أسماك القرش تغزو مياه البصرة وقد تصل الأهوار والدلافين والحيتان تسجل حضورا لافتا


نادي بابل

سمكة من (القرش الحوت) يتم سحبها من المياه بعد اصطيادها في المياه الاقليمية الكويتية المتاخمة للمياه العراقية

السومرية نيوز/ البصرة

لم يتوقع الصياد الشاب علي عادل أنه سيصطاد يوماً سمكة بطول متر ونصف في شط العرب، لكن الأمر حدث معه بداية الشهر الحالي واصطاد واحدة بهذا الحجم، لكنه ما أن أخرجها بصعوبة حتى أفلتها بسرعة ليس بطراً وإنما خوفاً من سمكة القرش التي أوقعها حظه “وحظها”العاثر في شباكه وكادت محاولات هروبها أن تقلب قاربه الخشبي الصغير.

ويقول عادل في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن “شباك الصيد تمزقت أجزاء منها من جراء الحادثة”، ويلفت إلى إن”أسماك القرش أصبحت تتواجد بكثرة عند مدخل شط العرب بعد أن كان وجودها نادراً جداً”، موضحا أن “أعدادها بدأت تتزايد في شط العرب والمياه الإقليمية العراقية بالتزامن مع توافد سمك (الصبور) المهاجر خلال فصل الصيف”.

الظاهرة غريبة لكن مضايقات الإيرانيين أخطر من القروش
ويبدو أن عادل ليس وحده من خاض تجربة كهذه، إذ يؤكد صيادون آخرون في قضاء الفاو، نحو 100 كم جنوب مدينة البصرة، أن الكثير من القروش القادمة من الخليج العربي، والتي تعرف محلياً بـ”الكواسج”، أصبحت تتواجد قرب مصب شط العرب، وتتوغل أحياناً في مجراه شمالاً، في ظاهرة يصفونها بـ”الغريبة”، لكنهم يؤكدون أنها لم تعد نادرة في السنوات الأخيرة.

ويؤكد الصياد محسن عبد الرحيم وهو يحاول ترتيب شباكه بعد يوم اصطياد يقول إنه “لم يكن موفقا”، أن “أسماك القرش رغم كثرتها مؤخراً قرب مصب شط العرب إلا أنها لا تثير قلق الصيادين وان كانت تتسبب أحياناً بتضرر شباكهم”.

ويتابع عبد الرحيم حديثه لـ”السومرية نيوز” وقد ارتسمت ضحكة على وجهه ويقول “لكن مضايقات والاعتداءات التي تمارسها الدوريات البحرية الإيرانية بحق الصيادين العراقيين هي أخطر على حياتهم بكثير من القروش بكافة أنواعها وأحجامها”.

مركز علوم البحار:نتمنى تواجدها بكثرة في مياها!
ويفسر مدير مركز علوم البحار في جامعة البصرة الدكتور مالك حسن علي في حديث لـ”السومرية نيوز”، تواجد القروش في شط العرب بأنه “يعود إلى ارتفاع نسبة التراكيز الملحية في مياهه بعد أن كانت تتميز بعذوبتها وعدم ملائمتها لهذا النوع من الأحياء البحرية”.

ويقول علي وهو مدير المركز الحكومي الوحيد من نوعه في العراق إن “أسماك القرش لم تكن في الفترات السابقة بعيدة عن شط العرب لأنها كانت تتواجد بكثرة في المياه الإقليمية العراقية”، إلا انه يلفت إلى أن وجود القروش في المياه العراقية لا يعني شيئا سلبيا، ويتابع قائلا “القروش وإن كانت مخيفة إلا أنها تعتبر من مصادر الثروة الوطنية”.

ويوضح علي أن “أهمية اسماك القرش الاقتصادية تكمن في أنها تدخل في تصنيع أنواع كثيرة من الأدوية والعلاجات الطبية”، ويبين أن “أسماك القرش في العالم تتعرض للصيد الجائر، ومن الضروري حمايتها وتنميتها في مياهنا الوطنية تعزيزاً للتنوع الإحيائي فيها”، معربا عن أمله ان تتواجد بأعداد أكثر في المياه العراقية.

وكان أعلن مركز علوم البحار مطلع العام الحالي عن تسجيله دخول أكبر سمكة قرش في شط البصرة، الذي يقطع المحافظة من شمالها إلى أقصى جنوبها، حيث بلغ طولها أربعة أمتار، وهي من نوع “القرش الحوت” الذي يعيش في المحيطات الاستوائية والدافئة والبحار المفتوحة، ويصل عمره إلى حوالي 70 سنة، واعتبر المركز أن تواجد القرش الضخم يرجع إلى التغيرات البيئية التي طرأت مؤخراً وارتفاع مناسيب الأملاح وشح المياه.

وبحسب الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) فان الخليج العربي يعد أحد مناطق انتشار القرش الحوت، وهو أكبر أنواع الأسماك على الإطلاق، إذ يصل وزنه إلى 21 طنا، وطوله إلى حوالي 12 متراً، لكنه من القروش المسالمة، بخلاف أنواع أخرى تعيش في الخليج وتتميز بضراوتها، وأشهرها القرش الثور، والقرش النمر.

ظهور للحيتان والدلافين في المياه العراقية
ويلفت العالم البحري أن ما يعد اغرب من وجود تلك القروش هو تسجيل تواجد لحيتان في المياه الوطنية العراقية، ويقول علي إن “الفرق البحثية في مركز علوم البحار سجلت في العام الماضي لأول مرة منذ سنوات تواجد حوتين صغيرين ضمن نطاق المياه الإقليمية العراقية”، ويبين أن “الحوتين تمت مراقبتهما بعناية قبل أن يغادرا المياه الإقليمية بعد بقائهما فيها لفترة قصيرة”.

ويؤكد مدير مركز علوم البحار في جامعة البصرة أن”المياه الإقليمية العراقية كانت تعيش فيها الكثير من الدلافين قبل أن يصبح وجودها نادراً جداً في السنوات الأخيرة بسبب تفاقم التلوث البيئي وتصاعد وتيرة الأنشطة الملاحية”، ويعرب عن أسفه من جراء ذلك ويقول “تلك التحديات القاسية باتت تهدد الدلافين بالاختفاء من المياه العراقية، والتي كانت زاخرة بالتنوع الإحيائي بسبب دفئها”.

زيادة الملوحة في شط العرب قد توصل القروش إلى الأهوار
ولا يختلف خبراء البحار على ان التغييرات البيئية التي طرات على يابسة العراق ومياهه كانت السبب في اندثار انواع إحيائية عديدة او ظهور انواع اخرى تساعدها على التكاثر البيئة الجديدة التي وجدت.

ويقول المرشد الملاحي الأقدم في الشركة العامة للموانئ الكابتن البحري كاظم فنجان إن الدلافين غالبا من ترصد من فوق سطح المياه من قبل طواقم السفن التجارية التي تسلك القنوات الملاحية المؤدية إلى الموانئ العراقية، إلا انه يلفت إلى أن ذلك لن يجعلها محصورة في تلك المنطقة، ويعلق بالقول”الدلافين وان كانت من المخلوقات البحرية لكن ليس من المستبعد أن تتواجد في شط العرب لان مياهه أصبحت تماثل مياه البحر بملوحتها”.

ويتابع الخبير الملاحي حديثه لـ”السومرية نيوز”، ويقول إن وجود القروش لم يعد يقتصر على منطقة شط العرب ويبين ان شط البصرة الذي يصب في الخليج العربي عبر قناة خور الزبير بات “يعج حالياً بأسماك القرش، كما توجد فيه دلافين”، ويعتبر أن “ظاهرة توغل أسماك القرش في مجرى شط العرب لمسافات بعيدة تنذر بتسرب المزيد منها إلى مناطق الأهوار”.

شرطة البصرة: بالنسبة لنا المنطقة آمنة من القروش
وحتى سبعينيات القرن الماضي كان يتناقل سكان البصرة أنباء تفيد بأن قروشاً تتواجد في شط العرب وبعض الأنهار المتفرعة منه في مواسم معينة، وأنها كانت تفترس أحياناً الصبية الذين يسبحون قرب الضفاف.

لكن يبدو ان عدم تسجيل حوادث من هذا النوع منذ سنوات طويلة في المنطقة يجعل قوات الشرطة في البصرة تجزم بان “لا وجود لأسماك القرش في المنطقة”.

ويقول آمر قوة الشرطة النهرية في المحافظة المقدم مؤيد كاظم حالوب في حديث لـ”السومرية نيوز”، إن “الحديث عن وجود أسماك قرش أو مخلوقات أخرى مفترسة قادمة من الخليج إلى شط العرب امر مبالغ به”، ويستدرك بالقول إن “القروش إن كانت موجودة فعلاً في الشط ولا ترى إلا بواسطة شباك الصيادين فندعوهم إلى إبلاغ مفارزنا النهرية في حال اصطيادها”.

وكانت علقت في أكتوبر من العام 2007 سمكة قرش رمادية لا يقل وزنها عن 100 كغم بشباك صياد من سكنة أهوار محافظة ذي قار، نحو 380كم جنوب العاصمة بغداد، ولغرابة الحادث الذي يعد الأول من نوعه في المحافظة البعيدة عن البحر تدخلت قوات الشرطة للتحقيق، وقامت بنقل السمكة بعد قتلها إلى جامعة ذي قار لغرض تحنيطها، فيما أعربت مديرية البيئة في المحافظة عن دهشتها من تواجد سمكة من هذا النوع وبهذا الحجم في مناطق الأهوار، فيما انقسمت بعدها آراء المختصين بين مشكك بوجود أياد خفية ألقت بالقرش في الهور، ومن يرى انه جاء من الخليج عبر شط البصرة.

ويبدو أن الرحالة البريطاني غافن يونغ الذي تواجد في أهوار جنوب العراق منتصف القرن الماضي قد فك هذا اللغز في مؤلفه الشهير (العودة إلى الأهوار-1977)، إذ جاء في الفصل الأخير منه بأن الرجل يكون سيء الحظ فعلاً إذا ما وجد نفسه بمواجهة نوعين خطرين من الحيوانات التي تعيش في الأهوار هما أسماك القرش، وهي نادرة، والأفاعي السامة، وهي مألوفة.

ويضيف يونغ الذي توفي في العام 2001 عن عمر ناهز الـ70 سنة، في مؤلفه “لقد سمعت السكان المحليين يتناقلون خبر مشاهدة أسماك قرش صغيرة في الأهوار، وهذا الأمر ممكن عند حدوث فيضانات، لكني أعتقد انه من غير المحتمل أن ترى أحدها”، ويلفت إلى أن “هذه الأسماك شوهدت في مناسبات نادرة في أعالي نهر دجلة، وحتى بالقرب من العاصمة بغداد”، ويضيف أن “أحد زملاء الجنرال جيسي (عسكري بريطاني) روى له قصة عن مشاهدته لقرش طوله 15 قدماً في نهر الفرات قرب مدينة القرنة (نحو 100 كم شمال البصرة)، لكن الجنرال رد عليه مندهشاً :قرش! إن وجود حوت أزرق في تلك المنطقة أكثر احتمالاً”.

وتتميز محافظة البصرة، نحو 590 كم جنوب بغداد، بتنوعها الجغرافي والبيئي، حيث توجد مناطق الأهوار في أطرافها الشمالية، فيما تضم الأجزاء الغربية منها مناطق صحراوية تعد امتداداً للبادية الجنوبية، كما أنها تطل على شمال الخليج العربي من أقصى جنوبها، وقد أوجد التنوع البيئي والجغرافي في البصرة حالة من التنوع الإحيائي الفريد من نوعه على مستوى المنطقة.

عن الكاتب

عدد المقالات : 7495

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى