أنا وكتاب الأمم والقومية والسيدة الأثيوبية في الطائرة


حبيب تومي
حبيب تومي

احتفظ بمودة واحترام لصديق عزيز دائم يرافقني في حلي وترحالي ونحن متفاهمان ومنسجمان، وهو لا يكلفني اي مصاريف او متاعب، وهذا الصديق هو الكتاب وهو خير جليس اوقات السفر، إذ تتوفر لي فرصة للقراءة التي انا في شوق دائم اليها. وفي طريقي من اوسلو الى ستوكهولم بالقطار بدأت بقراءة كتاب مهم وهو (الأمم والقومية) لمؤلفه ايرنست غيلنر، وأكملت مشوار القراءة في الطائرة، من ستوكهولم الى اسطنبول، كانت بجانبي سيدة مكتنزة الجسم ذات سحنة سمراء مائلة الى الصفرة الغامقة وكما يقولون في البصرة (وجه أملح)، ويجلس الى جانبها شاب ابيض في مقتبل العمر، وكان بينهما حديث متواصل، وانا مندمج مع كتابي وأدون بعض الملاحظات وبعض الخواطر.

في هذه الأثناء اقبلت المضيفة تدفع عربة توزع وجبة عشاء على الركاب، ومع الأكل طلبتُ قنينة صغيرة من النبيذ الأحمر، ولاحظت السيدة السمراء بجانبي طلبت قنينة من النبيذ الأبيض.

بعد الأنتهاء من وجبة العشاء عثرت يدها بقدح الشراب الأبيض وانسكب بعضه على بنطلوني، واعربت عن اسفها لما حدث. فقلت لها لا تهتمي المسألة بسيطة، ولكنها علقت وقالت ان بنطلونك اصبح الآن اجمل، ولكن من حسن الحظ ان الشراب كان ابيض ولذلك زال كل اثر بعد جفافه.

بعد ذلك بدأت السيدة السمراء تفتح معي حديثاً وتسألني عن هويتي، وقالت قبل ان اجيبها بأنها تعرف شئ عن هويتي، وهي انني مسيحي، فقلت لها اجل لكن كيف عرفت؟ قالت لأنك طلبت مع وجبة العشاء شئ من الكحول بمعنى انك لست مسلماً، فقلت لها: بأني اعرف مسلمين يحتسون الخمور ولي اصدقاء مسيحيين لا يتناولون اي كحول مطلقاً فهذا ليس قياس.

وعن لغتي قلت لها ان لغة الكتاب الذي اقرأه هي العربية لكن لغة الأم لي هي اللغة الكلدانية وأن وطني هو العراق، وقوميتي كلدانية، وانا مقيم في النرويج.

وبعد ذلك علمت انها اثيوبية متجنسة في السويد منذ 25 سنة ونيف، وحينما قلت لها انك مسيحية باعتبارها من اثيوبيا، وهي دولة مسيحية منذ القدم، أجابت:

كلا انا لست مسيحية وليس لي دين ولا اؤمن بأي دين سماوي. اما اثيوبيا أجل انها دولة مسيحية لكنها تتحول الى الدين الإسلامي بسبب الفقر الذي يجتاحها، وهنالك منظمات اسلامية تقدم الطعام للطبقات الفقيرة وتستغل حاجتهم الى الغذاء لتحويلهم الى الدين الإسلامي، وهكذا ينتشر الدين الأسلامي بسرعة كبيرة بين هؤلاء الفقراء، وحينما سألتها: هل يجوز استغلال حاجة الأنسان لتبديل دينه او مبدأه السياسي او المذهبي او القومي، فقالت كلا لا يجوز استغلال حاجة الأنسان، ولهذا انا لا اريد ان انتمي الى اي دين سماوي، فأنا اعمل ما يمليه علي ضميري، لا اكثر. وأنا راضية ومرتاحة في بعدي عن الدين.

وبعد ذلك تحول حديثنا عن استفسارها عن اسم القومية الكلدانية ومن هم اصحاب هذه القومية؟ فقلت لها انهم مجموعة بشرية عراقية اصيلة وقد تشتت هذا القوم وغادر العراق ولم يبقى منهم سوى 50 بالمئة بعد سقوط النظام عام 2003.

اما الكلدان تاريخياً فيكفي ان اقول انهم بناة حضارات عراقية وكانت اول دولة بعد الطوفان هي الدولة الكلدانية، ومن آثارهم المشهورة الجنائن المعلقة التي تعتبر من عجائب الدنيا السبعة، وهم ايضاً أصحاب تقسيم وقت الى سنة وأشهر وأسابيع وأيام وكل يوم الى 24 ساعة وكل ساعة الى 60 دقيقة والدقيقة 60 ثانية، هذا التقويم المستعمل في انحاء المعمورة الى اليوم هو من اختراع الكلدانيون.

وبعد ذلك قالت السيدة لم تسألني عن الشاب الذي بصفي قلت لها ليس من حقي ان اسألك: قالت، كلا يجب ان تعلم ان هذا الشاب هو احد طلابي وأشارت الى شابين آخرين وقالت هؤلاء جميعم من طلابي وأنا استاذة جامعة في ستوكهولم.

اعود الى موضوع الكتاب “الأمم والقومية” والذي يفيد بأن القومية كانت في سبات في عصر قبل الصناعي، وقد عرفت القومية باعتبارها السعي لجعل الثقافة والدولة منسجمتين، اي جعل من القومية أداة سياسية، وهذا ما حصل للدول الأوروبية في عصر دولة القومية بعد تفكك الأمبراطوريات.

وأنا اقرأ هذا الكتاب تذكرت بعض الطروحات في هذا الشأن من قبل بعض كتابنا خاصة الأخ ليون برخو الذي يضع اللغة كعلامة رئيسية من علامات القومية وحدث بيني وبينه بعض الجدل حول ذلك، وحول الأعتراض على تسمية لغتنا بالكلدانة، لا ادري لماذا يستكثرون علينا هذه التسمية اللغوية في حين يحق لأي شعب ان يسمي لغته باسمه فنحن الكلدان لنا لغتنا الكلدانية والآثوريون لهم لغتهم الآثورية والسريان لهم لغتهم السريانية التي نسمعها من فضائية سوريو سات، وبهذا الصدد اشير الى ما يقول ايرنست غيلنر في الأمم والقومية ص91:

(إن اللغات السلوفانية والتيوتونية والرومانية هي في الحقيقة لا تختلف فيما بينها كثيراً في الأغلب، اكثر من اختلاف اللهجات داخل لغات تعتبر تقليدياً لغات موحدة، فاللغات السلافية، مثلاً، ربما كانت اقرب الواحدة منها الى الأخرى مما هي عليه الأشكال المختلفة من العاميات العربية التي يُزعم انها لغة واحدة.) انتهى الأقتباس.

ثمة زعم يقول ان القومية تتبع اللغة فالأكراد لأن لغتهم كوردية فسوف تكون قوميتهم كوردية والعربي سيتخذ اسم لغته العربية كعنوان لهويته القومية وهكذا بالنسبة الى اللغات الأخرى، وأنا اختلف مع هذا الطرح وقد بينت ذلك في تعليق سابق حول هذا الموضوع، فثمة من يتكلم الأنكليزية بل لغة الأم هي انكليزية لكن قوميته ليست انكليزية، والذين يتحدثون الأنكليزية في استراليا وأميركا مثال على ذلك، وكذلك من يتكلمون الأسبانية والبرتغالية فشعوب امريكا الجنوبية ليسوا اسبان او برتغاليين رغم ان لغتهم الأصلية هى برتغالية او اسبانية.

إذا تتبعنا موضوع اللغة فسيكون الاف القوميات حسب حجم اللغات والتي يقدر عددها الثقات بـحوالي 8000 لغة، ونحن نعلم ان عدد الدول في الوقت الحاضر هو 200 دولة فقط، ويمكن ان نضيف الى هذا العدد جميع الحركات القومية التحررية التي تسعى للاستقلال وتأسيس دولة خاصة بها، ومع كل الأحتمالات مهما كانت كبيرة لا يمكن ان يصل عدد الدول القومية الى جزء قليل مع العدد الكبير للغات البشرية.

وهنا نعود الى ايرنست غيلنر 92 الذي يحاول ان يزيد من القوميات الفعالة فيقول:

(دعونا نتظاهر على سبيل الإحسان، ان لدينا اربع مرات قدر العدد (200) من القوميات الفعالة بشكل معقول على الارض، وبكلمات اخرى لدينا الرقم (800)، إن هذا العدد اكبر من تبرره الوقائع ولكن دعونا نسلم به.. لا يزال الرقم التقريبي يعطينا قومية فعالة واحدة فقط لقاء كل عشر قوميات كامنة وهذه النسبة المثيرة للدهشة ،فالمفترض انها مثبطة لعزيمة اي قومي توحيدي Pan-nationalist. متحمس ان وجد مثل هذا الشخص.. ).

بقي ان نقول ان الفكر القومي إن تميز بالتحرر والأعتدال والتسامح فهو قابل للتعايش وبعكسه سيتحول هذا الفكر الى سيطرة اديولوجية إقصائية بحق الآخرين ففي زمن الدولة العثمانية مثلاً كانت الدولة تكتفي بجباية الضرائب وتسامحت مع التنوع الديني والأثني والثقافي، وعندما جاء خلفاؤهم الأتاتوركيين القوميين، إذ فرضوا المبدأ القومي القائل بمنطقة واحدة وقومية واحدة ولغة واحدة، إي انهم لم يكتفوا بالحصول على الضرائب بل عملوا على الأستيلاء على الروح الثقافية واللغوية والتعددية الأثنية لمواطنيهم.

هذا هو الفرق بين الفكر القومي الأقصائي والفكر القومي المتسامح المتعايش الذي يعترف بحرية الآخر.

والى سفرة اخرى ومقال آخر

د. حبيب تومي

habeebtomi@yahoo.no

عنكاوا في 02 ـ 03 ـ 13

 

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى