إنها فتوى آشورية على آثورية / عبد الأحد قلو


نادي بابل

 في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كانت ثقافة المبدأ رائجة بين شبابنا والمتعلمين في ذلك الوقت وكان جُلّ اهتمامهم هو انغماسهم بقراءة الكتب والمقالات في الصحف والمجلات الـشائعة والتي كانت تستهويهم وتزيدهم نضوجا في معتقدهم ومبدئهم، ويصل بهم الحد الى المعاناة والتضحية في سبيل تلك المبادئ التي كانت الطبقة المثـقـفة تنتهجها في ذلك الوقت، حـتى قـيل بأن مصر تؤلف ولبنان ينشر والعراقيين يـقـرؤون. لقـد ذاق معظم أولـئك اصحاب الفكر والمبادئ العلقم المر، بعد ان تـمَّ زجهم في السجون وتشريد الاخرين من ديارهم ومناطق سكناهم، لاذين بالفرار للخلاص بحياتهم وبأسرهم من شر النظام المتسلط في وقتها. وبعد ان استقر الامر بهم في بلدان المهجر مفوتين فرصة تحـقيق تلك المبادئ والقيم التي كانوا يدافعون عنها ليل نهار. وحاليا عندما نكلم احدهم في المهجر، يندب حظه لتلك الفترة التي لازمته تلك الافكار والتي شردته من بلده والحقت بأقربائه الخوف والذعر من الطغمة الحاكمة التي كانت تطالهم بسبب اقربائهم الخارجين عن قانون تلك الطغمة.

في بداية الالفية الثالثة وبالتحـديـد بعد 2003م ، اصبحت الامور ينظر اليها بمنظارآخر، بعد ان تـراجَـعَـتْ تجربة المبادئ والتضحية من اجلها والتي بائت بالفشل الذريع في تحقيقها في هكذا مجتمعات، وبدأو باستغلال ماهو سريع وسهل للوصول الى القمة. وفعلا وجدوا ضالتهم في ما يصبون اليه في الدين الذي طفت تقاليده وشعائره على السطح لشعب مسكين تراكمت عليه أزمات الحروب من تشريد وقتل وحرمان من العيش الكريم، فنمت فيهم مشاعر التدين وبصورة رهيبة مما سهل للبعض استغلال هذا التوجه لهذه الشريحة الكبيرة من الشعب، لتحقيق مآربهم الشخصية ولاشباع رغباتهم ومقاصدهم للتعويض عن ما فاتهم في زمن النظام السابق، وهم باقون على وعودهم الفارغة عند الانتخابات، مستغلين الديمقراطية في سبيل بقائهم في الحكم ولفترة اطول بالرغم من ان الامور اصبحت تذهب من سوء الى اسوأ. ولذلك انتشرت البدع الدينية لتحقيق مآرب سياسية ومنها الفتاوي، حيث ابدع ما يسمونهم بالعلماء المعممين بإفتاء ما يستهويهم، فمنهم من امر بقتل الميكي ماوس ومنهم من حلل رضاعة الكبير والاخر اوعز بهدم الكنائس في الخليج وغيرها.

ولكن الذي يهمنا في ماذهبت اليه هو وصول عدوى الفتاوي لمكوننا المسيحي وعلى لسان احد النواب المحنك في البرلمان لعـدّة دَورات برلمانية لكونه القائد الاوحد لحزبه ومنذ 2003م، ولازال مستمرا ان لم يحـظى بفترة اخرى، والذي صرح بإحدى فتاويه في الفضائيات وامام الملأ بأنه لا فرق مابين الاثوري والاشوري وانما سبب الاختلاف هو في اللفظ فقط (حرف الثاء والشين). وبموجب هذه الفـتـوى وبمباركة البطريرك المبجل، قاموا مستشاريهم بتحويل كل الكلمات التي فيها حرف الثاء الى حرف الشين وفعلا فقد تغيرت اسماء الكثير من مؤسساتهم واسمائهم الشخـصية ومنظماتهم، فالكنيسة المشرقية الاثورية اصبحت الكنيسة المشرقية الاشورية والنادي الاثوري الرياضي اصبح النادي الاشوري الرياضي والنادي الثقافي الاثوري اصبح النادي الثقافي الاشوري والذي شرع مؤخرا احد كتابهم بالتحدث عن هذا النادي(النادي الثقافي الاثوري)/ بغداد، الذي سبق وان ترددت عليه لمرات عديدة في سبعينات القرن الماضي، بعدما استقبلتني طالبة اثورية عند قبولي للدراسة في الجامعة وعرفتني على الاخوة الاثوريين من الطلاب والذين دعوني الى حفلاتهم وسفراتهم في هذا النادي، ولكنني لم اشعر بوجود ماهو موجه للتثقيف فيه عدا تعليمهم للغة الاثورية وكما يقولونها في حينها وقبل ان تتأشور. وشعرت من وقتها بأن لديهم صعوبة في لفظهم لحرف الشين، حيث الشيشان كانت تلفظ ثيثان، والشيش بالثيث وهكذا.

ولكن بعد هذه الفتوى انفتحت عقدتهم من حرف الشين وحتى انعكست الامور وتحسن لفظهم حيث اصبحوا يلفظون كل احرف الثاء بالشين فالنادي الاثوري اصبح بالنادي الاشوري والثور المجنح اصبح يلفظ بالشور المجنح ومنطقة اثور اصبحت امبراطورية اشور وثيثان عادت لأصلها واصبحت شيشان (سبحان مغير الاحوال) وهكذا وبصورة اوتوماتيكية الاثوريون اصبحوا اشوريين، وهذه الفتوة التي اطلقها السيد النائب كانت ترضية لوصية (ويكرام) الضابط في المخابرات البريطانية في نهاية القرن التاسع عشر والذي أتاهم كمبشر انكليزي مانحا لهم التسمية الاشورية، تخلصاً من تسميتهم بالنساطرة. والتي من وراء هذه التسمية ذاقوا الأمر من المر بعد تصفيتهم من مناطق تواجدهم من المناطق الحدودية لإيران وتركيا ومنها اروميا وقوجانس و وان والبازي وحيكاري والمتبقين منهم أتيَ بهم إلى العراق كلاجئين واسكنوهم في خيم وتم منحهم الجنسية العراقية وبتوصية من الانكليز وهم ليسوا بعراقيين اساسا.

ونحن حاليا نخشى ان يتم تكرار نفس السيناريو للمأساة التي حدثت لهم سابقا وتحت مسمى المحافظة المسيحية في سهل نينوى، الذين سيكونون الضحية للاطراف المتنازعة على هذه المنطقة. ويريدون من الكلدان بحجة الوحدة، طمسهم بحلمهم المبني على سراب الاشورية القالعة من اساسها. وسؤالنا هو: هل سيستمر بعض اخوتنا الكلدان في الغمس بهذا السراب مقابل حُفنة؟ ولكن هذه الحفنة ستنضب يوما ما، وبعدها ماذا سيجنون؟

 

عبدالأحد قلو

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7494

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى