اضطهاد الكلدان والسريان بشقّيهم قبل مئة عام / الحلقة الأولى


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

ننقل بتصرُّفٍ صياغي دون الإخلال بالمضمون أحداث اضطهاد الكلدان والسريان بشقيهم  السريان المونوفيزيين الأرثوذكس والسريان الكاثوليك عن شاهد عيان المطران الكلداني ماراسرائيل اودو في كتابه الموسوم:

(اضطهاد المسيحيين من الكلدان الكاثوليك والكلدان النساطرة “الآثوريين” والأرمن في ماردين، سعرد، آمد، الجزيرة، نصيبين والرها وغيرها عام 1915م في تركيا/ ترجمة. الشماس خيري فومية/ مشيكَن- أميركا 2009م)

ففي (توطئة الكتاب اعلاه ص 9- 10) يقول المؤلف ماراسرائيل اودو: بأنَّ اضطهاد المسيحيين “أبناء الطوائف المسيحية” في ماردين باستثناء اليعاقبة “السريان الأرثوذكس” منهم في باديء الأمر، بدأ يوم الثالث من حزيران عام 1915م ولم تخمد نارُه حتى نهاية تشرين الأول من العام ذاته. ويُضيف: لم اسخِّر قلمي لأدوِّنَ هذا السِّفر، إلا على ما رأيته بأم عيني وسمعته باذني من الحقائق، مُبتعداً عن الإطالة ما استطعتُ. أما عن الذي دوَّنته نقلاً عمّا رُويَ لي، لم أقبله ولم أدَوِّنه إلا بعد البحث والتمحيص الدقيق، مُسجِّلاً لكُلِّ حادثٍ سببه.

يقول مؤلف الكتاب أعلاه في (الصفحة 26) وبعد التحقق وقفنا على السبب الواهي الباطل، الذي أتِّخِذ ذريعة لإبادة الأرمن، وهو مُطالبتهم بحريتهم، لكننا لم نجد أية ذريعة مهما كانت تافهة لإضطهاد الكلدان والسريان بشقيهم المونوفيزيين الأرثذكس والكثوليك وليس كما سمّاهم “الآراميين)لأنها تسمية خاطئة ولا تمت الى الحقيقة التاريخية بصلة، كما لا يُمكن لأحدٍ مهما تمادى في البحث عن ذنبٍ اقترفه هذا المكون الكلداني السرياني البائس والمظلوم في بلده الأصيل المُحتل من قبل مُضطهديه الغزاة، ومع كُلِّ ذلك فلم يكن بعيداً عن الحسد الذي تضمره له السلطات الغازية الحاكمة المتزمتة إسلامياً وقومياً، فكان ذلك السبب في اضطهاده للإستحواذ على ثرواته، إذ كان شعباً ذكياً يسعى الى جمع الثروة بجهوده الكبيرة لإسعاد عوائله وأبنائه، حيث يقول الأب ريتوري في كتابه (مسيحيون بين أنياب الوحوش / تحقيق جوزيف اليشوران / تعريب الأب عمانوئيل الريس ص 172) كان المسيحيون في تركيا يعملون في التجارة والصناعة ويمارسون المهن الحرة في الجزيرة اكثر من غيرها من المدن التركية، فجعلهم ذلك موضع حسد المُسلمين، اما القس اسحق ارملة فقد ذكر في كتابه (القصارى في نكبات النصارى طبعة بيروت 1919) بأن ما يربو عن الفي حانوت من حوانيت ماردين كانت تعود للمسيحيين. تُرى، فبأيِّ حَقٍّ يُعتدى على الشعبُ المسيحي الأعزل من قبل الأقوام التي احتلَّت أرضه وأهانت كرامته؟

ويستطرد المؤلف في (الصفحة 27 – 28 – 29) إنَّ المُعتدين من المسؤولين والحكام العثمانيين يلقون اللوم على أبناء القبائل الكردية واصفين إياهم بشدة الخبث الذي يعتمر في نفوسهم، هو الذي دفعهم للقيام بارتكاب جرائم الإبادة ضِدَّ المسيحيين مستغلّين انشغالنا بالحرب. إنَّ هذا الإدعاء ضعيف وسخيف معاً يدعو الى الإستهزاء والسخرية، ولا ينطلي حتى على الأطفال الأبرياء لأنَّه مبنيٌّ على الكذب، والدليل على ذلك، أنَّ لجنة إصدار أوامر الترحيل والإعدام كانت مؤلفة من رؤساء المدينة وحكّامها، وبأوامر من سلطات جمعية الإتحاد والترقي الحاكمة الباغية.  وقد شاهدنا عن كثب كيف كانت تُشرف على عملية مُداهمة الشوارع والحوانيت وساحات المدينة لإلقاء القبض على أبنائنا من الكلدان والسريان والطوائف المسيحية الأخرى، ولم تسلم الكنائس من رجسهم حيث اقتحموها واعتقلوا جميع الكهنة والشمامسة وزجّوهم في السجن، وبعد أن أساموهم أمَرَّ العذابات، نقلوهم الى خارج المدينة وأعدموهم بأمر حاكم المدينة المارديني. وكان بينهم سبعين فرداً من أبنائنا كلدان ماردين قد قُتِلوا عدا العدد الكبير من الشبّان الذين سيقوا الى جبهات القتال ولم يَعُد أحدٌ منهم.

أما في مدينة آمد “دياربكر” فقد أقتيدَ في قافلةٍ واحدة أفراد خمسة وثمانين بيتاً من رجال ونساءٍ واطفال، وأتوا بهم الى ماردين ووضعوهم في كنيسة ماركوركيس العائدة للأرمن وكان من ضمنهم شقيق القس سليمان كوجك اوسطا أحد كهنتنا الكلدان في آمد مع أفراد عائلته ووالدته العجوز، فقضوا عليهم جميعاً، ولكنَّ حارساً كان له معرفة بالكاهن جيدة جاء به الى عندنا وهو الذي أعلمنا بالحادث. وبناءً الى ما أبلغنا به، قدمنا التماساً الى المتصرف مُعلِمين إياه بأنَّ القافلة تضم كلداناً، وأن الأوامر لا تقضي بقتل الكلدان بحسب البيان الذي قرأه المُنادي، بيدَ أنَّ المتصرف رفض التماسنا ولم يُطلق سراح اولئك الكلدان.

في مدن نصيبين والجزيرة وميافرقين وسعرد وغيرها، استقدم امراءُ وحكامُ هذه المدن الأكراد من الجبال وطلبوا منهم الإشتراك مع العساكر، بإخراج المسيحيين من بيوتهم، فقامت العساكر وبأمر من الحاكم بإخراج الرجال اولاً وزجهم في السجن، ثمَّ أخرجوا النساء والأطفال والقوهم في السجن ايضاً، فذبحوا عدداً كبيراً منهم، وسبوا واستعبدوا الباقين. وإليكم ما قاله مُسلمو ماردين بهذا الصدد: < إنَّ الكاثوليك هم أتباع البابا وأعداء السلطنة وخونتها، ولهذا أمرنا بإبادتهم! وبما أنَّ اليعاقبة ليسوا موالين لأيَّة جهةٍ أجنبية منذ بدايتهم، لذا فهم أحبّاؤنا وفي حِمانا، وعليه فقد حافظنا عليهم ولم يُمَسّوا بأذىً. وبعد هدوء الإضطهاد ووقف عمل السيوف، انبرى أكراد ماردين من الرجال والنساء الى إسماع المسيحيين الناجين من المذابح تهديداً طالبين منهم نبذ المسيحية واعتناق الإسلام، ولن يكون مصيرالرافضين سوى الموت.

ويُتابع المطران اسرائيل اودو قائلاً: نستطيع أن نُجزم بأنَّ كُلَّ اولئك الذين استشهدوا وخاصةً من الكلدان والسريان الكاثوليك في كُلٍّ من آمد وماردين وسعرد والجزيرة ونصيبين وغيرها من المدن والقرى التي لا تُحصى، من مطارنةٍ وكهنةٍ وشمامسة ومؤمنين رجالاً ونساءً وفتياتٍ وفتياناً وأطفالاً رضعاً، هم شهداء حقيقيون للديانة المسيحية. لذا يحق للكنيسة الكلدانية أن تفتخر أمام أمم الأرض كُلِّها، بأنها وحتى في القرن العشرين، هي كنيسة الشهداء، كما كانت ومنذ انطلاقة المسيحية في ربوع بلاد بين النهرين، وبخاصةٍ في عهد الملك الفارسي الجائر شابور الثاني الساساني، وغيره من الملوك الذين تعاقبوا على حكم هذه البلاد. إنَّ عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الشهداء الذين نالوا اكليل الشهادة حفاظاً على درة الإيمان المسيحي الثمينة المخزونة في قلوبهم وضمائرهم، قد قدَّموا رقابهم كهدية أكثر قبولاً وتقديراً، ومن أجل يسوع الشهيد الأعظم. وهم كالنسغ الروحي، وأسمى من الطبيعة يجري في عروق الدوحة الباسقة الأغصان. ومن مجموع قتلى ماردين كانت حصة الكلدان سبعون شخصاً عدا العدد الكبير من الشباب الذين سيقوا الى جبهات القتال، ولم يَعُد منهم أحدٌ، أما عدد قتلى الكلدان من مديات وكفرجوز فكان واحداً وخمسين فرداً من الرجال والنساء. وفي منطقة تل الأرمن في ماردين كانت تسكن ما تزيد عن 800 عائلة أرمنية كاثوليكية وكانت تعيش بينها خمس وخمسون عائلة كلدانية، فتمَّت إبادتها عن بكرة ابيها، وفي نصيبين ابيدت ثلاثون عائلة رجالاً ونساءً مع كافة أبنائها.

وفي (الصفحة 31 – 32 -33) نختصر ما ورد فيها على لسان المؤلف المطران مار اودو حيث يقول: بعد نشوب الحرب العالمية الأولى بسبعة أشهر وبالتحديد في شهر شباط عام 1915م أصدَرت الحكومة العثمانية قراراً بفصل كافة الموظفين المسيحيين عن مناصبهم التي يشغلونها في دوائر الدولة وعلى كُلِّ المُستويات وفي عموم أنحاء السلطنة. وأعقب هذا القرار قرار آخر أشدُّ لهجةً من الأول، يُلزم المسيحيين كافة بتسليم جميع ما بحوزتهم من الأسلحة والأعتدة وخلال ثلاثة أيام فقط من صدوره، وعلى إثرها بادر العسكر بمُداهمة دور المسيحيين بحجة البحث عن الأسلحة المُخبأة، فبدأوا بضرب النساء والإستهزاء بهنَّ بتهكُّم وسخرية، وراحوا يحفرون في باحات الدور وفي الكنائس وحتى في أسفل المذابح المقدسة المكرَّسة لتقديم الأسرار المقدسة هادمين الجدران وقالعين الأسس بذريعة البحث عن الأسلحة فلم يعثروا على شيء وذلك لسبب بسيط هو لأنَّ المسيحيين لم يكن لديهم أيَّ نوع من السلاح.

إعفاء متصرفَين شهمَين

في شهر آذار نُقل الدكتور رشيد والي الموصل وعُيِّن والياً على آمد “دياربكر”، وبحسب ما وصفه الأب جاك ريتوري في كتابه  المُعنون ( مسيحيون بين أنياب الوحوش…ص 54) < بأنه لما قدم رشيد باشا الى دياربكر كان خالي الوفاض، بعد سنة غادرها الى انغورا في قافلة تضم 24 عربة مُحملة بالذهب والجواهر وطنافس وأثاث فاخر وأشياء اخرى ثمينة  نهبها من منازل الأرمن، قُدِّرَت كمية ذهبه بمئة الف ليرة عثمانية أمَّنها قبل مغادرته، ويُضيف الأب جاك في (الصفحة279) وبحوزته مئة الف ليرة ذهبية جناها من المذابح في ولايتي دياربكر وانغورا >. وما إن باشر مُهمَّته في دياربكر حتى أعطى الأولوية لتنفيذ قرارات جمعية الإتحاد والترقي القاضية بإبادة الأرمَن، فقد منح صلاحيات سرية صارمة للسيد حِلمي متصرِّف ماردين يطلب منه إبادة مسيحيي ماردين وضواحيها بدون تمييز، ولما كان السيد حِلمي رجلاً يتصف بالعدالة والنزاهة، لا يرغب بسفك الدماء البريئة، كتب بجرأةٍ الى الوالي وقابله عِدة مرات موضحاً بأنَّ هذه الأوامر والتعليمات لا تشمل جميع مسيحيي ماردين، وإنَّهم يستنجدون به وهم لا يملكون أيَّ نوع من السلاح، كما أنهم يختلفون عن الأرمن قومياً وحتى لا يتفقون معهم عقائدياً ومذهبياً. وحين تبيَّن له بأن كُلَّ مساعيه لدى الوالي لم تُجدِ نفعاً، طلب إعفاءَه من منصبه، فقبِل طلبُه وعُيِّن بديلاً له شفيق بك  منقولاً من ولاية وان. وكان لشفيق بك إطلاع  على قلاقل ماردين منذ أن كان متصرفاً عليها قبل أن يخلفه حِلمي بك صديقه الحميم،< إذ في الأول من شباط 1915م أقدمت السلطات العثمانية على استهداف الأرمن لإبادتهم، ولكنَّ الأرمن تمكنزا من الإختباء، ومعظمُهم لاذوا بالفرار والتجأوا الى روسيا >.  وكان شفيق بك كحلمي بك عادلاً لا يرضى بالظلم، فلم يشأ الإنزلاق والمُشاركة بهذا الظلم والإضطهاد الكبيرَين، فطلب هو الآخر إعفاءَه من هذا المنصب، ونقل الى بغداد وأسندت له وظيفة كاتب الولاية. وهذا دليل صارخ بأنّه مهما ازدادت شراسة الإستبداد والقتل والإنتقام بين أبناء البشر، ولكنَّهم لا يخلون من ذوي الضمائر الحية!

وعُيِّن متصرفاً على آمد “دياربكر” بدلاً عن شفيق بك “بدري بك” الذي بإشرافه جرت المأساة، حيث قام ياوره رشيد “مساعده” بإرسال توفيق بك الجركسي وبمعيته قومسير آمد ممدوح “مدير شرطة” وقد قال عن توفيق بك الأب جاك ريتوري في كتابه ( مسيحيون بين أنياب الوحوش… ص 54) بأنَّ توفيق بك الياورالأمين نال ثناء حكومته لقاء ارتكابه اعمالاً إجرامية بحق المسيحيين، وقد انصرف وحقائبُه منتفخة بالأموال التي نهبها منهم! قام توفيق والقومسير ممدوح فور وصولهما الى مدينة ماردين، وبعد أن لقيا تعاونا من زعماء مُسلميها واستعدادهم ليس لإرشادهما على عشرة من رؤساء الأرمن الكاثوليك البارزين حسب طلبهما بل إنَّهم مستعِدّون لتسليم كافة مسيحيي ماردين وضواحيها للموت، فسرَّهما هذا الموقف العِدائي من مسلمي ماردين تجاه مسيحييها المناقض تماماً لِما كان عليه الطرفان قبل ذلك وعلى مَرِّ الزمن يعيشان بمحبةٍ  ووئام! فشكَّلا لجنة من أربعين شخصا من عشائر ماردين برئاسة عبدالقادر باشا والمفتي حسين وخدر كوميري رئيس الحامية وأغوات العديد من العشائر الكردية وبخاصة أغوات عشائر الكُرد الثلاث التي كانت تقطن ماردين من زمن بعيد. وقد خُوِّلت هذه اللجنة بإصدار أوامر وأحكام إبادة المسيحيين سكان البلاد الأصليين من جميع الأجناس والأعمار.

يُتابع المؤلف ماراودو في (الصفحة 34 – 37) في عصر يوم الثالث من حزيران 1915م المصادف لعيد الجسد، اعتُقِل مارأغناطيوس مالويان مطران ماردين وتوابعها للأرمن الكاثوليك العالِم البليغ وهو في العقد الخامس من عمره، ومعه سكرتيره الشاب القس القس بولس سنيور، وفي اليوم التالي القي القبض على جميع رؤساء ونبلاء ووجهاء الأرمن والكلدان والسريان بشقيهم الكثوليك والمونوفيزيين اليعاقبة، ووصل عدد المُعتقلين خمسمائة وإثنين بضمنهم كهنة ارمن وسريان كاثوليك، وبعد أن فتشوا الدور والكنائس ونبشوا حتى القبور ولم يجدوا ما يُجرم المسيحيين، أبرزوا رسالة من شخص أرمني موجهة الى المطران مالويان، ورد فيها: < ها إننا قد هيّأنا البنادق والعتاد، واشترينا منها ستة أحمال، وسنكون عندك قريباً مع السلاح. (يقول القس اسحق ارملة في كتابه “القصارى في نكبات النصارى” هذه الرسالة قد اختلقتها السلطات العثمانية، لتجعل منها ذريعة لتبرير جريمتهم بتصفية الأرمن وبقية المسيحيين جسدياً، وقد ايَّدَ هذا الإختلاق الأب جاك ريتوري في كتابه (مسيحيون بين أنياب الوحوش…). ويتقزز صاحب أقسى قلب من وصف ما أساموه هؤلاء الأنجاس للمعتقلين المسيحيين الأبرياء!

استشهاد الوجبة الأولى

ويواصل الحديث ماراودو قائلاً: وبعد أربعة أيام أُطلِق سراح اليعاقبة الخمسة والثمانين، وكان المؤمَّل أن تكون المرحمة شاملة لكُلِّ السجناء، ولكنَّ ذلك الأمل لم يتحقَّق، إذ بعد أربعة أيام تالية، أُخرج جميع الباقين ليلاً، واقتيد كُلُّ أربعة منهم وقد قُيِّدوا بالحبال، والبعض منهم قد قُيِّدت أعناقهم وأياديهم وكأنَّهم مُجرمون قتلة. وأتجهوا بهم  صوب آمد تحت حراسة ثمانين فارساً، وبعد مسير ساعة واحدة حادوا بهم عن الطريق وأدخلوهم في شِعاب ووديان لا وجود للبشر فيها، إلا زمرة من الأكراد الأشرار مدججين بالأسلحة كانت بانتظارهم. وللحال أخرج قائد المفرزة فرماناً من عُبِّه يقضي بقتلهم، وبعد أن قرأه على مسامعهم، أردف قائلاً: إن أسلمتم واعترفتم بنبيِّنا، سنُشفق عليكم ونُعيدكم سالمين الى بيوتكم.

وكأنَّ إلهاماً أتى اولئك المؤمنين ففطنوا لتلك الخِدعة، ودبَّت فيهم الشجاعة وأجابوا قائد المفرزة بجرأة ورزانة وبصوتٍ واحد: < إسمع إذاً أنت وأفراد زمرتك، وانقل أقوالنا الى رؤسائك، نعلم يقيناً بأننا أبرياء أمام الله وأمام الشعب مما تتهموننا به. وضميرنا شاهد علينا، وحتى أنتم تشهدون لنا، ناهيك عن شهادة أهل ماردين بحسن سيرتنا وأخلاقنا وإخلاصنا للدولة ولكُلِّ فئات الشعب، وذلك بفضل ما تعلمناه وورثناه من آبائنا وأجدادنا الأبرار. فإذا كانت السلطات وأهالي ماردين لا يُريدوننا وينشدون قتلنا ظلماً وجوراً، فليكن دمُنا ودمُ نسائنا وأطفالنا الطاهر الذي ستسفكونه أنتم ظلماً شاهداً عليكم وعلى هذه الدولة يوم القيامة. إنَّ ساكن السماء لا يخفى عليه ما يكُنُّه البشر في قلوبهم وضمائرهم من مكر وخداع، وله سنترك الإنتقام من ظالمينا الطالبين مِنا أن نجحد ايماننا. إشهدوا علينا أنتَ وزُمرتُك، ونعلن جهاراً بأننا جميعا قد وُلِدنا مسيحيين وتربينا على ايمان حقيقي، وكذلك ليكن موتُنا، فلن تُضِلَّنا وعودكم الكاذبة، ولن نخشى القتل والموت، وقد كُتِبَ: <لا تخافوا من الذي يقتل الجسد، فإنَّه لا يستطيع أن يقتل الروح/متى 10-18> ثمَّ صاح الجميع بأعلى صوتهم قائلين: إننا جميعا مستعِدون للموت من أجل مسيحيتنا.

أخذ العجبُ مأخذه من اولئك الفرسان لشجاعة وبطولة هؤلاء الرجال الصالحين البواسل، فمنحوهم وقتاً زهاء نصف ساعةٍ ليستعِدوا فيها للموت بالصلاة والتوبة، أما الأشرار فكانوا يُعِدّون عِدَّتهم لتنفيذ المجزرة بحق هؤلاء الأبرياء الأبرار، وما إن انتهى الوقتُ الممنوح لهم، حتى انتصب شابٌّ في وسط الجمع واتجه بناظريه نحو الشرق رافعاً يديه نحو السماء (لم نعرف اسم الشاب ولا اسم عائلته) وأخرج من جيبه كتاب صلوات، وبدأ بتلاوة الصلوات والتضرعات وشاركه المؤمنون لمدة نصف ساعة، نالوا بعدها الحلة من قبل الكهنة الذين معهم، لأن (المطران اغناطيوس مالايان كان قد عُزل عنهم، وخُيِّر بين اعتناق الإسلام أو الموت، فرفض اعتناق ديانة تدعو الى ارتكاب مثل هذه الأعمال، فضُرب بقساوة حتى تدفق دمُه ولم يتذمَّر، لأنَّ المسيح كان يُساعده، وفي الآخر اجهزعليه القومسير ممدوح بالخنجر، وأخذ ملابس المطران وباعها في ماردين.)، وبعد أن أتمَّ المؤمنون صلواتهم وأصبحوا مُستعدين، تقدَّموا بمنتهى الجرأة صوب القتلة قائلين لهم: أكملوا مُهمتكم، وللحال شرع السفاحون الفرسان والأكراد بفرز كُلِّ عشرة مؤمنين، ثمَّ يُجهزون عليهم ذبحاً كالخراف، أو بقر بطونهم بالخناجر، أو ثقب أجسادهم برصاص منصهر، أو تهشيم رؤوسهم بالهراوات والقضبان الحديدية حتى أتوا الى آخرهم، وانتهت تلك المجزرة المُروعة، وكان عددُ أفراد هذه المجموعة 477 فرداً على النحو التالي 106 سريان كاثوليك، 36  كلدان كاثوليك، 335 أرمن كاثوليك، وتمَّ استشهادُهم في منطقة تُدعى “قلعة زوزاون يوم الحادي عشر من حزيران عام 1915م.

في سبب إطلاق سراح اليعاقبة

(مترجم الكتاب الذي ننقل عنه احداث الإضطهاد العثماني للأرمن والمسيحيين الآخرين عامةً، يستميح إخوتنا الأرثوذكس اليعاقبة عذراً، في حاشية الصفحة 38، عن امور لا يرغبونها، ويُضيف: ولكنه كمترجم عليه نقل ما يذكره المؤلف بكُلِّ أمانة، مع تأكيده بأن تفاهم الطوائف المسيحية فيما بينهم اليوم هو غير ما كان عليه في الزمن الغابر، وأن أعداء المسيح يضعون جميعنا في خانة واحدة بدون تمييز بين مذهب وآخر لا الآن ولا في أيِّ وقتٍ مضى، وخاصة منذ مجيء الإسلام،  وإنَّ المؤلف لم ينسَ ذكرَ ما أصاب الأرثوذكس اليعاقبة لاحقاً من الإضطهادات والملاحقات،  ويعني ذلك أنه يكتب الوقائع التاريخية كما جرت).

في (الصفحة 38 – 39 – 40) يقول المؤلف: بعد إلقاء القبض على أشراف اليعاقبة ووجهاء المسيحيين الآخرين، وايداعهم  السجن بدون تمييز، أرسل اليعاقبة بعضاً من وجهائهم عند المسؤولين متوسلين بهم قائلين لهم:  <إننا ومنذ القِدَم نُعتبَر من مُحِبيكم وفي حماية نبيِّكم الذي هو نبيُّنا، وعبيداً وخدماً لكم ولأبنائكم ومنذ زمن مديد. وقدسجنتمونا اسوة بالذين يكرهونكم، وحُسِبنا بصف أعداء مملكتكم وخُلطنا مع الأشرار. فارحموا عبيدكم ولتسبغ مراحمُكم على أيتامِكم، وأنقِذونا في سبيل الله. بالنبي العظيم نستغيث، فاشفِقوا علينا>. ولما سمع المسؤولون أقوالهم، عطفوا عليهم، وأمروا بأن يُطلق سراحهم فوراً شرط أن تُتلى علناً العريضة الموقعة من وجهائهموالتي جاء فيها: < إنَّ مسيحيي ماردين وضواحيها من السريان الكاثوليك والكلدان والبروتستانت، هم أعداء المملكة، ومُبغضو هذا الوطن، وهم من مُحِبي الغرباء(الدول الأوروبية) ومن مؤيديهم، وعليه فجميعهم يستحقون الموت، وبعد أن تَلوا تلك الشهادة الخبيثة، أُخرجوا من السجن. وأدناه أسماء الموقعين على تلك العريضة: حنا اوسي القس حنا، منصور جبوري، نعوم شهرستان، حنا حناش، وحنا هداية. إنها الحقيقة التي أسمعني إياها حنا هداية بنفسه، وقال لي حرفياً: < لسنا نحن الذين كانت لهم يد في مقتل مسيحيي ماردين وضواحيها، بل حنا اوسي الذي كان قد قتِل في داره وهو راقد في فراشه ليلاً، بعد أربع سنوات من ذلك الحادث. المطران اسرائيل اودو.

في بعض سجايا اليعاقبة

إنَّ يعاقبة ماردين أطلقوا على أنفسهم “ايتام محمد” و”ايتاماً وعبيداً للمُسلمين”، لم يخجلوا من الإسم المُشين الذي تسمّوا به ليكون كعلامةٍ فارقة تُميِّزهم عن بقية المسيحيين (من المذاهب الأخرى) بل كانوا يتباهون به كما يتباهى المسيحيون الحقيقيون بعلامة الصليب، إنَّ عشرتهم للمسلمين كانت وعلى الدوام أكثر مما كانت للمسيحيين. وبسبب تلك العشرة، فقد اقتدوا بأحاديثهم، إذ أخذوا يستشهدون بآياتٍ قرآنية خلال أحاديثهم لسببٍ كان أو لغير سببٍ، فقط للإقتداء بالمُسلمين والتباهي بعاداتهم. يُزيِّنون جدران منازلهم من الداخل بلوحات مطرَّزة بآيات قرآنية، أضِف الى ذلك :  أنَّ كبار أحبارهم (مطارنتهم) يعترفون ويعظون شعبهم عن الدين الإسلامي ويُعظمونه علناً. ويتشبَّهوا بهم الى أقصى حدٍّ باليمين والقسم خلال أحاديثهم، ويضعون القرآن على رؤوسهم. ومُحاباة للوجوه، أخذوا يُجاهرون علناً بما يختلج بقلوبهم ويُعلِّمون أبناء طائفتهم قائلين: خير لنا أن نعتنق الإسلام مِن أن نتحوَّل الى الكثلكة. وكانوا يُحاولون سَدَّ كُل السبُل أمام الكاثوليك. ويدعونهم أعداء المملكة العثمانية ومُبغضي الوطن ومُحِبي الأجانت.

هناك سبب آخر لإطلاق سراح اليعاقبة، وهو أن في طورعبدين قرى كثيرة يسكنها اليعاقبة، وأكبر تلك القرى ميديات. وعلاوة على ما رويناه، فقد ظنَّ المسؤولون المذكورون، أنهم لو قتلوا يعاقبة ماردين وتصل تلك الأخبار الى أهالي طورعبدين، سيثورون ويتمردون، وبذلك ستصعب السيطرة عليهم وإبادتهم. لذا ارتأوا إطلاق سراح يعاقبة ماردين، وتأجيل ضربهم الى وقتٍ مناسب. لذا فأمر إعفائهم الذي اعلن انقذ هؤلاء الذين من مدينة ماردين، ولكن ما سيرد لاحقاً سيختلف. والى الحلقة الثانية قريباً.

الشماس د. كوركيس مردو

في29 / 4 / 2015

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى