إقامة سنغافورة كلدانية في سهل نينوى احلام وردية وجدل بيزنطي


حبيب تومي
حبيب تومي



يشكل الكلدان الأغلبية بالنسبة لمسيحيي العراق والذين من بينهم السريان

والآشوريين والأرمن ، وهذه النسبة يمكن ايجادها او بشكل مقارب لها ،

في سهل نينوى الذي يراد به المساحة التي تغطي القرى والمدن التي تمتد

من تلكيف جنوباً الى القوش شمالاً ، اما بالنسبة لأقحام اسم سنغافورة في

عنوان المقال فيأتي على خلفية كون سنغافورة هو اسم بلد آسيوي صغير

في المساحة وفقير في الواردات ، إلا ان قيادته السياسية المحنكة

والمخلصة لشعبها تمكن هذا البلد من الأقلاع من مستنقع الفقر والتخلف

والجهل ، ليجد له موطئ قدم والأستقرار في مصاف الدول المتقدمة فغدا

من النمور الأقتصادية في شرق آسيا وبات مضرب الأمثال ومثلاً يحتذى

به لكل شعب يريد ان يواكب عجلة التقدم والرقي .


هكذا اتخيل انا شخصياً ، إذا، أتيحت لنا الفرصة نحن الكلدانيون وبقية

مسيحيي العراق مع المكونات الأخرى { الأيزيدية ، الشبك } من الجيران

في منطقة سهل نينوى ، ففي هذه المنطقة الأفتراضية { المتخيلة }

المحدودة في سهل نينوى ، ان يعترف الجيران الكبار من العرب والأكراد

بوجود هكذا منطقة ، وان يصل مقدار أدارتها الذاتية الى مستوى مقارب

لأقليم كوردستان من وجود إدارة شبه مستقلة وميزانية وبرلمان وعلم ..

مع توفر مستوى جيد من الأمن والأستقرار ، فحسب تقديري ستكون تلك

المنطقة بمرور السنون بمستوى تقدم سنغافورة او قريباً منها في مجال

الأقتصاد والعمران والتعليم ، فمن المعروف ان الوضع المستقر يعتبر

قطب جاذب لرؤوس الأموال والأستثمارات ، وان الكلدان وغيرهم من

المسيحيين المهاجرين الى اميركا او اوروبا منذ عدة عقود يملكون اليوم

مقدار كبير من الخبرة والثروات وهم مستعدون لاستثمار اموالهم على

ارض آبائهم وأجداداهم في سهل نينوى وغيرها من الأماكن في الوطن

العراقي .


لقد علمت من احد اصدقائي الألاقشة وهو من المغتربين في اميركا وهو

من القلائل من ميسوري الحال الذين تبسمت لهم الحياة ويملكون باعاً

طويلاً في  دنيا المقاولات والأستثمارات ، بأنه اراد إقامة مشروع

استثماري في بلدته العزيزة القوش ، لكن الأوضاع المتردية بعد سقوط

النظام والتي نجم عنها نزيف الهجرة واسباب اخرى قد حالت دون تنفيذ

المشروع .


إن وجود منطقة حكم ذاتي لهذا الشعب المظلوم سيشعر بالحرية وبالكرامة

ويضع حداً للزمن الطويل من العبودية التي تمثلت في معاملة شعبنا

بأحكام اهل الذمة والتي تحمل في طياتها النظرة الدونية لأهل الكتاب من

المسيحيين واليهود .


نبقى في الأمنيات الوردية في تأسيس سنغافورة كلدانية في سهل نينوى ،

ونقول ان إقامة مثل ذلك الكيان سوف يكون له مردود ايجابي على معادلة

نزيف الهجرة الذي ينخر بجسد وجودنا في وطننا ، فتنقلب الآية للشروع

في الهجرة المعاكسة من دول المهجر الى الوطن ، وبرهاني على ذلك هو

ما نجده اليوم امامنا في مثال الشعب الكوردي ، حيث اجد امامي ، وعلى

سبيل المثال في النرويج نصادف اكراداً يبيعون محلاتهم وممتلكاتهم في

هذا البلد ويعودون الى كوردستان ، والسبب انهم يفضلون العيش في

وطنهم بعد ان زالت اسباب الهجرة التي اجبرتهم على ترك بلدهم ،

واصبحوا اليوم اسياداً في بلدهم ، هكذا نحن الشعب الكلداني وبقية

مسيحيي العراق إن كنا اسياداً في ارضنا وندير انفسنا بأنفسنا ، ونحتل

مكانة المواطنة من الدرجة الأولى ، وليس العاشرة ، في وطننا او على

الأقل في منطقة محدودة ، فحتماً ستكون هنالك هجرة معاكسة من المهجر

الى الوطن ، وكما يحدث للاكراد اليوم .


لكن .. ومرة اخرى ولكن ..


هل المسالة هي بهذه الصورة المخملية الوردية ؟ اجل بكل صراحة أعبر

عن سروري لقيام كيان سياسي لشعبنا وان يتمتع هذا الكيان باستقلال

ذاتي او بدرجة متقدمة من الحكم الذاتي او الأدارة الذاتية او حتى إذا قيست

بمساحة جغرافية يتعايش عليها مع مكونات اخرى في المنطقة كالأيزيدية

والشبك وغيرهم ، فنحن مع إقامة كيان يكون له استقلالية محددة ويستلم

ميزانيته من الدولة العراقية ويكون له علمه ورموزه ، فهذا الكيان سيمثل

بحق تاريخ بلاد مابين النهرين بإصالته وبرجوعه الى تاريخه المجيد في

عهد الأمبارطوريات السومرية والبابلية والآشورية والكلدانية التي بعدها

افلت الدولة العراقية الأصيلة ليبدأ بعدها الحكم السلوقي والأخميني

والساساني والعربي الأسلامي والمغولي والفارسي والعثماني والملكي الى

عهد عبد الكريم قاسم عام 1958 الذي يعتبر بحق انه حكم عراقي اصيل ،

إذ كان يقدس الهوية العراقية والانتماء العراقي .


بيما الحكام العروبيون من بعده كانوا يجعلون من العراق ضيعة عربية ،

وإن المواطن العربي في الدولة العراقية كان يعتبر المواطن من الدرجة

الأولى بينما المواطن العراقي في بلده العراق هو مواطن من الدرجة

الثانية ، هذه هي عقدة العراق ، منذ افول نجم الدولة الكلدانية العراقية

الأصيلة في عام 539 قبل الميلاد الى اليوم .


اجل بعد عام 2003 استيقظنا على واقع مرير ، حيث عصف الدهر بتلك

المكونات وألفينا انفسنا ونحن في واقع مؤلم ، فهذا المكون من الكلدان

وبقية مسيحيي العراق عكفنا على مغادرة الوطن مرغمين بعد ان اشتدت

عوائد الدهر ولم يعد امامنا سوى الهجرة الى ما وراء البحار لنجد لنا

موطناً يحترم ادميتنا وكرامتنا ونحمل في جيوبنا هوية إنسان يتمتع

بحقوق مواطنة من الدرجة الأولى وليس خلافها .


في سهل نينوى وبقية المناطق المتنازع عليها ، ومنهم من يقول هذه

كوردستان وآخرين يقولون هذه عربستان وآخرين يقولون هذه آشورستان

.. ونحن نقول نحن الكلدان نعيش على ارضنا في الواقع وهذه مدننا

الكلدانية القوش وتلكيف وتللسقف وباطنايا وياقوفا ، ونحن سكان هذه

المنطقة يجري سلب حقوقنا في رابعة النهار دون ان يسمع احد صراخنا .

ونحن مع ذلك نعمل مع الجميع ونمد يدنا للجميع .


الأحزاب السياسية لشعبنا ترمي بشعاراتها في الحكم الذاتي او في الأدارة

الذاتية ، وكتابنا من كلدان وسريان وآشوريين ، يحللون ويناقشون مسالة

الحكم الذاتي او المحافظة المسيحية كما اطلق عليها ـ تمشياً مع ما اطلقه

الأستاذ مام جلال حول محافظة مسيحية { لأخواننا المسيحيين } ـ اجل

غرقنا في زورق الأحلام الوردية ، وركبنا موجة المناقشات الماراثونية

والجدال البيزنطي حول انوثة او ذكورة الملائكة ، ولم نرغب في الأستيقاظ

من الحلم ، فلا زلنا نتشبث بسراب لا يغني عن العطش ، بل أنا شخصياً

استمرأت الحلم وبدات اشبه تلك المنطقة بسنغافورة كلدانية  ذات اقتصاد

متين ، لكن يا ترى أين ذلك الحلم من الواقع المرير ؟


من الذي يمنحنا الحكم الذاتي ؟


من الذي يعترف لنا بالأدارة الذاتية الحقيقية وليس الصورية ؟


بل من يقبل ان يمنحنا الدرجة الأولى للمواطنة العراقية ؟


وجوابي على ذلك ان كل ذلك ممكن ، إن كنا يد واحدة وقلب واحد ، فما

يعرف بأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى ، فإن اردنا الحقوق علينا بالوحدة في

صفوفنا ، والوحدة ليست على طريقة الأحزاب الآشورية المهيمنة وهي

طريقة ابتلاع الشعب الكلداني ومحو تاريخه من الوجود ، أنما وحدة شعبنا

من الكلدان والسريان والآشوريين هي بالأحترام المتبادل واحترام

الخصوصيات والأسماء والهويات المختلفة لشعبنا ، اي تسود الندية

والتكافؤ بيننا ، وهذا مشكوك في حدوثة من قبل الأحزاب الآشورية مع

الأسف لانها ببساطة أحزاب قومية متزمتة ، تعرف الهيمة والأحتواء ولا

تدرك معنى التعاون والشراكة الأخوية ، ولهذا سنبقى مفرقين على ارض

الواقع  .


وأخيراً اقول : ان سهل نينوى الذي تقطنه اكثرية كلدانية يمكن ان يكون

واحة خضراء ومنطقة تعايش لكل المكونات في هذه المنطقة من عرب

وأكراد وأيزيدية وشبك وأشوريين وسريان وتركمان وأرمن ، وأخيراً

الكلدانيين ، اجل يمكن ان تكون منطقة تعايش وتسامح إن جرى مراعاة

حقوق الجميع بشكل متكافي ومنصف وفي مقدمتهم حقوق شعبنا الكلداني.


حبيب تومي / القوش في 26 / 06 /11

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى