الأستاذ عبدالغني يحيى ومؤتمر الأقليات والتهميش المتعمد للكلدان في كوردستان


حبيب تومي
حبيب تومي

المواضيع التي يطرحها الأستاذ عبد الغني علي يحيى تشغل حيزاً مهماً من همومنا ولهذا انا شخصياً تجذبني مواضيعه، وقرأت مقاله الموسوم: ضرورة عقد مؤتمر للأقليات في كردستان العراق حسب الرابط:

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topi c,577091.0.html

الذي تطرق فيه الى معضلة الأقليات في كوردستان، ولكون هذا المدعو (أنا) قد خلقت (وراثياً) لأكون فرداً مسيحياً كلدانياً اي من الشريحة الأجتماعية المصنفة من الأقليات الدينية والقومية العراقية، ونتيجة هذا الأنتماء الديني كان علي ان اتجشم عناء حزمة من الهموم الناجمة عن التعامل غير الندي، واحياناً غير إنساني، في الوطن العراقي بسبب الأنتماء الأثني او الديني الذي يختلف عن الأكثرية الإسلامية في الوطن العراقي الذي وجد طريقه الى العراق وبلدان اخرى غير عربية وغير اسلامية بعد الفتح العربي الإسلامي قبل حوالي 1400 سنة، وفي مجال الأنتماء الكلداني القومي، كان علي وعلى من افتخروا وتشرفوا معي بانتمائهم الى القومية الكلدانية ان نتحمل بعد 2003 حملة اقصائية عنصرية قاسية من قبل اخوة لنا، متذرعين بالأنتماء الديني الواحد، ومتسلحين بسلاح تقربهم من دائرة صنع القرار.

وخلال تلك القرون كان مصيرنا العيش تحت سقف الدولة الثيوقراطية الدينية بشكل وآخر، وإن كانت الدولة (الثيوقراطية) تخفف من تعسفها بين حين وآخر، فإن العنف الأجتماعي كان له حضور شبه دائم، ونجم عن تلك المعاملة بموجب احكام اهل الذمة، فكانت تلك القرون الطويلة كافية لانحسار الوجود السكاني للأقليات الدينية (مسيحية، يهودية، مندائية، ايزيدية، كاكائية) وذلك بتحولها الى الى ديانة الحاكم المسلم في العصور القديمة، ومن ثم كانت الهجرة خير متنفس في العصور الحديثة، حيث البقاء على الدين واكتساب الحرية على حساب التضحية بالوطن الأم بمغادرته والأستقرار في وطن بديل.

اجل، تراكمت همومي من الشعور بالأضطهاد في وطني العراقي وحينما انتقلت الى دول المهجر (النرويج) ورأيت كيف ان الأنسان يُعامل كأنسان دون اي اعتبارات دينية او قومية او سياسية او مذهبية او سلالية هكذا ازداد شعوري بأننا كنا نعيش في غابة يبدو ان المسلم هو سيد هذه الغابة وإن الآخرين ينبغي عليهم الطاعة والولاء وهم صاغرون.

لكي لا تتيه بوصلة المقال اعود الى العنوان، واعترف ان اقليم كوردستان (الديمقراطي العلماني) قياساً بالدول العربية والشرق اوسطية، هو افضل منها وهو يقف بينها وبين الدول الديمقراطية كالنرويج والسويد وفرنسا وأستراليا واميركا وغيرها من الدول المتقدمة في مسالة الديمقراطية وحقوق الأنسان.

وقد تطرق الكاتب الجليل في مقاله الى مسائل مهمة والى جميع الأقليات بما فيها مسالة تهميش الأيزيدية في الكابينة السابعة، وأشار الى ان القيادة قد ادركت خطأها ولهذا سوف يصار الى إحداث وزارة باسم وزارة شؤون الأيزيديين وهذا عمل جيد يشار له بالبنان، لكن الأستاذ الجليل عبد الغني لم يشر بحرف واحد او حتى الى إيراد اسم الكلدان طيلة مقاله الذي خص به حقوق الأقليات في كوردستان (القومية والدينية والمذهبية ..) فكان يجدر بالأستاذ الجليل عبد الغني حينما يدافع عن حقوق الأقليات ان يكون منصفاً فحينما يدافع عن الأيزيدية والتركمان.. وعن وحقوقهم كان عليه ان يدافع عن الكلدان الذين هضمت حقوقهم بشكل واضح.

في مقال الأستاذ الغني وردت هذه الفقرة (.. فعلى سبيل المثال نجد تمثيلاً ملموسا وواسعاً للأيزيديين والمسيحيين والتركمان في حكومة كردستان وتمتعاً واسعاً في الحقوق.) انتهى الأقتباس.

اقرأ في هذا النص شيئاً من خلط الأوراق لا سيما مخاطبة المكون من الكلدان والسريان والآثوريين والأرمن وحصرهم في بودقة الدين (المسيحيين)، لماذا نخاطب التركمان والأكراد والعرب بأسمائهم القومية دون مخاطبتهم بالأسلام او المسلمين، فلماذا نتهرب من المخاطبة القومية للمسيحيين بأن نتوقف عند الدين (المسيحيين) فقط.

اين تكمن الصعوبة إذا قلنا الكلدان والسريان والآشوريين والأرمن؟ لماذا ينبغي ان ننصهر في البودقة الدينية؟ اليست هذه تفرقة ما بعدها تفرقة؟ لماذا يتيسر الأمر حين مخاطبة الأسلام بالأكراد والعرب والتركمان في حين تتعسر المسألة حينما يتعلق الأمر بالمسيحيين وقومياتهم المختلفة منهم من الارمن والعرب والأكراد والكلدان والسريان والآشوريين والأقباط وغيرهم، لماذا يصار الى اختزالهم في الأسم الديني فحسب؟

إذا بقينا في اقليم كوردستان فسنلاحظ حالة ينبغي الإشارة اليها بأمانة وصدقية، وهي انه في العقود السابقة كان يشار الى المكون المسيحي بالكفار (كافر .. كاور ..) وبعدها طفقنا على سماع لفظة (فَلا : Falah ) وهي اخف من الأولى حيث تشير الى المهنة وهي الفلاح، ومصدرها عربي، حيث كان الكلدان حينما يتوجهون الى المدينة (الموصل بشكل رئيسي) بمنتوجاتهم الزراعية ويتكلمون لغتهم الكلدانية فيشار الي لغتهم بلفظة (الفلّيحي)، اي لغة الفلاحين، وهكذا لصقت بهم هذه اللفظة كلغة فلاحية والأكراد اخذوها من العرب كاسم لتمييز هذا القوم.

اليوم اصبحت لفظة المسيحيين هي المتداولة بين اكثر طبقات الشعب الكوردي ويبدو ان ثمة توجيه حول ذلك لأن القيادة الكوردية تطمح ان يسودها تعايش مجتمعي لكل اطياف المجتمع الكوردستاني المختلف عرقياً ودينياً ومذهبياً.

لقد آشار الأستاذ الكاتب الى تخوف الأقليات من بروز الأسلام السياسي، وتشير الدلائل على الأرض ان كردستان ليست بمنأى عن ذلك التأثير فالمظاهرات المنفلتة خارج القانون في زاخو وفي اربيل مؤخراً ليست بمنأى عن تلك الموجة التي تجتاح الدول العربية والتي اطلق عليها الربيع العربي، وفي الحقيقة كان ربيعاً اسلامياً ليس إلا، وخريفاً للاقليات الدينية في تلك الأمصار.

لكي نكون منصفين لا يوجد اضطهاد للاقليات الدينية ولا يوجد احكام جائرة بسبب الدين من قبل الحكومات والدساتير، إن كان من قبل الحكومة العراقية او من قبل حكومة اقليم كوردستان ولكن العكس هو الصحيح ان الحكوميتن تعملان ما بوسعهما للحفاظ على المكونات الدينية غير الأسلامية وتحافظ على دور العبادة لهذه المكونات، لكن يبقى العنف المجتمعي الذي يزاوله المكون الأسلامي ضد المكونات الأخرى من غير المسلمين، والسبب يعود الى ادبيات الدين الأسلامي التي تشعر المسلم وكأنه افضل من كل البشر (خير امة اخرجت للناس ..) إن هذا الشعور بالتفوق وما يعرف بأحكام اهل الذمة في العرف الأسلامي قد اوحى للمسلمين انهم النخبة المنتخبة عند الله وعلى الآخرين طاعتهم ودفع الجزية لهم .. الخ ولا اريد ان الخوض في الشؤون الدينية التي غالباً ما تفضي الى التمسك بالرأي، لأن الأنطلاق يكون دائماً من المقدس وليست هنالك مساحة للنقاش وإفحام المقابل.

ونبقى في المقال ونقرأ عبارة يوردها الكاتب في ختام مقاله يقول:

(ختاماً، ان اظهار وجه مشرق وحضاري لأي نظام أو حكومة في بلدان العالم الثالث بما فيها الحكومة الكردستانية والنظام القائم في كردستان، وفي بلد متعدد القوميات والطوائف لا يمكن تحقيق الديمقراطية والتقدم الحضاري إلا عبرالاعتراف بالحقوق المشروعة لها، للأقليات، وسيكون لعقد مؤتمر لأقليات كردستان مردود ايجابي على اكثرمن صعيد، على ان تكون توصياته ملزمة، وان يكون دورياً في أن معاً)

وبدوري في ختام مقالي اقول للاستاذ عبد الغني علي يحي:

ان مسودة الدستور الكوردستاني كانت متطابقة، بشان الأسم القومي مع مواد الدستور الفيدرالي العراقي حيث كانت هنالك اشارة واضحة للقومية الكلدانية، لكن بقدرة قادر وتحت تأثير حزب آشوري متنفذ في اقليم كوردستان قد ازيل اسم القومية الكلدانية ليصار الى كتابة تسمية قطارية لا تدل على اي شعب يحترم نفسه وتاريخه، إن هذا الألغاء يتناقض مع مواد الدستور العراقي ويتناقض مع مفهومية ان اقليم كوردستان يحترم حقوق المكونات الدينية والقومية والعرقية والسياسية المكونة للمجتمع الكوردستاني الجميل.

نحن ندعوا الكتاب الأجلاء لا سيما الأكراد منهم ان ينصفوا ويدعموا حقوق كل الأقليات وليس بعضها، إن حقوق الشعب الكلداني القومية والسياسية مهمشة في اقليم كوردستان بشكل واضح وإن اردات القيادة الكوردية ان تنصف الشعب الكلداني عليها الأعتراف بهذا الشعب بشكل مباشر ومستقل دون الرجوع الى اي مرجعية اخرى فنحن الكلدان نمثل نفسنا ولا نقبل بتمثيلنا من قبل مكون ديني او اثني آخر نحن الكلدان لنا تاريخنا الكلداني ولغتنا الكلدانية وقوميتنا الكلدانية ولا نقبل بأسم آخر.

حبيب تومي

اوسلو في 04 / 06 / 12

عن الكاتب

عدد المقالات : 252

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى