” إنَّ يوحنا لم يأتِ بآيةٍ، ولكنَّ كُلَّ ما قاله في هذا الرجل كان حقاً، فآمَنَ به هنالك خَلقٌ كثير” > ( يوحنا10: 40-42).

ليس مُستغرباً بأنَّ ضميرَ هيرودس المُذنب بحقِّ يوحنا المعمذان قد سبَّبَ له تعباً وقلقاً وتبكيتاً على ما اقترفه من شرور ودون أن يتوبَ الى الله. فينتابُه الخوفُ من جرّاءِ عواقب أعماله الشريرة، إلا أنَّه ليس بمقدوره تَركَها بل بالأحرى لا يَرغبُ بتركِها حيث أصبح أسيراً لإقـتراف الإثم وقـد يكـونُ واجداً فيه لـذَّتَه. وحتى الخوف الذي يُشعِـرُه بالعَـقاب لا يَـرُدُّه عن سلـوك طُـرُق الشر. إنَّ الإبليس أيها الإخوة القراء بارع جداً بايجاد وسائل الإحتيال التي بها يتسلل الى قلوب البشر ويفرض سيطرتَه عليها بما يُغريها من اللذائذ والشهوات. ومن قصة هيرودس لدى (مرقس6: 17-29 ولوقا9: 7-9) تجدون نموذجاً لكثيرين غيره قد وصفهم يسوع الرب بالحَب الساقط بين الشوك، حيث يسمعون الكلمة ويتأثرون بها، ولكنَّ هموم الحياة وشهوات العالم تجعلهم ينسون الكلمة فيفقدون الأمل في خلاصهم. كانت لهيرودس رغبة شديدة في رؤية يسوع (لوقا9: 9) فلما رآه في الآخر استهزأَ به (لوقا23: 8-12).

يُخبرنا متّى البشير بأنَّ هيرودس أمر بقطع رأس القديس يوحنا المعمذان الصوت الصارخ والمُرعِب بإعلان الحق وكان قبل ذلك قد وضعه في السجن عقاباً على مَنعِه من الزواج بامرأة أخيه فيلبس الذي يُظَن أنَّه كان لا زال حياً، مؤكِّداً له بأن الشريعة لا تسمح بزواج الرجل من امرأة أخيه إلا في حالة وفاة الأخ دون أن تُنجِبَ له نسلاً، عندذاك يتوجَّب على الأخ أن يتزوَّجها ليُقيم نسلاً لأخيه المَيِّت، وليس مِن باب الإشتياق إليها.( تث25: 5 – 10). ولأنَّ إبنة هيروديا التي رقصت خلال احتفال الملك هيرودس بذِكرى مولده، أعجبته فوعدها أن يُكرمَها بأيِّ شيءٍ تطلبُه مؤكِّداً وعدَه بيمين، فاستشارت أُمُّها عن ماذا تطلب من الملك؟ فلقَّنتها قائلةً لها أن تقول له: ” أَعطِني هَهُنا على طبقٍ رأسَ يوحنا المعمذان ” وقد ورد في الإنجيل بأنَّ الملك اغتمَّ من هذا الطلب، ولكنَّه أمر بإعطائها إياه من أجل ايمانِه ومراعاةً لجلسائه. وأرسل فقطع رأس يوحنا في السجن. وأُتِيَ بالرأس على طبق ودُفعَ الى الصبية، فحملته الى أُمِّها، وأتى تلاميذُ يوحنا فحملوا الجُثمان ودفنوه، ثمَّ ذهبوا فأخبروا يسوع (متّى14: 6 – 9).

لم يستطِع هيرودس بقتله ليوحنا المعمذان الخلاصَ من توبيخ ضميره او حتى تهدئَتِه ليجدَ راحةً لنفسه إذ لم يُفارقه الخوفُ مِن قيامه بكتم صوت المُرسَل الإلهي، لأنَّ الصوت لم يتـوقف عن الصراخ في ذِهـنه ووجدانه، ولذلك لما سمع عن يسوع المسيح وما يقوم به مِن قُـواتٍ ومُعجِزات عَنَّ لفكره فـوراً بأنّه يوحنا المعمذان قد قام من بين الأموات وها هو يصنع المُعجـزات. لقد كان هيرودس خاوياً من السلام الداخلي ومستسلِـماً للخوف لأنَّ الخطيئة تفعل ذلك! فشهْـوة هيرودس لهـيروديا بحدِّ ذاتها هي خطيئة، أسِرَتْ قـلبَه الخاوي فدفعه لخسران حَـياته كـثمنٍ لرقصةٍ واحـدة! ساءَت أحوال بني اسرائيل كـثيراً فقـد جاءَ الـمَسِـيّا المنتظر وحلَّ في وسطِهم ساعِـياً لجمعِهم وحمايتهم مُعْـتبراً إياهم خاصته المحبـوبيـن فلم يُصغـوا لصوتِه بالـرغم من نِـداءات المُرسل أمام وجهِه يوحنا المعمذان لتهـيئة الطريق الى معرفـتِه، فعَـمَـدَ ملكُهم الأدومي الجنس المتهَـوِّد والمتظاهِـر باحـتـرام الديانة اليهودية ليستميـلَ إليه قُـلوبَ الرعية، ولكـنَّه في واقعِـه المُشين انـقاد الى رغبةِ هيـروديا زوجةِ أخـيه وعاشرها خِلافاً للشريعة الموسوية (سفر العدد18: 16-20) وبذلك بَـدأ يُـمارس حَـياة الـزِّنا التي دفـعـته الى قَـتـل الـمُـرسَـل الإلـهي يـوحنا والإستهزاءِ بابن الله انظر( لوقا12: 43-46 و23: 8-12).

وكُلُّ طاغية ذي سلطان يعتقِـد بأنَّه قادرٌ على قلب الحَـقِّ لصالحه، وهذا ما أقـدم عليه هيرودس بحبس القديس يوحنا لإسكات صوتِه عن قـول الحَـقِّ، وكان يتـوقُ الى قَـتله ليختـفيَ صوتُه نهائياً، فمنعه خوفُه من جماهير الشعب الذين كانوا يُعِدّونه نبياً، فَعدِلَ عن ذلك الى حين، واكـتفى بسجنه ليستريحَ قـليلاً حتى تسنح له فرصة للخلاص منه، فجاءَت تلك الفرصة في الإحتفال الذي أقامه بذِكرى مولدِه إشباعاً لغروره وشهواتِه، متنعِّماً به دون مُبكِّت. وإذْ أعجبته إبنة هيرودية برقصها تجرَّأَ ولبّى طلبَها بإعطائها رأس المُرسَل الإلهي يوحنا المعمذان مقطوعاً بالسيف وموضوعاً على طبقٍ وفقاً لِما أرادته هيروديا كما روى متّى البشير!.

لم يستطِعْ الموتُ إسكات صوتِ يوحنا فقـد خُـتِـمَ عليه بالخَـتم الأبدي، وتحَـوَّلَ الى موضوع تَـتغـنّى به الأجـيال عِـبر أقوال القديسين، فقد قال القديس يوحنا الذهبي الفم:” لقد ارتفع صوتُ يوحنا وسُمِعَ بعلوٍّ كبير بعد هذه الأحداث” أَلَم يتحالفْ اليهود الصهاينة ضِدَّ الكنيسة سعياً منهم لإبادتها؟ لكنَّ الكنيسة كانت تُعلِـنُ صوت الله وسط العالم بقُـوةٍ أعـظم ووضوح أنصع! ألم يسعى الإبليسُ يوما أن يتخلَّص من الكلمةِ الإقنوم الثاني عن طريق الصلب؟ فأضحى الصليبُ أوضحَ ناقشٍ لكلمة الله على قلوب البشر المتحجِّرة ليجعلَ منها هياكل نقية للرب!.

ويُضيف الذهبيُّ الفم يوحنا قائلاً: ” كان هيرودسُ أسيراً لشهواتِه، بحيث لم يَتورَّع مِن تقديم مملكتِه ثمناً لرقصةٍ ” ويستدرِكُ بالقول ” بينما كان من الواجب عليه تـقديم الشكر لله، إذْ أبصرَه النورَ في مثل هذا اليوم < يوم مولده > ولكنَّه في هـذا اليوم ارتكبَ بجسارةٍ أعـمالاً شِريـرة، وفـيما كان من الـواجب عـليه تحريـرَ مَن كانـوا مُقـيَّدين لديه أضاف القـتلَ الى القِـيود. أما العلاّمة أُريجينوس فيُعلِّـق على سَجْـن وقَـتـل يوحنا المعْـمذان مِن قِـبَـل هـيرودس، بأنَّ ذلك كان إشارةً الى ما فَـعَـلـته الأمةُ اليهودية التي حاولتْ كـتمَ النبؤات مُعتـقِـدةً أنَّ بوسعِها منعَ تحقـيقِـها بموت المَسِيّا حيث يقول: ” إنَّه أي هيرودس قيَّد الكلمة النبوية وسجنها مانعاً إيّاها من الإستمرار في إعلان الحَـقِّ بحريةٍ كالسابق “.

في ذِكرى مولد هيرودس استشهدَ يوحنا المعمذان بأمر مِن هيرودس ظناً منه بأن عَـدم تغييب يوحنا جسدياً، لن يستطيعَ التمتُّعَ بحياةٍ سعيدة من خلال زواجه بامرأة أخيه هـيروديا فـنال مُـبتغاه وزال الى العَـدم مع الـزمن. أما المعمذان فَـمات وظلَّ صوتُه يُجَلجِل على مَرِّ الزمن مرتبطاً بالحق فنال الخلود الأبدي، وعلينا أيها الإخوة القراء أن نسعى لنيل الخلود على مثاله بارتباطنا بمخلصنا المسيح يسوع ففـبه الخلاصُ وحده!

الشماس د. كوركيس مردو

عن الكاتب

عدد المقالات : 209

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى